منوعات

قَصَصُ القُرْآنِ الكَرِيْم

قصة أبي البشر الثاني نوح(ع)

 

قِصَّةُ سَفِيْنَةِ نُوْحٍ(ع)

 

(وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ)
إنه أولُ أنبياء العزم الذين أُرسلوا للناس كافّة، وهو أطول الناس عمُراً، وكان طول عمره آيةً من آيات ربه الذي يصنع في خلقه ما يشاء، إنه نبيُّ الله نوحٌ(ع) الذي لبِثَ في قومه ما يناهز الألف سنة يدعوهم فيها إلى نَبْذ الأوثان وعبادة الرحمن(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) فواجهوا إحسانه إليهم بالإساءة له، واتهموه بالكذب والجنون فصبر على أذاهم، فلم يصدر منه خطأ تجاه أحدهم رغم كل ما كانوا يفعلونه به، وكان صبره عليهم بحجم المعجزة لو كانوا يعقلون.
هذه المدة التي ذكرها القرآن هي المدة التي دعا فيها قومه إلى الإيمان، وليست كل عمره المبارك، فقد ورد أنه عاش أكثر من ذلك.
والعجيب في الأمر هو أنّ زوجته كان تُعين الوثنيين عليه، وكان بعض أولاده على غير دينه، يعني أنّ البلاء قد دخل إلى بيته وتعشعش في أسرته التي كان يجب أن تكون عوناً له كالمعتاد، وهذا ما أعان عليه الكفار الذين تذرّعوا بكفر زوجته، بمعنى لو كان نوح صادقاً فيما يدعو إليه لصدّقته زوجته قبل غيرها، وقد أُمر بالصبر عليها ليكون سلوكه معها عبرةً للناس عبر الزمن، وبالفعل جعل الله امرأته وامرأة لوط درساً للرجال والنساء على مرّ الزمن، وقد ذكر لنا تلك العبرة في كتابه العزيز حيث قال فيهما(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)
ويستفاد من هذه الآية درسٌ كبير، وهو أنه لا يوجد عند الله تعالى محسوبيات ولا تجاوزات، بل عنده الحق فقط وفقط.
لقد كان تكذيب زوجته له آلمَ على قلبه من تكذيب جميع قومه لأنّ ظلمَ ذوي القربى أشد من ظلم الآخرين.
فليس من العيب أن يكون المرء مؤمناً وأحد أفراد عائلته غير ذلك، ولا يجوز أن نعيب عليه ذلك، نعم.. يعاب عليه إن قصّر في وعظهم وإرشادهم ونصحهم.
ولكي نعي تماماً تلك الحالة التي كان عليها نبي الله نوح فلنتخيّل أنفسنا أننا بين مجموعة من الناس نحدثهم بالخير والمنطق وندعوهم إلى الإيمان ونحثّهم على العمل الصاله وهم يسخرون منا ويستهزؤون بكلامنا، وهذه حالةٌ نعيشها يومياً في مجتمعنا المتمدّن والمتحضّر، فإنه إن حصل ذلك فلن نصبر عليهم ساعةً واحدة، بل سوف نترك مجلسهم ونملّ منهم، وربما لن نكلمهم بعد ذلك، هذا والمؤمنون كثرٌ حولنا وهم منتشرون في كل مكان على عكس الحالة التي كان عليها نوح وغيره من الأنبياء(ع).
لقد عاش نوح(ع) هذه الحالة القاسية والمؤلمة مراتٍ ومرات لفترة طويلة من الزمن، ولم يسكت ولم يمل ولم يتوانى عن تبليغ الدعوة، بل استمر في دعوته لهم رغم استهزائهم به وتهديداتهم له.
لقد عاش نبي الله نوح(ع) تلك الحالة أكثر من تسعة قرون بين قومٍ اشتُهر عنهم السخرية والإستهزاء واللؤم والخبث حيث منعوا الطعام عن نوح والمؤمنين به انتقاماً من الحق وأهله كعملية ضغط عليهم حتى يتركوا نوحاً لثبتوا ضعفه وينقضوا عليه متى شاؤوا.
ولو علِم نوحٌ بأنه يقدر على إقناعهم لَصَبر عليهم أكثر من تلك المدة، ولكنه عندما أيقن بأنه لن يُفلحوا أبداً ولن يؤمنوا بالله لحظة توجّه إلى الله تعالى بالدعاء عليهم(وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا)
فبعدما يئس نوح(ع) من قومه دعا عليهم بالهلاك حين أيقن أنهم سوف يضلون كل من يأتي بعدهم من الأجيال، ولن يخرج من أصلابهم مؤمن، فاستجاب الله دعاءه وأمره ببناء تلك السفينة التي أُطلق عليها اسم(سفينة النجاة)
