Site icon الشيخ علي فقيه

حول يوم القيامة

ما زلنا نعمل على بيان حقيقة الموت التي ما زال جلها مجهولاً لدى جل من يجب أن يكونوا مدركين لجميع تفاصيلها لأن معرفة تلك الحقائق تجعل العارف لها مهيئاً لمواجهة المستقبل الذي لا نعرف منه إلا ما أطلعنا الله عليه، والناس تجاه حقيقة الموت ثلاثة:
منهم من عرف عن الموت كل ما كشف القرآن عنه وما أشار إليه المعصومون في كلامهم.
ومنهم من تعرف على جزء من تلك الحقيقة، ومنهم من جهل كل شيء عنها فلم يكن ذا حظ حتى في معرفة العامِّ منها.
وبما أنني ذكرت هذه الأنواع الثلاثة بالتعريف العام فقد رأيت من المناسب أن أقف على كل نوع لأشير إلى مواضع الصحة ومواضع الخلل وأضع العلاج المناسب لكل حالة على حده.
وأنا ممن يرفضون الكلام الجاف السطحي الذي لا يفي سوى بشيء يسير من تلك الحقائق التي يجب الإنكباب عليها والتأهب التام لمعرفتها لأنها تعني كل شيء بالنسبة للإنسان العاقل الذي وفقه ربه لمعرفة الدنيا والآخرة وإدراك الحكمة من جراء خلق الحياة وخلق الموت.
أما بالنسبة للنوع الأول الذين عرفوا كل ما أذن الله بمعرفته من الغيب الذي كشفه لنا عبر الإيحاء للمصطَفَينَ من خلقه فيمكن لي أن أصنف هذا النوع إلى ثلاثة أصناف: عامل بالكل مع معرفة الكل، وعامل بالبعض مع معرفة الكل، وتارك للكل مع معرفة الكل.
والرابح من هؤلاء الثلاثة هو الأول الذي سلك الطريق الصحيح بعد أن أضاءها بأنوار المعرفة فاجتازها حتى النهاية بأمان وكان من الفائزين.
وأما العارف بالكل العامل بالبعض فإما أن يكون تركه للعمل بالبعض الآخر عن عمد أو عن قصور، فإن كان عن عمد كانت نهايتة وخيمة وعاقبته شديدة لأن معرفته تلك هي أكبر مصدر للإحتجاج عليه في يوم الحساب، أما إذا كان تركه للعمل بالبعض الآخر عن قصور مع وجود نية لإتمام العمل فيكون حكمه حينئذ حكم العامل الأول وهو الفوز والنجاة.
وأما التارك للكل بسبب جهله للكل فعليه تفصيل لا بد من ذكره، وهذا التفصل ليس خاصاً بحقيقة الموت فقط بل هو يشمل جميع الأمور العبادية، وهذا التفصيل مستوى من بعض الأحكام الشرعية.
فهذا التارك للكل بسبب جهله للكل إن كان جهله بما تجب معرفته ناجماً عن عجز فيه مقبول في نظر أهل العقل فلا بد وأن يكون له عذر في يوم القيامة إن كان في نيته العمل لو كان يعلم.
وأما إذا كان جهله لما تجب معرفته ناجماً عن تقصير منه إذ كان بإمكانه أن يعلم فلم يتعلم كان حكمه حكم التارك عمداً، وقد جاء في الحديث أن مثل هذا المقصر يسأله ربه في يوم القيامة فيقول له عبدي لما لم تعمل؟ فيقول إلهي ما علمت، فيقول له الله لما لم تتعلم؟ وهنا يجري الميزان الذي ذكرته قبل قليل من حيث القصور والتقصير، وعدم المعرفة في زماننا الحاضر أصبح أمراً بعيداً ومستهجَناً وذلك بسبب كثرة وتنوع أساليب التعليم.
وبعد هذه المقدمة أتابع الكلام حول حقيقة الموت فأقول: إنه يجب على إنسان عاقل أن يعي تماماً بأنه طريدة للموت الذي يلاحقه من مكان إلى مكان حتى لو أحيط بأشداء البشر أو سكن القلاع المشيدة المحمية المحصَّنة فإن ذلك لا يمنع من حلول الأجل في الوقت المحدد، فمهما حافظ الإنسان على نفسه من الأخطار والأمراض فلا بد وأن تأتي اللحظة الحاسمة التي يفارق فيها هذه الدنيا بسبب واضح أو بسبب خفي لأنه وكما قال رب العالمين سبحانه(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) وقال(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) وقال(أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ)
هناك أكثر من آية في غير سورة تشير إلى هذا المعنى كان الغرض منها تنبيه الناس من غفلتهم التي في الغالب تكون قاتلة ومهلكة فإن أخسر الناس من تملكته الغفلة ولم ينتبه إلا وملك الموت قد جاء ليقبض روحه فهناك يخسر كل شيء ولا يجد فرصة لتغيير ما فات وتصحيح ما انقضى.
وقد جاء في وصية أمير المؤمنين(ع) لولد الحسن المجتبى سلام الله عليه: إعلم يا بني إنك إنما خُلقت للآخرة لا للدنيا وللموت لا للحياة وأنك في قُلعة ودار بُلغة وطريق إلى الآخرة وأنك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه ولا يفوته طالبه ولا بد أنه مدركه فكن منه على حذر أن يدركك على حال سيئة قد كنتَ تحدّث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك فإذا أنت قد أهلكتَ نفسك:
ولا أظن بأن هذا الكلام يحتاج إلى شيء من الشرح لأنه غاية في الوضوح، وفي موضع آخر حذرنا الإمام(ع) من الدنيا المخادعة حيث قال: وَأُحَذّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ، وَلَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ، قَدْ تَزَيَّنَتْ بَغُرُورِهَا، وَغَرَّتْ بِزِينَتِهَا، دَارُهَا هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا، فَخَلَطَ حَلاَلَهَا بِحَرَامِهَا، وَخَيْرَهَا بِشَرِّهَا، وَحَيَاتَهَا بِمَوتِهَا، وَحُلْوَهَا بِمُرِّهَا. لَمْ يُصْفِهَا اللهُ تَعَالَي لِأُوْلِيَائِهِ، وَلَمْ يَضِنَّ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ، خَيْرُهَا زَهِيدٌ، وَشَرُّهَا عَتِيدٌ، وَجَمْعُهَا يَنْفَدُ، وَمُلْكُهَا يُسْلَبُ، وَعَامِرُهَا يَخْرَبُ:

Exit mobile version