
قِصةُ الهِجْرَةِ إِلَى الحَبَشَة
لم يعد الوضع في مكة يُطاق بسبب ظلم سادة قريش للمسلمين حيث قتلوا منهم عدداً وعذَّبوا آخرين، ولم يعد بإمكانهم أن يتحركوا بحرية داخل مكة وفي جوارها، ولم يكن بإمكانهم ممارسة دورهم كمؤمنين عليهم واجبات شرعية حيث كان الواحد منهم يقيم الصلاة بعيداً عن أعين الناس كيلا يشي به أحدهم.
ولكن الله سبحانه جعل لهم مخرجاً مما هم فيه حيث أوحى إلى نبيّه(ص) أن يأمر المسلمين بالهجرة إلى الحبشة، فقال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صِدقٍ حتّى يجعل اللّه لكم فَرَجاً ممّا أنتم فيه: وقد حصلت تلك الهجرة على مرحلتين:
ففي المرحلة الأولى: هاجر نحو خمسة عشر شخصاً من مكة ليلاً نحو ميناء جدة وكان من بينهم أربع نسوة، وقد ركبوا سفينة كانت متجهة إلى تلك البقعة، وكان مشركوا مكة قد علموا بأمر هجرتهم فلحقوا بهم فلم يُدركوهم لأن السفينة قد غادرت الميناء.
وفي المرحلة الثانية: غادر مكة نحو ثلاثة وثمانين شخصاً وفي مقدمتهم جعفر بن عبد المطلب فوجدوا الحبشة ومَلِكَها كما وصفهما لهم رسول الله(ص) وقد وصفت السيدة أم سَلَمة حالتهم في أرض الحبشة حيث قالت: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمَّننا على ديننا، وعبدنا اللّه تعالى، لا نُؤذى، ولا نسمع شيئاً نكرهه:
وانتشر خبرٌ كاذب بين المسلمين في أرض الحبشة من أنّ قريشاً آمنت بالله ورسوله فحصل بينهم تضاربٌ في الآراء فمنهم من عاد إلى مكة ومنهم من بقي في الحبشة، وعندما علموا بأنها مجرد دعاية للإيقاع بهم عاد الذين غادروا الحبشة إليها مجدداً باستثناء عثمان بن مظعون الذي بقي في جوار الوليد بن المغيرة، ولكنه ردّ عليه جواره فلقي الكثير من تعذيب قريش له.
وصلت أخبار المسلمين في الحبشة إلى أسماع قادة قريش وكيف أنهم يتحركون بحرية ويمارسون عقيدتهم دون أن يمنعهم أحد فلم يعجبهم الأمر فقرروا أن يصنعوا مكيدة لإرجاعهم إلى مكة ومن ثم تعذيبهم أو قتلهم، وكان خوفهم نابعاً من فكرة أن المسلمين في الحبشة ربما يستطيعون إقناع النجاشي بمحاربة قريش، ولهذا سارعوا في صناعة تلك المكيدة.
لقد اجتمع الأقطاب في دار الندوة وقرروا إرسال هدية إلى النجاشي على أن يطرد المسلمين من دياره، وكان رئيس الوفد آنذاك عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فوصلا إلى النجاشي وسلماه الهدايا وقالا له: أيّها الملك إنّه قد ضوى إلى بلدك منّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدينٍ ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردَّهم إليهم، فهم أبصر بهم وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.
وقد شجعهم على قولهم هذا بطارقتُه الذين حصلوا على الهدايا من قبل، إلاّ أنّ النجاشي الحكيم العادل رفض إجابة مطالبهم دون أن يرجع إلى المسلمين فيرى رأيهم، وعندما حضروا أمامه بقيادة جعفر بن أبي طالب الناطق باسمهم، سأله الملك: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومَكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟
فقال جعفر بن أبي طالب بعد أن وصف حالهم قبل الاِسلام وكيف أنّ اللّه هداهم بالنبي (ص) : وأمرنا أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدّقناه وآمنا به واتّبعناه على ما جاء به من اللّه، فعبدنا اللّه وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حرّم علينا وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الاَوثان، وأن نستحلّ ما كنّا نستحلُّ من الخبائث، فلمّا قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلَم عندك أيّها الملك.
وقد أثّرت كلمات جعفر البليغة وحديثه العذب تأثيراً عجيباً في نفس النجاشي حتى أغرورقت عيناه بالدموع،وخاصة عندما قرأ عليه بعض الآيات القرآنية التي تخص عيسى و مريم «عليهما السلام» فبكى النجاشي وبكى أساقفتُه معه، وقال: «إنّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة»، ويقصد أنّ القرآن والاِنجيل كلام اللّه و أنَّهما شيء واحد، ثمّ التفت نحو موفدي قريش قائلاً: انطلقا فلا واللّه لا أسلمَهم إليكما.
إلاّ أنّ «عمرو بن العاص» فكّر في حيلة جديدة تخلّصهم من موقفهم السّيء والمخزي، وهي: أن يخبر الملك بما يسيء إلى المسيح (عليه السلام) فقال في اليوم التالي للملك: إنّهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، ولكنَّ جعفراً أجاب الملك في ذلك: نقول فيه الذي جاءنا به نبيّنا (ص) ، هو عبد اللّه ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، ممّا سرّ النجاشي و رضي به وقال: هذا واللّه هو الحقّ، وقال للمسلمين: اذهبوا فأنتم آمنون في أرضي، من سَبّكُم غُرِم، ما أحبّ أنّ لي دبراً من ذهب، وإنّي آذيت رجلاً منكم، ثمّ ردّ على وفد قريش هداياهم قائلاً: فلا حاجة لي بها، فواللّه ما أخذ اللّه منّي الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه، لا فخرجوا من عنده خائبين مقبوحين.