والله يعلم كم استغرق من الوقت في بنائها حيث ورد أنه زرع بذور النخل وانتظرها حتى تنمو وتكبر، ومن المعلوم أن النخل لا ينبت بسرعة، وقيل إنّه قد بنى السفينة من خشب النخل الذي زرعه.
هذا والذين معه من المؤمنين لا يعرفون عن الأمر شيئاً، فقد ظنوا بأنه أمرهم بزرع النخل ليأكلوا ففعلوا وأكلوا، ولكنهم تفاجأوا بقراره عندما أمرهم بقطع أشجار النخل فامتثلوا الأمر وقطعوها بأشكال هندسية كان قد رسمها لهم، والحيرة تملأ قلوبهم، ولعل بعضهم ظنّ بأنه مجنون كما اتهمه الوثنيون، وبعضهم أنكر عليه هذا القرار، كيف نقطع أشجاراً انتظرنا نموّها لسنوات، ولكنه تابع في مهمته وألح عليهم تنفيذ القرار لأنه يعلم من ربه ما لا يعلمون.
وقد استغلّ الكفار تلك الحادثة فراحوا يؤكدون للناس جنون نوح حيث لا يفعل ذلك إلا مجنون، ومن الطبيعي أن يتهموه بذلك لأنهم لا يعرفون شيئاً، وقد اتهموه بالجنون قبل زرع النخيل وقطعه، وليس من الصعب عليهم أن يكرروا هذا الإتهام في حقه.
وكان الوثنيون يراقبون جميع تحركاته وهم يستهزؤون به في كل مرة، ولعلهم كانوا يأتون إليه في كل يوم للنيل منه عبر الإستهزاء والضحك، فعندما زرع النخيل قالوا لقد ترك النبوّة واشتغل مزارعاً، وعندما قطع شجر النخيل قالوا اشتغل نجاراً، والسخرية الكبرى منهم صدرت عندما بدأت ملامح السفينة تظهر، وهناك راحوا يؤكدون لبعضهم أنه مجنون، فهل من عاقلٍ يصنع سفينة في الصحراء(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)
عما قريب سوف يسخر منهم نوح(ع) ولكن ليس بطريقتهم، ولعل المراد بالسخرية هنا هو العذاب الذي سوف ينزل بهم والله أعلم.
ورغم كل ذلك لم يتوقف نوح عن دعوتهم إلى الحق، بل بقي صابراً على أذاهم لأنه يعلم ما سوف يحل بهم، وأنهم سوف يندمون حيث لا ينفع الندم(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) واستمر في دعوتهم إلى أن حمل الماء السفينة وتمت كلمة الله تعالى.
واكتملت السفينة وأصبحت جاهزة للإبحار وكانت سفينةً ضخمة للغاية لم يروا مثلها من قبل، فلماذا يبني سفينة عظيمة وهو لا يحتاج إلا لمركب صغير لأن المؤمنين به قلةٌ قليلة.
وهناك أوحى الله إليه وكلّفه بمهمة صعبة للغاية، ولكن الله تعالى أعانه عليها، فقد أمره أن يجمع زوجين من كل صنف حيوان، وهي تُعد بالآلاف(حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ)
لم يدخل تلك السفينة إلا أسرة نوح باستثناء زوجته وولده العاصي، وكذلك دخلها الذين آمنوا به وكان عددهم قليلاً.
لقد بحث كثيراً وسار طويلاً في الجبال والأودية والغابات يجمع أصناف الحيوانات ويُدخلها إلى السفينة حتى لم يبق نوعٌ منها إلا وأصبح في داخلها، ولا ندري إن كان هناك حيواناتٌ قد انقرضت بفعل الطوفان بأمر الله تعالى فإن الأمر مسكوتٌ عنه.
ثم بدأت مهمة جديدة وهي جمع الطعام لجميع الحيوانات فلقد علّمه الله تعالى ماذا يأكل كل نوع من تلك الحيوانات فجمع كمية كبيرة تكفيهم لأسابيع على متن تلك السفينة.
إنّ الكلام سهلٌ للغاية، وسَرْدُ القصة أسهل، ولكن الفعل كان أصعب مما نتصور حيث جمع بيديه الأطنان من الطعام وأدخلها إلى تلك السفينة، وفيها بعد بداية الطوفان راح يرعى شؤون الناس والحيوانات في آنٍ واحد في ظل تلك الظروف الصعبة والأحوال القاسية حيث كان كل شيء حولهم ماءاً.
لقد لبّى نوحٌ(ع) أمر الله تعالى ببناء السفينة وجمع أصناف الحيوانات من كلٍ زوجين اثنين، فأمره أن يدخل إليها ويُغلق أبوابها بإحكام، وذلك بعد أن فار التنور الذي كان فورانه علامة على بدء الطوفان(وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)

قِصةُ الطوْفَان

بنى نوح(ع) تلك السفينة الكبيرة ودخل إليها هو والذين آمنوا برسالته، وقد أدخل إليها الحيوانت التي جمعها، ثم بدأ هطول المطر بغزارة على غير العادة، والكافرون يحيطون بالسفينة من كل جانب وهم يلقون على نوح والذين معه ألواناً من السب والسخرية، ولكنّ ذلك لم يدُم طويلاً بعد فوران التنور، فسرعان ما أصبحوا جزءاً من الماضي السيء.
ثم راح الماء يرتفع شيئاً فشيئاً، وكان ابنُ نوح من الذين لم يؤمنوا، فدعاه أبوه ليصعد معه في السفينة مبيّناً له أنه لن ينجو أحد إلا مَن ركب السفينة، فأبى ونوى أن يصعد إلى جبل عالٍ جداً، فأخبره أبوه بأنه لن يعصمك الجبل من الماء فرفض تلبية طلب أبيه(وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)
ثم خفت صوته، وابتلعته المياه، وحزن نوح عليه، فهوّن الله عليه مصابه، ثم انطلقت تلك السفينة في موج كالجبال، والله وحده يعلم مستقرّها، وبقيت تسير فوق الماء لأسابيع حتى جاء أمر الله بانتهاء الرحلة لتستقر السفينة ويخرج كل مَن كان على متنها من بشر ودواب، وهناك بدأت على الأرض حياة جديدة هي المعبّر عنها بالبشرية الثانية(وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
وهبطت السفينة فوق جبل شاهق الإرتفاع واختفى الماء بأمر الله سبحانه وخرج نوح ومن معه من سفينة النجاة وأخرج جميع الحيوانات التي انتشرت وتكاثرت منذ ذلك الحين، وبقي نوح حزيناً على ولده فأمره ربه بأن لا يحزن على كافرٍ فاستغفر ربه وتابع مسيرته بعد أن أهبطه الله بسلام(قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)
سوف يأتي بعدك أممٌ كثيرة، منهم الصالحون ومنهم الكافرون، وسوف يثيب الله المحسنين على إحسانهم ويعذب العصاة بسبب عصيانهم.
وقد بدأت من حينها مرحلة جديدة من مراحل الحياة على هذا الكوكب، وقد سمي نوح(ع) بأبي البشر الثاني حيث تحدرت البشرية منه بعد أن انحدرت من أبيه آدم(ع).
والسؤال الذي يُطرح هنا: هل كان الطوفان شاملاً لكل الأرض أم أنه كان محصوراً في منطقة تواجد البشر.
لقد حدّثنا القرآن عن ذلك الطوفان دون أن يبيّن لنا شموله لكافة الكرة الأرضية أو أنه اختُص بمكان تواجد الناس حيث لم يكن انتشارهم واسعاً في ذلك الزمن.
كان عدد الناس قليلاً وتواجدهم محصوراً في بقعة صغيرة من الأرض، ولم تكن القارات والمحيطات قد اكتُشفت بعد من قِبل الإنسان.
وبما أن القرآن لم يصرّح بحجم الطوفان كان هناك احتمالان.
إما أن يكون الطوفان قد شمل الأرض كلها ومات كل من عليها من مخلوقات حية.
أو يكون محدوداً بحيث قُضي على الكفار في مكان تواجدهم ثم ابتلعت الأرض المياه.
وليس بالضرورة أن تكون سفينة نوح قد عبرت الأرض كلها، لاحتمال أن يكون إبحارها محصوراً في مكان الحادث والله أعلم.
ولكن الفكرة السائدة في الأذهان هي أن الطوفان قد شمل الأرض كلها، ولا دليل واضح يؤكد هذه النظرية التي بقيت في دائرة الإحتمال.
أما الطوفان فمؤكَّد، وأما حدوده فمجهولة، وما يهمنا في الأمر هو الإستفادة من الدرس المقتبس من هذا الطوفان وهو نهاية الظلم والكفر وأن الله تعالى شديد العقاب.
ولكن أكثر المفسرين يرجحون بأن الطوفان كان عالمياً حيث شمل العقاب كل كافر حتى ولو كان يسكن في آخر العالَم، وقد استدلوا على ذلك من إطلاق لفظ الأرض في الآيات الحاكية عن الطوفان والتي يُفهم منها عموم الأرض.

قِصةُ فَوَرَانِ التنور

(حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ)
جاء أمر الله تعالى بإنزال العقاب على قوم نوح بعد إنكارهم لرسالة الله واستهزائهم برسوله، وكانت علامة بداية الغضب الإلهي على قوم نوح أن يفور التنور بالماء، ولعله كان تنوراً معروفاً عندهم، والتنور هو الفرن الذي يُصنع فيه الخبز، وخروج الماء من ذلك التنور يعني أن منسوب المياه الجوفية بدأ بالإرتفاع بشكل غير اعتيادي، وقد حصل الطوفان بماء الأرض وماء السماء معاً، وهذا ما أشار إليه سبحانه بقوله(فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ)
وقد اعتبر بعض المفسرين أنّ التعبير بفوران التنور هو تعبير مجازي بمعنى أنه إذا فار غضب الله، وهو من الإستعمالات الرائجة في اللغة العربية كفوران الغضب، ولكن المعنى الأول(أي أنه استعمال حقيقي) هو المرجّح عند الأكثرين لأن لفظة(أل) في قوله(التنور) عهدية.
فقد تفجرت كل ينابيع الأرض وخرجت منها المياه بشكل غزير، ثم هطل المطر من السماء على غير العادة، والكافرون يرون ذلك بأعينهم ولكن لم تخشع قلوبهم، ومنهم زوجة نوح وولده كنعان، وحينها أمر الله نوحاً بركوب السفينة هو والذين آمنوا معه.
وقد حصل الطوفان عندما لم يبق أي أمل في إيمان أحد منهم، ولم يؤمن بنوح طيلة ألف سنة تقريباً إلا ثمانين شخصاً، يعني بمعدل إيمان شخص واحد كل اثني عشر عاماً.
وقد أخبر الله نبيّه بأنه لن يؤمن بك أحد غير الذين آمنوا من قبل(وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)
وعندما يئس نوح من إيمانهم دعا عليهم بالموت حيث أطلعه ربه على غيبٍ يختص بهم، وهو أنه لن يلدوا إلا كافراً(وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا)
أما مسألة جمع أصناف الحيوان من كلٍّ زوجين اثنين ففيه آراء كثيرة.
فعندما جاء أمر الله وفار التنور بالماء أمر الله نبيّه نوحاً بأن يجمع من كل صنف حيوان ذكراً وأنثى حتى يتناسلوا من جديد بعد أن تهبط السفينة بأمان، وقد عمل نوح كل ما بوسعه لإتمام هذه المهمة الصعبة التي لولا تدخُّل الإعجاز لما أتمها.
قد يكون للإعجاز دورٌ في طريقة جمعها، فهل أتت إليه خاضعة من أماكن تواجدها؟ أم أنه ذهب إلى تلك الأماكن وأتى بها؟ وهذا عملٌ يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد.
وقد يكون للإعجاز دورٌ مرة أخرى عندما انسلخت منهم الغرائز وهم في السفينة فكانت النعجة تمر بالقرب من الأسد فلا يلتفت إليها.
وقيل إن غرائزها لم تنسلخ ولكن نوحاً(ع) فصلها عن بعضها حيث هيأ لكل صنفٍ منها قفصاً خاصاً حتى يحميها من الإنقراض.
وقيل إنه جمع منها أصناف وقد انقرضت الأصناف الأخرى، ولكن ظاهر الآية يوحي بأنه جمع اثنين من جميع الأصناف.
وقد يطرح سؤال في المقام: هل جمع نوح كل أصناف الحيوانات في تلك السفينة؟ هذا مع العلم بأن الأصناف تعد بالملايين، أو أن هذه الأصناف الكثيرة لم تكن موجودة قبل الطوفان ثم وُجدت بعد ذلك؟ كل هذا يبقى في دائرة الشك على أمل الحصول على الأجوبة الشافية.

قِةُ البَشَرِيةِ الثانِيَة

(وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
على قِصَر ألفاظ هذه الآية الكريمة إلا أنها تتحدث عن ستة مواضيع أساسيى.
فعندما جرى الطوفان وارتفعت السفينة فوق الماء وأبحرت وسط أمواج كالجبال مدةً لم يصرّح القرآن بها، وقد قيل بأنها استمرت في الإبحار سبعة أيام، وقيل أيضاً أربعين يوماً، وقيل ستة أشهر، والله أعلم بتلك المدة.
وإذا كان الماء قد قضى على الظالمين في غضون لحظات فلماذا استمر الطوفان طيلة تلك المدة؟
هذا السؤال وأمثاله يمكن لأي عاقل أن يطرحه، ولكن ليس بالضرورة أن يكون الجواب وارداً حيث اختص الله لنفسه الكثير، ولم يُطلع عباده إلا على القليل، وكلامه سبحانه واضحٌ في هذا المجال(وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)
ربما يكون تعبيراً عن شدة انتقام الله من الكافرين، أو ربما يكون لاستقرار الماء فوق الأرض طيلة تلك المدة فائدة للأرض، وفي مثل هذه الأمور نُرجع الأمر لله وحده ونسلّم له ولا نسأله عما يفعل، بل لا يحق للعبد أن يسأل عما لا يعنيه إلا إذا كان في البيان فائدة فيجيبه الله بطرق كثيرة.
وأنا أعتقد بأننا لو راجعنا علماء الجيولوجيا في هذا الأمر لأفادونا كثيراً.
فبعد أن قضى الله أمراً في شأن القوم الظالمين أمر الأرض أن تبتلع جميع الماء الذي خرج منها والذي نزل إليها.
ثم أمر السماء أن تتوقف عن إنزال المطر، وبعدها هبطت السفينة على الجودي، وللجودي أكثر من معنى، فقيل هو الجبل، وقيل مكان في سهول العراق، وقيل في جبل معروف في الموصل، وقيل فوق جبال أرارات، وقيل إن المقصود بالجودي هو المكان الصَّلب.
والمهم في الأمر هو أن السفينة هبطت بسلام وخرج كل من كان على متنها من إنسان وحيوان انتشروا في بقاع الأرض وتكاثروا، وقد بدأت منذ ذلك الحين ما يسمى بالبشرية الثانية على اعتبار أن آدم(ع) هو أبو البشرية الأول لأنه أصل البشر، ونوح0ع) هو أبو البشرية الثانية حيث تكاثرت منه بعد استقرار السفينة.
والدرس المستفاد من هذه القصة هو كيف أن الله تعالى يرحم وينجي عباده المؤمنين، ويعاقب المجرمين على كفرهم، وأن الله تعالى مع المؤمنين في كل مراحل حياتهم وما يأتي بعد هذه المراحل من برزخ وقيامة.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى