Site icon الشيخ علي فقيه

أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

 

 

نَبِي اللهِ يُوْسُفُ(ع)

 

سورة يوسف هي السورة الثانية عشرة بحسب الترتيب القرآني للسور، وهي مكية، أي أنها نزلت على رسول الله(ص) أو أُمر بإبلاغها حالة كونه(ص) في مكة، وآياتها 111 آية، وأكثر آياتها تروي لنا أحداثاً من تاريخ نبي الله يوسف(ع) باستثناء عشر آيات منها تنص على أمور أخرى.

وتشتمل هذه السورة المباركة على العديد من العقائد والمفاهيم الدينية والإنسانية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية، كما وأنه تشير إلى نتائج الإيمان والصبر وكيف أن الحسد يضر بصاحبه قبل أن يضر بالمحسود وأن العاقبة للمتقين كما أخبر القرآن الكريم.

ولا يمكن لنا الحديث عما ورد في هذه السورة إلا بعد الوقوف على كل آية من آياتها الكريمة ولفت الأنظار إلى كل إشارة وردت فيها، وهذا ما سوف يتضح لنا في البحوث القادمة إن شاء الله رب العالمين.

 

نَبِي اللهِ يُوْسُفُ(ع)

 

يوجد في سيرة نبي الله يوسف(ع) وشخصيته ومواقفه العديد من العبر والدروس التي ما زلنا حتى هذه الأيام بأمس الحاجة إليها رغم البعد الزمني بيننا وبينه، ولقد حظي تاريخ يوسف باهتمام القرآن الكريم الذي كشف لنا من خلال اهتمامه بقضية يوسف عن أهمية تاريخه وضرورة التعرف على شيء منه من أجل كسب المعرفة والعبرة، وقد نزلت سورة كاملة تنص على أهم مراحل حياته، وهذا أمر ملفت للنظر لأن أحداثاً عظيمة وردت في القرآن بشكل موجز أما قضية يوسف فلقد ذُكرت بشكل مفصَّل.

وقبل الدخول في الحديث عن تاريخ يوسف ونشأته وما حصل له مع أخوته تجدر الإشارة إلى أمور لها صلة بتوضيح بعض النقاط التي يمكن أن تَرِدَ أثناء الحديث عن مواقف يوسف وأحداثه.

أولاً: إن يوسف(ع) نبي إبن نبي، عاش في أحضان الرسالات السماوية، ونشأ في كنف النبوة، وترعرع في جو من العلم والإيمان والصلاح، وتغذى من أبيه بالأخلاق الفاضلة والصفات الكريمة، فكان رمزاً من رموز التقى والورع والجهاد في سبيل الدعوة إلى الإيمان.

ثانياً: إن قضية يوسف(ع) في القرآن الكريم غلب عليها الطابع القصصي الشيِّق من أجل جذب الأسماع والقلوب إلى مضامينها ومحتوياتها حتى ادعى بعض أصحاب الأهواء بأنها قصة تاريخية وليست قرآنية، وهذا قول باطل بالضرورة.

ثالثاً: لقد حاول بعضهم أن يشوِّه بسمعة هذا النبي المعصوم فاتهمه بأنه انقاد لشهواته في لحظة من اللحظات عندما أغرته امرأة العزيز، والذين تبنوا هذا الرأي هم خاطؤون لأن رأيهم يسطدم مع فكرة النبوة والعصمة، حيث أننا نعتقد بأن المعصوم لا يفكر في ارتكاب المعصية فضلاً عن ارتكابها، فلا يجوز لنا أن ندعي بأن يوسف قد ضعف أمام شهوته ونفلسف الأمر بحسب ما تقتضيه أمزجتنا ومصالحنا لأننا لم نفهم معنى قوله تعالى(لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) فإنَّ فَهْم هذا المعنى مرتبط بقوله تعالى أثناء حديثه عن يوسف(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) فنحن عندما ندَّعي بأن يوسف فكَّر في ارتكاب المعصية فإننا لا نُخطأ في حقه فقط، وإنما نُخطأ في حق الله تعالى الذي عظّم يوسف ومدحه في كتابه العزيز، فكيف يمكن أن يضعه الله تعالى في هذا المستوى الرفيع وهو إنسان يفكر في المعصية؟..

فهؤلاء الذين اتهموا يوسف بذلك إما أنهم جاهلون في حقيقة الأمر، وهم يدَّعون العلم والمعرفة، أو أنهم يعرفون الحقيقة ولكنهم يريدون إثبات ذلك للطعن ببعض العقائد الثابتة حول العصمة وذلك من أجل أن يطعنوا بنصوص وردت عن خاتم النبيين في حق أهل بيته، أو أن هناك مصالح خاصة أخرى دفعت بهم إلى تبنِّي هذا القول.

رابعاً: قبل الحديث عن يوسف وإلصاق بعض القضايا العارية عن الصحة به ينبغي علينا أن ندرك بأنه معصوم، وأن نفهم معنى العصمة فهماً حقيقياً، فإننا من دون إدراك معنى العصمة لن نصل إلى المطلوب.

خامساً: لقد ظهر لنا شأن يوسف(ع) من خلال الإهتمام البالغ الذي لقيه من أبيه، وهو اهتمام قائد بقائد ورسالي برسالي كما اهتم النبي الأكرم(ص) بعلي ابن أبي طالب(ع) منذ ولادته مما كشف للناس عن شأن هذا المولود.

سادساً: لقد نص القرآن الكريم على كونه كان أجمل شخص في الوجود، وقد ورد في نصوص صحيحة أن الجمال انقسم إلى قسمين أحدهما جُعل في يوسف وحدَه، والقسم الآخر وُزّع على باقي الخلق، وأكبر شاهد على ذلك هو أن النسوة اللواتي عيّرن زليخا زوجة العزيز قد قطّعن أيديهن عندما رأينه، وقلن حاشا لله ما هذا بشراً، فإنهن لم يقلن ذلك إلا نتيجةً لجماله الخارق.

وقد كان من وراء جماله الخارق وامتناعه عن إطاعة زوجة العزيز عبرة للبشر، فإن هناك كثيراً من الرجال إذا امتلكوا ذرة من جمال يوسف فسدوا في الأرض وخضعوا لشهواتهم، أما يوسف رغم جماله وجمال زوجة العزيز فإنه لم يضعف أما الشهوة بل ذكر الله سبحانه ومنع نفسه من الضعف أمام هذا الموقف الصعب والإمتحان الكبير.

سابعاً: لقد كان يوسف(ع) عالي الأخلاق ورحب الصدر وكان متسماً بالصفح والعفو، فإنه كان قادراً على الإنتقام من أخوته الذين أرادوا قتله من غير جرم، ولكنه لم يعاملهم بالمثل، بل أكرمهم وعطف عليهم.

ولكي نفهم كل ما سوف يرد في قصة يوسف يجب أن نضع هذه النقاط أمامنا كيلا نفهم بعض الأحداث على غير الوجه الصحيح.

 

الرؤْيَا النبَوِيةُ الشهِيْرَة

 

في مطلع سورة يوسف قال تعالى(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)

عندما نريد أن نبحث في أية قضية تتعلق بالنبوة أو بالعصمة يجب علينا أن نكون حذرين من تلك الأفخاخ القاتلة التي ينصبها الشيطان الرجيم في طريق المعرفة التي توصل أهلها إلى الحق، فأية فقرة ترد حاملةً أوجهاً من التفسير فإنه يجب التعامل معها بأقصى درجات العمق والتأمل.

فلو أننا تأملنا قليلاً فيما قاله يوسف لأبيه(ع) ونظرنا إلى التعبير القرآني الخاص بهذه الحادثة لوجدنا أن القرآن الكريم لم يصرِّح بحقيقة هذه الرؤيا وكيف حصلت ليوسف، فهل رآها في عالم اليقظة كوحي تصويري أوحى الله به إليه؟ أم أنه رآها في منامه؟ فالقرآن الكريم لم يفصح عن الأمر متكلاً على السياق الكاشف عن الحقيقة أو على ما يتبادر إلى أذهان الناس من خلال هذا السرد القرآني الذي نفهم منه عالم الرؤيا أثناء النوم، أي أنه رأى ذلك في المنام، أو أنه تعالى أرجأ مسألة الشرح إلى النبي الخاتم(ص) وآله الأطهار(ع).

ولو أننا رجعنا إلى ما ورد عن أئمتنا سلام الله عليهم لتبيَّن لنا أن تلك الرؤيا قد حصلت أثناء النوم، وقد عرفنا سابقاً أن الوحي قد يأتي بعض الأنبياء عند نومهم، وقد ورد في بعض الأخبار أن الأنبياء(ع) تنام أعينهم دون قلوبهم.

لقد كانت تلك الرؤيا غريبة من نوعها لأننا إذا أردنا أن نفسر كيفية سجود الكواكب فسوف نعجز عن ذلك لأن سجودها له كيفية خاصة لأن أشكالها المستديرة والبيضوية تمنع من ظهور تلك الخصوصيات، أما الذي يراها في منامه فيمكن أن يراها بأشكال خاصة يفهم منها معنى السجود كما حصل لنبي الله يوسف(ع) الذي فهم سجودها بمجرد أن رآها لأنه قال لأبيه (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) أي أنه حكم على كونها سجدت له.

ولعل تكرار إخباره بالرؤية قد ورد للتأكيد على أنها لم تكن رؤيا عابرة وإنما كانت ذات معنى عقائدي كبير، وأنها وحي من الله تعالى.

ففي البدء قال يوسف لأبيه(إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) ثم أضاف تفسيراً كشف من خلاله عن الحالة التي كانت عليها تلك الكواكب والشمس والقمر حيث قال(رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)

وهناك أمرٌ آخر قد أدركه يوسف(ع) وهو حدث السن من خلال تلك الرؤيا، وهو أن سجودها كان له ولم يكن سجوداً لغيره.

ونحن في حياتنا العادية نهمل أغلب المنامات التي نراها أو يراها غيرنا لأن رؤيتها ترجع إلى أسباب مادية أو نفسية تنعكس على صاحبها في الليل بحسب التركيبة الكونية لنظام الجسد والروح.

فقد يعود سبب المنامات إلى بعض الأحداث التي تحصل مع الإنسان أثناء النهار فيسترجع بعض الصور التي شاهدها، ولكن بكيفية خاصة، أو ربما يعود سبب بعضها إلى نوعية أو كمية الطعام الذي يتناوله قبل النوم وبالأخص إذا كان شخصاً أكولاً، وهذه منامات فارغة ليس لها أي معنى، ولا تتحقق في عالَم اليقظة.

هذا ما يؤكده العلم الحديث الذي ينسجم في كثير من الأمور مع الموازين الدينية، ولعله في تفسير معنى هذه المنامات يتفق مع الدين، ونحن هنا لا نجرأ على النفي أو الإثبات بشكل كلي، لأنه ربما يكون لتلك المنامات تأويلات خفية أو بعيدة أو جزئية، ولأننا نجهل الكثير عن تلك الحقائق فقد دفع بنا جهلنا إلى الإعتقاد بعدم وجود آثار لهذه المنامات، أما بعض تلك المنامات كرؤيا يوسف(ع) فلا يجوز إنكارها أو نفي المعنى لها لأنها رؤيا نبي، والأرجح أن تكون من نوع الوحي.

وليس بالضرورة أن يكون الوحي أمراً بفعل شيء أو نهياً عن ارتكاب شيء آخر، فلربما يكون إنباءاً بحصول أمرٍ مستقبلي، تماماً كما حصل في تاريخ يوسف بن يعقوب(ع).

فالكلام بالنفي أو الإثبات يتعلق بمنامات الناس العاديين، أما منامات الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين فإن لها معان وتأويلات أكيدة لأن النبي مميز عن الناس العاديين بصفاء روحه ونقاء قلبه، فهو لا يرى وهماً، ولا يشاهد لغواً حتى في أثناء النوم، ولأجل ذلك يجب التمييز بين مناماتنا ومنامات الأنبياء وذلك من باب التنزيه لهم عما يعتري الناس العاديين من الأوهام.

ولأجل ذلك أيضاً نجد بأن الناس منذ القديم أعاروا اهمامات بالغة لكل منامات الأنبياء لأنهم استفادوا الكثير منها إما في ترقّب الأمور وإما في الإستعانة على فهم بعض المنامات العادية بربط شيء على شيء وحمل شيء على شيء.

 

تَفْسِيْرُ المَنَامَاتِ

 

إن الحديث عن رؤيا يوسف(ع) فتح أمامنا مجالاً واسعاً للبحث في حقيقة المنامات وتفسيرها، وبالخصوص أن هناك أشخاصاً كثيرين ادعوا الخبرة والعلم في تفسير الأحلام، وهذا ما نشك بصحته من الأساس لأن الأمر لا يعود إلى الذوق وإنما يعود إلى قدرات غيبية، وهذه القدرات الغيبية لا يحصل عليها سوى الأنبياء والأئمة سلام الله عليهم.

والكلام حول هذا الأمر بات ضرورياً في زماننا، فإننا رغم التطور العلمي والفكري والحضاري المحيط بنا ما زال هناك مجموعات كبيرة من مختلف الطبقات غارقين في مثل هذه الأوهام التي زرعها بعض الناس في المجتمع لأهداف خاصة وغايات وضيعة، منها ما أصبح واضحاً للجميع، ومنها ما زال مخفياً.

وقد لقيَتْ هذه المواضيع رواجاً هائلاً بين الناس، وقد أُلِّفَت كتب عديدة في هذا المجال وقد كسحت الأسواق مع الأسف، والحياة اليومية في كل المجتمعات مليئة بمثل هذه الأمور، فإننا يومياً نسمع فلاناً وفلاناً، هذا يقول رأيت مناماً أسعدني، وذاك يقول رأيت مناماً أخافني، وثالث يقول رأيت شيئاً لا أعرف معناه وهكذا..

ونحن نسمع أن هناك كثيراً من الأشخاص، وبعضهم له صفة دينية يفسرون المنامات، نحن نسألهم على أي شيء تعتمدون في تفسير الأحلام؟ فإن قالوا على القرآن، قلنا لهم إن القرآن ليس كتاب أحلام ومنامات حتى يمكن الإعتماد عليه في التفسير، وإن قالوا على السنّة النبوية وأحاديث المعصومين(ع) فإننا قلما نسمع أن أحد المعصومين فسّر مناماً لنفسه أو لغيره إلا نادراً كمنام الإمام الحسين(ع) عند قبر جده قبل مغادرة المدينة والتوجه نحو كربلاء.

وإن قالوا بأنهم يعتمدون في تفسير الأحلام على نماذج يرونها ويسمعون بها بين الناس فإن ذلك ليس حجة عليهم ولا علينا ولا على أحد من الناس.

نحن لدينا فكرة عامة وإجمالية عن المبادئ المتبعة في مسألة التفسير، وهي في الواقع تركيب شيء على شيء اعتماداً على منامات بعض الناس الذين فسروا مناماتهم على ذوقهم وبحسب مزاجهم وقد اتبع الآخرون نهج هؤلاء، وهذا أوهن ما يمكن أن نسمع به.

إن الطريقة التي يعتمد عليها أكثر مفسري الأحلام هي كالتالي: شخص رأى في منامه قطعة من الذهب وقد صادف في اليوم التالي أنه ابتلي بأمر مزعج أو حلّت به مصيبة فظن هذا الشخص بأن رؤيا الذهب في المنام تعني المصيبة، فتناقل الناس هذا الحدث حتى أصبح قاعدة عامة ثابتة لدى الناس، ولذلك كثيراً ما نسمع أشخاصاً من مختلف الطبقات والمذاهب يستيقظون عند الصباح ويستعيذون من منام رأوا فيه ذهباً لاعتقادهم بأن الذهب في المنام مؤشر شر.

وهنا أطرح عليكم سؤالاً: ماذا تقولون فيمن يرى الذهب في منامه ويكون يومه سعيداً، فهل أن الذهب الذي رآه هذا يختلف عن الذهب الذي رآه ذاك، أو أن عيار الذهب له أثر على تغيير المسارات؟..

ماذا تقولون في هذا التضارب بين الأمرين؟ فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن كثيراً من مفسري الأحلام لا يُعتمد عليهم ولا يُؤخَذ بكلامهم.

 

الرؤْيَا وَالمنَامُ فِيْ القُرْآن

 

رغم كثرة كلام الناس في الرؤيا والمنام وتأليف عشرات الكتب في هذا الشأن، ورغم اهتمام الأكثرين بهذا الأمر من مختلف الطبقات وانتشار هذه الأوهام في كل المجتمعات الغربية والشرقية نجد أن ذلك قائم على الوهم، فلا أساس له في الكتب السماوية، ولا اهتمام له في تاريخ البشر بما فيه تاريخ الرسالات السماوية إلا بشكل نادر جداً.

والقرآن الكريم الذي هو مرجعنا ودستورنا يشتمل على أكثر من ستة آلاف آية، ولا يوجد فيها ذكر للمنامات بشكل مميز، بل ورد ذلك في حالات قليلة وخاصة.

والمنامات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم منها ما هو وحي، ومنها ما له علاقة بمسألة التبليغ والدعوة إلى الإيمان كرؤيا فرعون ونمرود وعزيز مصر.

لقد ذكر لنا القرآن المجيد منام إبراهيم(ع) حيث يقول(قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)

وقال تعالى في موضوع رؤيا رسوله الأعظم(ص)(وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ) وفي نفس المجال قال تعالى(لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ)

وقد ذكر القرآن الكريم منام عزيز مصر الذي كان له صلة في تثبيت قدم يوسف وتمكينه من الحكم حيث قال تعالى(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)

وهناك منامان ذكرهما القرآن الكريم كان لهما دخل في إيصال يوسف إلى عزيز مصر وإخراجه من السجن بعد أن كان نسيه، قال تعالى(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)

ولولا هذين المنامين لما ذكر هؤلاء الإثنان أمر يوسف وأنه ذو مقدرة على تفسير الأحلام في حين أن كل المفسرين عجزوا عن تأويل رؤيا الملك.

ويحدثنا التاريخ عن منامين كان لهما أيضاً علاقة بشأن النبوة ومهام النبي، وهما منام نمرود الذي أمر على أثره بقتل كل مولود جديد، ومنام فرعون الذي فعل على إثره نفس الذي فعله نمرود قبله.

إذن هكذا نظر القرآن الكريم إلى المنامات، وقد ذكرها من باب العبرة وليس من أجل أن يعتمد الناس على مناماتهم التي هي في الغالب نتيجة بعض العوارض الخارجية.

ومن هنا فقد فصل بعضهم بين المنام والحُلُم والرؤيا، ونحن هنا لا نرى فائدة من ذكر هذا التفصيل أو التقسيم لأن الكل مجموعون تحت عنوان واحد، وهو ما يراه النائم.

وما رآه نبي الله يوسف(ع) يشابه ما رآه خليل الله إبراهيم من حيث المنشأ والواقعية والحقيقة، غير أن ما رآه يوسف كان حادثة سوف تتحقق، أما ما رآه إبراهيم فلقد كان أمراً من الله سبحانه وتعالى.

والمنامات نوعان: نوع يتحقق بحذافيره وجميع تفاصيله، كمن يرى في منامه بقرة شقراء ترعى في أرض خضراء في منطقة كذا فيستيقظ ويرى نفس ما رآه في المنام في نفس المشهد والموضع، ونوع آخر يتحقق، ولكن بتأويله كما تحقق منام يوسف عندما سجد له أخوته، فهو لم ير في نومه سجود أخوته، وإنما رأى سجود الكواكب، ولكن تأويل ما رآه كان سجود أخوته له.

 

أَضْوَاءٌ عَلَى رُؤْيَا يُوْسُفَ(ع)

 

إن مسألة الرؤيا التي رآها نبي الله يوسف(ع) لا تنحصر في موضوع منام رآه شخص وقد تحقق منامه فيما بعد، وإنما يتعلق بهذا الأمر العديد من المبادئ الدينية والمفاهيم العامة التي اختلف الناس فيها، كمسألة تفسير الأحلام التي أشرنا إليها سابقاً.

نعود إلى صلب بحثنا، قال تعالى(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) وظاهر هذا الكلام لا يتجاوز سطراً واحداً، ولكن أبعاده ومعانيه عميقة جداً ومهمة للغاية فإن هذه الرؤيا كانت مبدأ حياة رسالية طويلة خاضها صاحب هذه الرؤيا(ع).

وجميع الناس يدركون بأن المنام الذي رآه نبي الله يوسف قد جعله الله حقيقة بعد عقود من الزمن، ولا بأس هنا بأن نشير إلى نقاط هامة قد تكون أجنبية عن أذهان بعض الناس أو أنهم لم يلتفتوا إليها خلال قراءة هذه السورة المباركة، ومن جملتها أن بعض الناس يظنون بأن الرؤيا تحققت من خلال سجود أخوة يوسف وأبيه وأمه، أما موضوع سجود الأخوة فقد حصل، وبه تحققت الرؤية، وأما مسألة سجود أبيه وأمه فهذا وهم شائع بين الناس لا أساس له من الصحة لأن أباه نبي، وحتى لو لم يكن نبياً فلا يليق هذا الأمر بشأن الأبوة التي يقدسها الله تعالى ويأمر باحترامها وإن كان الأبوان كافرين.

ولكي يكون البحث مفيداً بشكل سريع وواضح ينبغي أن يدور الكلام هنا في محورين هما أساس هذا البحث:

المحور الأول: موضوع السجود الذي قام به أخوة يوسف عندما عرفوا أخاهم وأتوا بأبويهما إلى البلاد التي يحكمها هذا النبي الكريم.

وفي هذا المحور يُطرح سؤالان:

الأول: كيف سجد أخوة يوسف لأخيهم مع أن السجود لغير الله محرم؟

الثاني: على فرض أن يكون أخوة يوسف جاهلين بالحكم كيف سمح لهم بهذا العمل؟

أما الجواب على الأول فنقول: إما أن يكون سجودهم ليوسف فعلاً، ويمكن أن يكونوا وقعوا في الخطأ لجهلهم بالحكم لأنهم ليسوا معصومين عن الخطأ، وإما أن يكونوا عالمين ولكن السجود في عهدهم للتعظيم لم يكن محرماً بحيث يفصل بين سجود التعظيم لبعض الناس وبين السجود الذي يقصد به وجه الله تعالى.

وعلى كل حال فإن جميع الأوجه تبقى في مرحلة الإمكان، والأمر مسكوت عنه في كتاب الله.

وأما الجواب على الثاني: فنقول: على فرض أن السجود لغير الله كان محرماً في عهدهم فليس بالضرورة أن يكون النبي راضياً ربما نهاهم عن ذلك بعد أن فعلوه، وربما يكون السجود الذي صدر منهم تعظيماً لله سبحانه وتعالى ولا يُقصد به شخص يوسف(ع).

المحور الثاني: وهو سجود الأبوين، فلقد قال تعالى(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا) فلقد كان الكلام في الأول عن يعقوب وزوجته، ثم انتقل الحديث إلى أخوة يوسف فيكون الضمير في قوله(وَخَرُّواْ) عائداً على أخوة يوسف، وليس على أبويه، ونحن نرفض فكرة أن يكون الأبوان مشمولين في الأمر لأن ذلك يتنافى مع المبادئ الدينية والأخلاقية فإن الأبوين أحق بهذا التعظيم من الإبن، وإن كان المراد بالشمس والقمر أباه وأمه وقد سجدا له فإننا نردّ الأمر هنا إلى الله تعالى ولا نعلّق على هذا الموضوع، ولكن ما أذكره هنا هو مجرد احتمالات قد تكون صائبة وقد تكون غير ذلك.

ثم إن الكواكب التي رآها يوسف في منامه كان عددها بعدد أخوته فقط أحد عشر، وأما الشمس والقمر فقد لا يكونان مشمولين لأنه قال(رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا) ثم تحدث عن الشمس والقمر فقال(وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) فصلهما عن الكواكب، ثم قال(رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) أي الكواكب، وإذا كانت الشمس والقمر مشمولين فيكون عدد أخوة يوسف ثلاثة عشر وليس أحد عشر، والله تعالى أعلم.

 

رَوْعَةُ تَعَابِيْرِ القُرْآنِ الكَرِيْم

 

كلما تأملنا في ألفاظ القرآن وأمْعَنّا النظر في تراكبه الخاصة وتعابيره الرائعة كلما ازددنا إعجاباً وقناعة وتعلقاً بهذا الكتاب السماوي العظيم الذي جعله خالقه معجزة خالدة تتماشى مع كل عصر وجيل.

هذه الروعة وهذا الجمال في تراكيب الألفاظ موجود في كل سورة وآية، بدءاً من فاتحة الكتاب ووصولاً إلى سورة الناس، وهذه الروعة بشكل أولى تدخل في سورة يوسف موضوع بحثنا.

وسوف أقف في هذا البحث الموجز على آية من أول هذه السورة وآية من آخرها، ومن خلال التأمل فيهما نصل إلى الفكرة المبحوث عنها حول مسألة السجود أو مسألة تأويل الرؤيا التي مر عليها سنوات طويلة ثم تحققت.

الآية الأولى(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) والآية الثانية هي قوله تعالى(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)

وأريد هنا أن أقدم للبحث بمقدمة ثانية توضح لنا الفكرة بشكل أوضح وطريق أيسر، وهي الآية التي تتحدث عن قصة العزير الذي أماته الله مئة عام ثم أحياه بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة، قال تعالى(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ) والسؤال هنا لماذا لم يجب بإجابة واحدة أي لماذا لم يقل لبثت يوماً، وما هو سبب العدول من قوله يوماً إلى قوله أو بعض يوم؟

سبب هذا العدول هو أن العزير عندما أماته ربه حصل له ذلك قبيل الظهر حيث كان مستلقياً يستريح، وعندما أتى الأمر الإلهي بإحيائه بعد موته حصل ذلك في فترة بعد الظهر، فعندما قال أو بعض يوم كان قد نظر إلى القرص فرآه لم يغرب بعد فعدل عن جوابه الأول إلى جوابه الثاني.

هذا نموذج واحد من نماذج التعابير القرآنية الخاصة بهذه المعجزة اللغوية والبلاغية والمعنوية والتنبؤية.

إذاً.. هناك استعمالات قرآنية خاصة يستعملها القرآن في بيان الأحداث والمواقف، ومن جملة تلك الإستعمالات ما ورد في الآيتين حول رؤيا يوسف(ع) فقد قال تعالى(إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) لماذا لم يقل(أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين) لماذا كرر الفعل مرتين:رأيت، ورأيتهم، لعل السبب هو رجوع الضمير إلى الكواكب باستثناء الشمس والقمر اللذين كان تأويلهما يعقوب وزوجته لأنهما لم يسجدا كما ذكرنا في البحث الماضي.

 

خَوْفُ يَعْقُوْبَ عَلَى وَلَدِهِ يُوْسُفَ

 

كل أب في هذا الوجود يخاف على ولده من الخطر، ويخشى أن يصيبه مكروه، ولكن هذا الشعور الأبوي العظيم لا يحمل نسبة موحدة في الجميع، فإن خوف الآباء على الأبناء متفاوت بين شخص وآخر.

ولا يقال: هذا نبي لا ينبغي أن يخشى على أولاده، أو هذا إمام معصوم لا يجدر به الخوف عليهم، فإن الشعور الأبوي موجود في كل الآباء، ومن جملتهم الأوصياء والأولياء والصالحون.

وفي بيان خوف يعقوب على ولده يوسف قال تعالى(قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)

فبعد أن أخبر يوسف أباه بتلك الرؤيا العظيمة أدرك يعقوب حجم الخطر الذي بات محدقاً بولده يوسف من جهة أخوته فضلاً عن الأعداء الآخرين نتيجة لحسد أخوته له وكره الكفار للأنبياء والرسل، وقد كان يعقوب يخشى على ولده يوسف قبل تلك الرؤيا التي كان أخوته بحسب قربهم من النبي يفهمون معناها وتأويلها.

لقد كان أخوته يبغضونه لأنه مميز لدى أبيهم، ولأنه كان أجمل شخص في الوجود، ولم تكن هذه الإعتبارات هي سبب تمييز يعقوب له، وإنما كان هناك اعتبارات أخرى، فإن يعقوب كان يرى في ولده يوسف علامات النبوة وملامحها ودلائلها.

فعندما سمع يعقوب كلام يوسف حول تلك الرؤيا حذَّره من أن يقصَّها على مسامع أخوته، فلقد كانوا يحسدون أخاهم قبلها، فكيف سيكون الحال بعد أن يعلموا بها؟..

لذلك قال له(لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا) لقد علم يعقوب بأن الشيطان الرجيم قد استحوذ على قلوبهم وأشعل نار الحسد بداخلهم ليتآمروا على يوسف الذي سوف يكون عائقاً كبيراً للشيطان.

ولشدة الحسد الذي كان نابتاً في قلوب أخوة يوسف فلقد حاولوا قتله عندما ألقوه في البئر، ولم يكن لديهم علم بتلك الرؤيا، أما لو كانوا يعلمون بها لكان فعلهم أفظع.

وبمجرد أن سمع يعقوب ما قاله يوسف حول تلك الرؤيا أدرك أن في الأمر سراً وأن الذي رآه ولده يوسف لم تكن مجرد رؤيا عابرة وإنما هي علامة من علامات النبوة، والنبي يعقوب(ع) يميز بين هذا وذاك، فهو نبي معصوم يوحى إليه، وربما كانت نتيجة علمه بما رآه يوسف وحياً من الله تعالى قد نزل عليه في حينه.

(إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)

كأنه يقول لولده يوسف: لا تعرف يا بني متى يوسوس الشيطان لأخوتك فيسمعون له ويؤذونك، فكن على حذرٍ منهم.

 

سِر يَكْشِفُهُ يَعْقُوْبُ لِوَلَدِهِ

 

على إثر إخبار يوسف والده بتلك الرؤيا أدرك يعقوب بأن النبوة سوف تكون في يوسف الصدِّيق، وعلى الفور أخبر يعقوب ولده يوسف بأمر مستقبلي، وهو أن الله تعالى سوف يختاره للنبوة كما اختار إبراهيم وإسحق من قبل، وإن أعظم نعمة على الإنسان في هذا الوجود هو أن يصطفيه ربه ويجعله نبياً أو وصي نبي، وقد حدثنا القرآن الكريم عن هذا النبأ الذي أتحف الله به مسامع يوسف(ع) حيث يقول(وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

وهذا ما يقرّب لنا فكرة أن يكون ما رآه يوسف(ع) في منامه إنما هو الوحي الإلهي الذي كان يأتي بعض الأنبياء بهذه الطريقة، وقد أشرنا في الجزء الأول إلى أنواع الوحي.

وهنا لا بد من وقفة تأمل حول قوله تعالى(وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ)

هناك مفردات في آيات الكتاب العزيز لم يتعرّض أكثر المفسرين إلى ذِكرها، مع أن جوهر المعنى موجود فيها، وفَهْمَ الأمر متعلق عليها، ونحن في هذا العصر بأمس الحاجة إلى معرفة كل سر من أسرار الكتاب العزيز، ولا يمكن أن يُكشف هذا السر إلى بالتأمل والتفكر فضلاً عن ورود الدليل الصحيح.

وأمامنا هنا فقرة من آية مركبة من ست كلمات لا أكثر، وهي قوله تعالى(وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ)

فقد يتوهم البعض بأن الحديث القرآني هنا قد انتقل من يعقوب وولده إلى خاتم النبيين، وهذا وهمٌ لأن النبي الأعظم(ص) عندما نزلت عليه هذه الآية كانت النعمة عليه تامة من قبل، وهذا يعني أن الخطاب موجَّه من يعقوب إلى ولده حيث أخبره والده في الحال أن الله تعالى سوف يصطفيه كما اصطفى جده إسحق ووالد جده إبراهيم(ع).

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ولم يتم معرفة المراد من هذه الكلمات الست التي تحمل من المعاني ما لا يعلمه إلا الله عز وجل.

فقوله تعالى(وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) المراد به يوسف(ع) الذي أتم الله عليه النعمة بأمرين: بالإسلام وبالنبوة، ويمكن أن نعبّر بالنبوة فقط لأنها لا تكون إلا بعد الإسلام، ولكنني تعمدت الفصل بينهما لأحل المشكلة القائمة في قوله تعالى(وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ)

والسؤال هنا: مَنْ هم آل يعقوب؟ ويتفرع على هذا السؤال أسئلة:

هل هم إبراهيم وإسحق؟

هل هم أخوة يوسف؟

هل هم الأنبياء الذين أتوا بعد يوسف؟

هل المراد بكلمة(آل) النسب أو من ساروا على النهج؟

أما بالنسبة للسؤال الأول:

فإننا نستبعد أن يكون المراد بهم إبراهيم وإسحق لأسباب ثلاثة:

السبب الأول: أن إبراهيم وإسحق(ع) قد خُصّا بالذكر في الآية، وأنّ ذكرهما أتى للتشبيه، وبناءاً عليه فلا يكونان هما المقصودان بالآل.

السبب الثاني: وهو أن آل فلان يُراد به من أتى بعده وليس من أتى قبله، فيعقوب ويوسف من آل إسحق وإبراهيم، ولا يصح العكس.

السبب الثالث: أن الآية تحدّث عن إتمام النعمة في المستقبل أو الحال، وقد تمت النعمة على إبراهيم وإسحق من قبل.

وأما بالنسبة للسؤال الثاني:

لعل يعقوب(ع) كان يعلم عن طريق الوحي بأن أولاده سوف يعودون إلى رشدهم ويتوبون لله تعالى من ذنوبهم، ولذا فقد أخبر ولده يوسف بأن الله تعالى سوف يُنعم عليهم بنعمة الإسلام والإخلاص، ولكن بعد أن يحصل ما هو حاصل، وبناءاً عليه يكون آل يعقوب هم أولاده، وقد نص القرآن والسنّة على أنهم ندموا واستقاموا بعد أن رأى إحسان أخيهم إليهم وأدركوا بأن الله تعالى يصطفي من يشاء من عباده ويرفع بعضهم فوق بعض درجات.

وهنا قد يرد علينا إشكال حول إتمام النعمة على أولاد يعقوب فإن يعقوب(ع) أخبر ولده يوسف بأن الله تعالى سوف يجتبيك ويختارك للنبوة ويتم نعمته عليك كما صنع مع إسحق وإبراهيم(ع)، والتشبيه الوارد في الآية الكريمة(كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ) فإذا قلنا بأن هذا التشبيه يشمل آل يعقوب بمعنى أولاده فهذا يعني أنهم سوف يصبحون أنبياءاً، وهذا ما لم يكن إذ ليس في أولاد يعقوب نبي سوى يوسف(ع) فما هو التفسير أو ما هو الحل لهذا الإشكال؟

نلاحظ بأن الله تعالى أخبرنا عن اجتباء يوسف وإتمام النعمة عليه، فقد اجتباه واصطفاه نبياً وأتم عليه نعمة الإيمان، أما آل يعقوب فقد أتم عليهم نعمة الإيمان بغض النظر عن كونهم أولاده أو بعض الأنبياء الذين يعودون بالنسب إليه كما سوف نذكر بعد قليل.

وهنا لا بد من الإمعان قليلاً في قراءة الآية الكريمة(وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ) ومع قليل من التأمل نجد بأن الإجتباء قد خُصَّ بيوسف دون أخوته، وأن إتمام النعمة قد شملهم معه، فكل مسلم مؤمن هو صاحب نعمة تامة، وهي نعمة الإيمان، ولذا قال بعض المفسرين بأن معنى قوله تعالى(ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) أي عن الإيمان.

فالإجتباء وتعليم تأويل الأحاديث خاص بيوسف(ع)، وأما إتمام النعمة فهو شامل له ولآل يعقوب إن كان المراد بهم أخوة يوسف، وإلا فإن سير البحث سوف يتجه في اتجاه آخر.

وأما بالنسبة للسؤال الثالث:

فلا مانع من أن يكون المراد بآل يعقوب هم الأنبياء الذين أتو من بعده، فإذا كان المراد هذا فإن الآية الكريمة بما تضمّنت تشمل كل نبي، لأن جميع الأنبياء مجتبَون من قبل الله تعالى فضلاً عن إتمام نعمة الإيمان لهم.

وأما بالنسبة للسؤال الرابع:

فإنني شخصياً أستبعد أن يكون المراد بآل يعقوب هم المتبعون له ولغيره ممن أتى بعده من الأنبياء حيث لا دليل يدل عليه، ولا قرينة تصرف الذهن إلى هذا المعنى.

وأما قوله تعالى(وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ) فإن هذا من المفاهيم الواسعة، وهو يشمل جميع تعاليم السماء وأسبابها وأبعادها وتفسيراتها، وربما يشمل أيضاً مسألة تفسير المنامات، فلا ينبغي حصر تعليم تأويل الأحاديث في تفسير الأحلام فقط لأن النبي يعرف ذلك كما يعرف غيرها من صعاب الأمور وخفايا المسائل.

 

قَضِيةُ يُوْسُفَ(ع) دَرْسٌ لِلأَجْيَال

 

قال سبحانه(لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ)

في هذه الآية الكريمة ينبهنا الله تعالى للنظر والتأمل في هذه القضية التي حملت معها الدروس والعبر عبر التاريخ، وأهم تلك الدروس هو أن مجموعة من الرجال الأشداء اجتمعوا على قتل ولد صغير فتزلزل قرارهم عبر جهة غيبية تدخّلت في اللحظة الأخيرة وألهمتهم أن يلقوه في البئر ليكون ما كان من أمر تلك القضية الكبرى، وكما أن الإرادة الإلهية منعت أخوة يوسف من قتله فكذلك ألهمت بعض المسافرين لإدلاء الدلو في البئر ليتعلق به يوسف ويخرج منها بسلام.

ومن الدروس المستفادة من هذه القصة التخلي عن الحسد القاتل الذي ورد فيه: لله دَرُّ الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله:

ومن تلك الدروس: بيان نتيجة الإستقامة والإخلاص لله عز وجل، فقد شاءت قدرة الله تعالى أن يتحول يوسف من عبدٍ بِيع بثمن قليل وتناقلته الأيدي من بيت إلى آخر إلى أن يصبح الحاكم على البلاد والعباد.

ومن تلك الدروس أيضاً: عاقبة الصبر: فقد صبر يعقوب على فراق ولده ولم يجده إلا وهو الحاكم الأعظم والمدبر لشؤون البلاد وقد أعاد الله تعالى بصر يعقوب بعد أن فقده نتيجة حزنه وبكائه على ولده.

وهناك الكثير من الدروس المستفادة من تلك القصة، وسوف تظهر تباعاً عبر البحث فيها.

 

القَرَارُ الظالِمُ

 

وهنا بدأ القرآن الكريم ببيات الآيات(الدروس والعبر) التي أشار إليها في الآية السابقة، والتي كان منها(إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)

وهنا تبدأ حكاية بني إسرائيل التي لم تنته بعدُ حيث تحدّر هؤلاء من أولاد يعقوب الذين بدأت رحلتهم بالحسد والكذب والنفاق وكره الأخ واتهام الأب النبي بالضلال.

لقد كان ليوسف(ع) أخ من أبيه وأمه يدعى(بنيامين) وكان أرفق أخوته به، وكان هذان الولدان مقربَين لدى أبيهم يعقوب(ع) حيث رأى فيهما ما لم يره في باقي أولاده مما جعل الحسد يأخذ منهم مأخذه حتى اتهموا أباهم النبي المعصوم بأنه في ضلال مبين.

لقد تشاوروا فيما بينهم حول اهتمام أبيهم بيوسف وبنيامين، ولم يدركوا بأن هذا الإهتمام فيه حكمة من الله تبارك وتعالى فوسوس إليهم الشيطان فاتخذوا قراراً ظالماً يقضي بقتل أخيهم يوسف بالدرجة الأولى دون بنيامين لسبب هم كانوا يعرفونه.

لقد توهموا بأن الكثرة التي كانوا عليها أفضل من القلة المتمثلة بيوسف وأخيه، وظنوا بأنهم أنفع لأبيهم من ولدين صغيرين، وكان يوسف(ع) أصغر أولاد يعقوب، وبعد التشاور بينهم اتفقوا على أمرٍ سيء في يوسف، وهو ما ذكره الله تعالى بقوله(اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ)

فبعض أخوته ارتأوا قتله ليتخلصوا منه تماماً فلا يعود إليهم شبح وجوده، ولكن هذا القرار لم يلق إجماعاً منهم حيث استنكر بعضهم هذه الجريمة إما خوفاً من الله أو خوفاً من أبيهم أو خوفاً على أبيهم، والبعض الآخر كان أشفق عليه فاقترح بأن يرسلوه إلى بلد بعيد ليتيه ولا يرجع، والبعض الآخر اقترح أن يُلقى في البئر كي تمر قافلة فتصطحبه معها، مع أن النتيجة واحدة فهؤلاء أنكروا القتل المباشر وقبلوا بالقتل عن طريق الإلقاء في البئر والموت من الجوع والبرد، وقد برر صاحب هذا الرأي بأنه يمكن أن يلتقطه بعض المارة فيأخذه، هذا احتمال، ولكن احتمال الموت كان أقرب، وقد أشار القرآن إلى ذلك حيث يقول(قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) يعني إذا كنتم مصرين على أن تفعلوا شيئاً بيوسف فلا تقتلوه بشكل مباشر بل ألقوه في البئر علّ أحدهم أخذه إلى مكان بعيد لا يرجع بعده أبداً.

وأما قوله تعالى(وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) فإنهم كانوا يشعرون بالذنب حيال ما تقدمه أيديهم، ولكن التوبة قبل وقوع الذنب أمر لا طائل منه، وبما أنهم يدركون مدى الجريمة التي يريدون أن يرتكبوها فيكون هناك كلام آخر حول توبتهم.

لقد نجحوا في رسم الخطة، ولكن هل سينجحون في إقناع أبيهم بأن يصطحبوا معهم يوسف في تلك الرحلة، وما هي الطريقة التي يجب أن يتبعوها في إقناعه؟ طبعاً هي طريقة ذكية وجائرة في نفس الوقت تحتاج إلى حنكة منهم لأنهم لايستطيعون أن يأخذوا يوسف من أبيه بالقوة وإلا ضاعت عليهم الفرصة المرسوم لها.

 

التمَسْكُنُ مِنْ أَجْلِ التَمَكُن

 

(قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)

إن الماكر يستعمل كل ذكائه ويستثمر جميع إمكانياته من أجل أن يحقق أهدافه ويصل إلى مراده عن طريق الشيطان الغوي.

ويستفاد من الآية المذكورة أنهم ألحّوا على أبيهم مراراً في أن يُرسل معهم أخاهم يوسف، ولكنه كان دائماً يواجههم بالرفض لأن قلبه كان يشعر بالخطر الذي يتهدد يوسف.

لقد استعملوا مع أبيهم كل الوسائل الممكنة من الخدع والحيل حتى يقنعوه بإخراجه معهم فأتوا بصورة المشفقين الذين يريدون الخير لأخيهم ويحبون له السعادة والمرح، بمعنى أنهم قالوا لأبيهم ما لك لا تأمنا على يوسف، نحن أخوته ونريد مصلحته، ونبذل أرواحنا في سبيل الحفاظ عليه ونحن مجموعة كبيرة نستطيع أن ندافع عنه وندرأ عنه الخطر، ولذا فإننا نطلب منك أن تأذن لنا غداً بأن نخرجه معنا ونعدك بأن نحفظه من كل مكروه.

فلم يتمكن يعقوب(ع) من أن يرد إلحاحهم الشديد فوافق على مضض وحذر.

والسؤال في هذا الموضع يتمحور حول عدم موافقته على إخراج يوسف من الأساس فهل كان شاكاً في أمرهم؟ وإذا كان شاكاً كيف وطّن نفسه على أعباء ما سوف يحدث؟ بل كيف رضي لابنه يوسف بأن يوضع رهين أيدي الغدر؟

هناك عدة احتمالات في هذا الموقف، نحن لا نجزم بأن يعقوب كان عالماً بالتفاصيل، وعلى فرض أنه كان عالماً بكل ما سوف يحدث ليوسف فقد يكون للوحي مدخلية في الأمر كما أمر الوحي إبراهيم بأن يذبح ولده.

ويمكن أن يكون جاهلاً بالمصير، وكان امتناعه قائماً على مجرد الشعور القلبي وعدم الإطمئنان، وذلك من قبيل عدم اطمئنان أحدنا بأن يرسل ولده الصغير في رحلة مدرسية لشعوره بأن مكروهاً ما سوف يحدث له إذا خرج، فيأتي الأستاذ ويحاول أن يقنع الوالد بالسماح لولده بالخروج أو يأتي زملائه في المدرسة ويلحون على أبيه فيحرج أمامهم كيلا يفسروا امتناعه بطريقة سلبية فيوافق على خروج ولده، ولكنه يتوجه إلى الله تعالى بأن يلطف بولده.

هذه هي الحالة التي مر بها نبي الله يعقوب عندما طلب منه أولاده خروج يوسف معهم لرعي الغنم لأن إصراره على المنع قد يولّد بين الأخوة نوعاً من الكره أو الجفاء لأن باقي الأخوة سوف يقولون في قرارة أنفسهم هل هو يتهمنا أو أنه يحتقرنا أو أن أخانا أفضل منّا أو نحن أبناء جارية كما يقال في المثل المعروف.

كل ما ذكرناه من الإحتمالات وارد، ولكننا نُرجع الأمر إلى الله تعالى فهو العالم بنية يعقوب(ع).

لقد أخلّوا بالعهود والمواثيق التي قدموها لأبيهم ونسوا كل شيء، نسوا الرحمة والعلقة الأخوية، وأعمى الشيطان بصائرهم تجاه أبيهم الذي كاد يموت نتيجة لتلك المؤامرة الشريرة التي استهدفت ولداً بريئاً لا ذنب له.

فعندما ألحوا على إخراجه وأظهر أبوهم عدم رضاه عن ذلك أجابهم بلغة الأب العطوف الذي يخشى الضرر على أولاده(قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) فلم يفصح لهم عن شعوره بمؤامرتهم ضد يوسف علهم إذا استجاب لهم تراجعوا عن قرارهم ،وبهذه الطريقة يحفظ يعقوب جميع أولاده حوله ويحافظ على العلاقة الأخوية بينهم، فأجابه بما ذكره الله تعالى(قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ) أرادوا بذلك أن يطمئنوه ويخرجوا الخوف من قلبه تجاه هذا الأمر مدعين بأنهم عصبة كثيرة وقوية ولا يجرؤ الذئب أو غيره من الحيوانات على الإقتراب منهم، وهم بذلك يريدون أن يسدوا جميع الأبواب في وجه أبيهم ليوافق على إخراج يوسف، فخرجوا ومعهم يوسف البريئ الذي لم يتجاوز عمره العشر سنين، وذهبوا إلى المكان الذي اتفقوا عليه، وهناك راحوا يعذبون يوسف ويضربونه ثم ألقوه في البئر.

خرجوا في الصباح الباكر لرعي الأغنام قاصدين الموضع الذي أجمعوا على تنفيذ جريمتهم فيه، وعندما وصلوا إلى الهدف المقصود القوه على الأرض وراحوا يضربونه بعنف وحقد حتى كاد يموت من شدة الضرب، وهموا بقتله فتوسل بأخيه يهودا وكان أرفقهم به فخلصه من بين أيديهم ومنعهم من قتله، فأجمعوا كلمتهم على إلقائه في بئر كانت في ذلك المكان، وهذا معنى قوله تعالى(وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ)

فألقوه في البئر، وعندما سكن صوته ظنوا بأنه فارق الحياة فرجعوا إلى ديارهم وهم يخططون لمكيدة أخرى يتخلصون بها من غضب أبيهم.

 

يُوْسُفُ(ع) فِيْ البِئْرِ

 

بعد أن أجمعوا أمرهم على إلقائه في البئر بهدف أن يموت دون أن يشعر به أحد، أو تمر مجموعة من المسافرين فيأخذوه بعيداً، نفّذوا تلك الخطة الشيطانية الظالمة في حق ولد بريء لم يرتكب أي ذنب ولم تقترف يداه أي خطأ، فألقوه في البئر ورجعوا إلى ديارهم.

فاقتربوا من تلك البئر وكان فيه بعض الماء فجردوه من قميصه وهو يتوسل إليهم أن لا يجردوه منه وذلك لشدة البرد في البئر وبالأخص إذا جن عليه الليل فأجابوه بعبارة تنبئ عن كونهم علموا بتلك الرؤيا ربما عن طريق التجسس لأنهم كانوا يتجسسون على أبيهم عندما يكون جالساً مع يوسف ليعرفوا كل شيء عن أمرهما فقالوا له: أدع الشمس والقمر والكواكب يوارونك يا صاحب الرؤيا الكاذبة.

فجردوه من ثيابه ودلوه في البئر حتى وصل الدلو إلى منتصفه فقطعوه ووقع يوسف في الماء وكان في البئر صخرة فجلس عليها ثم انتظروا ملياً يتحسسون يوسف في البئر، وعندما انقطع صوته أيقنوا بهلاكه ورجعوا إلى بيت أبيهم.

سقط يوسف(ع) في البئر ونجّاه ربه من أذى السقوط وبقي في ظلمة البئر فترة، وبينما هو في تلك الظلمة وإذ بالوحي ينزل عليه ويطمئنه بأنه سوف ينجو ويخرج من تلك الورطة وأنه في يوم من الأيام سوف يلتقي بأخوته وينبؤهم بتلك الجريمة، وكان ذلك الوحي نوعاً من الإلهام القلبي الذي قذفه الله تعالى في قلب يوسف لتطمئن نفسه، وفي ذلك قال سبحانه(وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) سوف تخبرهم بما صنعوا وهم لا يعرفونك في ذلك اليوم، وسوف يأتي اليوم الذي يندم فيه أخوتك على فعلتهم هذه وسوف يطلبون منك السماح ومن الله المغفرة.

وهنا لا بد لنا من فلسفة بعض المواقف والتصرفات التي صدرت عن أخوة يوسف، حيث قد يُظَن بوجود تناقضات في تصرفاتهم وتضارب بين في الآراء، فهناك عدة أمور ينبغي الكشف عنها حتى نعيش الحالة التي كان عليها الطرفان في تلك الحادثة، وأعني بالطرفين يوسف وأخوته.

الأمر الأول: لقد كان عددهم أحد عشر شخصاً ولم ينقل بأن أخاه بنيامين كان معهم في تلك الرحلة، فلقد كان بنيامين مستهدفاً من قبل أخوته، ولكن المستهدف الأول لديهم هو يوسف الذي رأوا بأنه يشكل عقبة كبيرة في حياتهم، ولا يمكن الإذعان بكون الأحد عشر كانوا متفقين في كل شيء، فلقد كان هناك تضارب ليس في أصل الفكرة بل في تطبيق العملية، ولأجل ذلك حصل خلاف بينهم عندما بدأوا في تنفيذ الخطة فإن منهم من أراد أن يقتله مباشرة، ومنهم من رفض القتل المباشر وأشار عليهم بإلقائه في البئر، ومنهم من كان يريد إبعاد يوسف ولكن ليس عن طريق العنف كما صنع أخوه يهودا الذي كان أشفق على يوسف من أخوته وهو الذي منعهم من قتله.

الأمر الثاني: وهو مسألة الخوف الذي راودهم، ولكن هذا الخوف لم يكن من الله تعالى بل إن منهم من خاف من أبيه وردة فعله، ومنهم من خاف من أن تفشل الخطة فتقع لهم الخسارة على كل شيء.

الأمر الثالث: أنهم كانوا يحسبون حساباً كبيراً لخط الرجعة بمعنى أن يكون له حجة في يوم الحساب وهي أنهم لم يقتلوا يوسف مباشرة وإنما ألقوه في البئر، هؤلاء كانوا يضحكون على أنفسهم لأن ما قاموا به هو مقدمات القتل فإذا فعلوا المقدمات ومات أخوهم كانوا في الواقع قتلة إذ لولا فعلتهم لما مات أخوهم.

الأمر الرابع: وهو أن خطتهم كلها باءت بالفشل، فلم يربحوا عطف أبيهم كما خططوا، وإنما زاد غضبه عليهم وانعدمت ثقته بهم فلم يعد يأتمنهم على شيء.

 

الخُطةُ الثانِيَةُ

 

لقد نجحوا في إخراج يوسف وإلقائه في البئر، ولكنهم لم يصلوا إلى غايتهم الأساسية حيث نجَّى الله نبيَّه يوسف من الموت وأخرجه من البئر.

ولكنهم بعد أن القوه في البئر حاروا في أمرهم، كيف يخبرون أباهم، وماذا يقولون له، وما هي نوعية التبرير الذي يقدمونه كيلا يتهمهم بقتله ويغضب عليهم، وبذلك يخسرون كل شيء.

لقد ذكر لنا القرآن تلك الخطة التي رسموها والطريقة التي استعملوها في إخبار أبيهم بهذه الصاعقة، قال تعالى(وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ)

هذه الآية المباركة على قلة ألفاظها تحمل معان عميقة لأنها من الآيات التي تحمل شيئاً من الإعجاز القرآني فوق كونها بالأساس معجزة، ولكي نفهم شيئاً من معاني هذه الآية نقف على أمور لها صلة بها فنسأل أنفسنا قائلين:

لماذا لم يقل وجاؤوا أباهم عشاءاً وهم يبكون؟ ولماذا لم يقل: جاؤوا باكين؟ لماذا جعل الحال جملة فعلية في حين يصح جعله إسماً؟ ولماذا لم يفصح مباشرة عن حقيقة هذا البكاء الذي لم يكن في الواقع بكاءاً، وإنما كان تباكياً يراد به التعتيم على الحقيقة وتزوير الموقف.

لعل السبب في استعمال هذا التعبير: أولاً: للحفاظ على روعة التعابير القرآنية التي تشكل جزءاً من إعجازه، وثانياً: لعله أراد بهذا الإستعمال أن يسلب صفة البكاء عن فعلهم الذي كان تباكياً لأنهم في الواقع كانوا يمثلون على أبيهم.

ويعقوب(ع) ليس شخصاً عادياً حتى يمر عليه مثل هذا الدجل، ولكنه بقي متماسكاً عن توجيه التهمة لهم مباشرة كيلا يؤزم الموقف أكثر علهم ترق قلوبهم فيعيدوا أخاهم إلى أبيه.

لعله بقي فترة من الزمن ساكتاً ومتأملاً، وهذا ما زرع الخوف في قلوبهم وأظهر لهم وهن الخطة التي رسموها لإخفاء الحقيقة.

وعندما لم ينفعهم التباكي في تمويه الأمر وإضاعة الحق(قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)

وهذا ما زاد في الطين بلة لأن الذي يعطي العهود ويقدم المواثيق لا يمكن أن يفرط بالأمانة فلا يعقل أن يتركوا ولداً صغيراً بين قطيع الغنم المعرض لسطو الذئاب ويذهبوا للسباق، فإن الكذب يظهر من حجمه، فهي كذبة كبيرة لا يمكن أن تخفى على العاقل.

والشيء اللافت في الآية أنهم أوقعوا أنفسهم من حيث لا يشعرون لأن قولهم(وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) كشف عن مؤامرتهم، خصوصاً وأن آثار الحزن غير ظاهرة عليهم، فلقد كانت ملامح التآمر هي الحاكمة عليهم، ولأجل ذلك لم يعد بإمكان يعقوب أن يبقى ساكتاً فكاد ينفجر من حزنه وألمه على يوسف الذي كاد به أخوته وليس الغرباء، وعندما بانت الحقيقة ليعقوب ولم يعد للسكوت أي جدوى وجّه إليهم الإتهام واللوم وبعض العبارات الخاصة للتعبير عن مثل هذا الموقف فقال لهم(بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)

لقد أتوا بقميص يوسف وهو ملطح بالدماء التي كانت دماء حيوان مذبوح فلما رأى يعقوب قميص يوسف لم يمزق قال لهم: ما كان أشد الذئب على يوسف وأرأفه على قميصه، وهنا بُهت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير فلم يعد بالإمكان أن يضللوا أباهم فأصروا على فعلتهم وصبر يعقوب حتى يحكم الله في ذلك.

(وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)

 

خُرُوْجُ يُوْسُفَ مِنَ البِئْر

 

(وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)

لم يكن يعقوب(ع) وحده صابراً على الأذى بل إن موضع المشكلة يوسف(ع) مشارك لأبيه في الصبر وتفويض الأمر إلى الله عز وجل، فإنه بعدما ألقاه أخوته في غيابة الجب وظنوا بهلاكه رحلوا عنه راجعين إلى بيت أبيهم، قضى يوسف ليلته في ظلمة البئر يتضرع إلى الله تعالى ويسأله الخلاص من هذا البلاء والمكان الموحش، وقيل بأنه مكث في البئر أكثر من يوم وليلة، وقد ذكر المؤرخون عن النبي وآله(ص) أن جبرائيل كان يؤنسه وهو في عتمة البئر، وقد يرد سؤال حول هذا الأمر فيقال: لماذا لم يخرجه جبرائيل من البئر ويخلصه من هذا المأزق؟

نحن ندرك وأنتم وجميع العالم أن قدرة الله تعالى لا حدود لها، فهو قادر على كل شيء، ولكنه يحب أن يجري الأمور بأسبابها لتستقيم الحياة وتسير بشكلها الطبيعي ويستقيم الإمتحان الذي فرضه الله في هذه الحياة ليبلونا أينا أحسن عملاً.

لقد ذكر القرآن المجيد هذا القسم من قصة يوسف حيث يقول(وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)

أنظروا إلى روعة القرآن ودقة معانيه وإيجازه الباهر الذي يختصر المسافات ويطوي الصفحات في كلام مختصر فلقد عبّرت هذه الآية التي لا تتجاوز السطر الواحد عن قسم كبير من تلك القصة.

وهنا يحسن أن نشير إلى ما حكت عنه الآية بهذا السطر المكون من سبعة عشرة كلمة،

أولاً: (وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ) السيارة إسم مشتق من السير والمسير أي جاء مجموعة من الناس كانوا يسيرون في ذلك المكان، ولا مانع من أن يكون ورودهم ذلك المكان فيه شيء من الإلهام الإلهي ليتم بذلك هذا الحدث الذي اشتمل على الدروس العديدة والعبر الكثيرة حيث كان مكان البئر منحرفاً لا يقصده الناس في الغالب، وقد اختار أخوة يوسف ذلك المكان لأنه ليس طريقاً للمارة والمسافرين فلقد ألهمهم الله تعالى المرور بجنب البئر ليخلص على أيديهم نبيه يوسف وتبدأ بذلك مرحلة جديدة من حياته كانت حافلة بالمواقف والأحداث.

ثانياً: (فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ) والسؤال هنا: لماذا لم يذهب الجميع إلى مكان البئر ويشربوا منه بدل أن يرسلوا شخصاً واحداً؟ نحن نقول قد يكون ذلك مؤيداً لمقولة أن البئر لم يكن يقع في طريق المسافرين، فلقد أرسلوا واحداً منهم وربما أكثر لأن الوارد قد يقصد به فرد أو جماعة أرسلوا الوارد ليأتيهم بالماء.

ثالثاً: (فَأَدْلَى دَلْوَهُ) الضمير في قوله(دَلْوَهُ) إما أن يرجع إلى البئر بمعنى ألقى دلو البئر، وإما أن يعود إلى الوارد باعتبار أن أخوة يوسف قد قطعوا الحبل الذي كان موجوداً، وإذا كان حبل دلو البئر على حاله فهذا يعني أنهم ربطوه بحبل آخر ثم قطعوا حبلهم وتركوا حبل البئر على حاله، فهل يا ترى أعمى الله قلوبهم عن قطع حبل البئر حتى يتسنى للسيارة بأن ينزلوه فيه ويخرج يوسف من خلاله، أو أن المسافرين من عاداتهم كانوا يخرجون معهم حبلاً ودلواً من باب الإحتياط، كل الإحتمالات واردة، وأياً يكن الأمر فإننا نقصد بذلك كله أن نبين الحكمة الإلهية في تدبير الأمور عبر الحالات الطبيعية.

رابعاً: (قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ) أنظروا إلى روعة الإيجاز في التعابير القرآنية فإنه لم يقل أدلى دلوه وتعلق به يوسف ثم سحبه ووجد في الدلو ولداً صغيراً، بل اختصر كل تلك المسافات قائلاً(فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ) ولعل البشرى كلمة تُستعمل عند الدهشة من وراء حدث فيه مفاجئة ونفع للإنسان.

ولم يحدثنا القرآن كيف رجع إلى مجموعته وأخبرهم بما فعل ورأى وإنما اختصر المسافة أيضاً فانتقل من قوله(هَذَا غُلاَمٌ) إلى قوله(وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً)

خامساً: (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً) أي حملوه معهم كعبد يريدون بيعه والإستفادة من ثمنه، وكل ذلك يجري بعين الله سبحانه وتعالى الذي قال في ختام الآية(وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)

 

 يُوْسُفُ(ع) يُعرَضُ لِلْبَيْع

 

قال تعالى(وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)

لقد ذكر المؤرخون أنه عندما أُخرج يوسف من البئر والتقطه السيارة الذين قصدوا البئر للشرب اصطحبوه معهم، وصادف أن جاء إلى المكان أخوة يوسف للإطمئنان على انقطاع خبره، ولكنهم تفاجؤوا عندما رأوا يوسف بين يدي التجار، وفي هذه الحالة لن يفصح أخوته بأنه أخوهم كيلا يدافع عنه التجار إذا عرفوا القصة فادعوا بأنه عبد لهم سقط في البئر أثناء انتزاع الماء، ومن الطبيعي أن يكون قد جرى شجار بين الطرفين حوله، وقد نحوه أخوته جانباً وهددوه بالقتل إن لم يقر بأنه عبد لهم ففعل ذلك من باب رفع الضرر عن نفسه فباعوه للتجار بثمن قليل وزهيد واشترطوا على الشاري أن لا يبيعه إلا في مصر لأنها بعيدة عن فلسطين موطن يعقوب، ففعلوا ذلك لأنهم أعجبوا بجمال يوسف وأخلاقه وطمعوا بكسب مال وفير من خلال بيعه.

لقد اصطحبه التجار معهم إلى مصر وكانوا طيلة مدة السفر يرون الخير والبركات بسبب وجوده معهم، وقد عاش مدة طويلة في مصر مع الرجل الذي اصطحبه معه وهو يدعى (مالك) وقد شاءت قدرة الله تعالى أن تظهر البركات والخيرات على وجه يوسف حتى أصبح له شهرة واسعة في محيطه، وجاء كثير من الناس إلى مالك يريدون منه شراء يوسف لحسنه وجماله والقيمة المعنوية التي كان يمثلها، فرفض مالك بيعه فراحوا يزيدون في ثمنه إغراءاً لمالك حتى بلغ مبلغاً لا يستطيع أحد أن يشتريه غير عزيز مصر فاشتراه بثمن باهظ جداً قيل بأنه بلغ أضعاف وزنه، فأتى به الملك إلى زوجته وطلب منها أن تكرمه لأحد سببين:

السبب الأول: الإنتفاع منه في بعض الشؤون، ولعل عزيز مصر كان يرى في يوسف القدرة على تولي الحكم أو على الأقل كان يرى أنه قادر على مؤازرته لأنه اشتهر بالوعي والحكمة وحسن التدبير، ولا يمكن أن نفهم معنى الإنتفاع الذي ورد في الآية كما نفعمه من انتفاع السيد بعبده لأن الثمن الذي شري به يوسف لم يكن ثمن عبد بل كان غير ذلك كلياً، وأنا شخصياً أفهم من قوله(عسى أن ينفعنا) أموراً،

منها: أن الذي يشتري عبداً للخدمة لا يقول لزوجته أكرمي مثواه، ولا يقول لها عسى أن ينفعنا لأن المنفعة من العبد ليست أمنية أو رجاءاً بل هو فرض على العبد.

ومنها: أن قوله عسى أن ينفعنا، أي في المستقبل، وكان عمر يوسف آنذاك سبع عشرة سنة أي في عنفوان الشباب وكامل القوة فلو كان المراد بالمنفعة المذكورة منفعة العبيد فإن عمر يوسف آنذاك هو الأنسب للإنتفاع منه لأن هناك عبيداً كانوا يمارسون واجباتهم تجاه مالكيهم وهم في سن العاشرة أو أقل، لأجل ذلك فهمت من الاية أن ما يرسم له عزيز مصر كان أكبر مما نتصور أو أكبر من موضوع وظيفة العبد.

ومنها: أن عزيز مصر لم يكن بحاجة إلى خدم وعبيد لأن ما عنده يفوق العدد اللازم إذ لا يعقل أن يكون الملك الحاكم بحاجة إلى خدم وعبيد، ولا يليق به النقص في هذا الأمر، فزيادة عدد العبيد عنده، والثمن الباهظ الذي دفعه مقابل يوسف(ولا أقول ثمن يوسف لأنني أعتقد أن ما دفعه الملك لم يكن ثمناً بل كان في مقابل التنازل عن هذه الشخصية النادرة التي كان يرى فيها العزيز ما لم يره غيره من أهل مصر بل من جهاء مصر وتجارها) وطلب العزيز من زوجته الإهتمام بيوسف كل ذلك مؤشر على كون الإنتفاع بعيداً عن مفهوم الرق والخدمة وما شاكل ذلك من أنواع الإنتفاعات في هذا المجال.

السبب الثاني: وهو أن العزيز أظهر النية من وراء الحصول على يوسف وهو اتخاذه ولداً أي أنه تبناه لأنه كان عقيماً، ولقد رأى فيه أعظم من جمال الملوك والأمراء وأدبهم، ولأجل ذلك أتى به، ولقد كان من العيب أن يتبنى الملك رقاً، وهذا يكشف لنا وبكل وضوح عن نية الملك من شراء يوسف أو الحصول عليه مقابل مبلغ من المال يمكن أن يشترى به مئات العبيد إن لم نقل آلاف العبيد.

 

يُوْسُفُ(ع) أَهْلٌ لِتَوَلي شُؤُوْنِ الحُكْم

 

قال سبحانه وتعالى(وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)

بتلك الطريقة الربانية والمسلسل الملكوتي الشيق سدد الله نبيه بالحكمة والوعي والقدرة على تولي الحكم والسلطة، وقد أشارت الآية الكريمة إلى أن الله تعالى مكّن ليوسف في الأرض، ولم يقل في مصر أو فلسطين أو الشام والحجاز، معنى ذلك أن حدود ملكه كانت واسعة النطاق ولعلها شملت الأرض من أقصاها إلى أقصاها لأنه تعالى أتم النعمة عليه فجعله سيداً في الدنيا والآخرة، وربما يكون التعبير بالأرض خاصاً ببعض بقاعه.

والآية الشريفة تشتمل على أربعة عناوين:

العنوان الأول: تمكين يوسف في الأرض، فلقد أعطاه الله تعالى القوة الباهرة والمكانة العالية والنفوذ الواسع ليفرض سيطرته على الناس ويدعوهم إلى الإيمان ليس بواسطة الإكراه لأن هناك قاعدة عامة حول مسألة الدعوة إلى الله وهي رفض الإكراه لأن الذي يؤمن مكرهاً لم يؤمن من الأساس، ولا إكراه في الدين، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولكن لكل واحد منهم حسابه في يوم الحساب حيث يجزي الله المحسنين بإحسانهم ويعذب الكافرين والمعاندين.

فالتمكين في الأرض لا يعني أن الله طلب من يوسف أن يفرض الإيمان ويجبر الناس عليه بل أعطاه ذلك ليكون عبرة للناس لكي يعلموا أن الله مع الذين آمنوا وأن يوسف رغم قوته لم يجبر أحداً على الإيمان، وهذا خُلق الأنبياء والمرسلين وليس خلق الحكام، ثم إن نفس الطريقة التي تسلّم بها يوسف زمام الأمور لأكبر دليل على نبوته.

العنوان الثاني: تعليمه تأويل الأحاديث، ولا نريد أن نصرف الأذهان إلى المعاني البعيدة وإنما نقول كما قال أكثر المفسرين وهو أن الله تعالى علّمه ما لم يكن يعلم، وهذا العنوان شامل لكل ما يُتصور من أنواع العلوم، علم الشريعة وتفسير المنامات وغيرهما من العلوم النافعة للبشر.

العنوان الثالث: وهو أن الله غالب على أمره، أي أنه فعال لما يريد، وأن إرادته هي التي سوف تكون ولا يوجد راد لها غيره، فلقد كادوا بيوسف وحاولوا قتله وأبعدوه وفعلوا ما فعلوا، ولم يكتب لهم النجاح في كل ما قاموا به، بينما نجد أن النجاح كان حليف يوسف دائماً وإن لم يأت بحركة أو سكنة، لأن الذي كان يدبر أمره إنما هو الله سبحانه وتعالى.

العنوان الرابع: جهل الناس، فإن كثيراً من الناس يأخذون بالظاهر الذي تراه أعينهم وتلمسه أيديهم، ولا يعلمون أن الله تعالى فعال لما يريد وأنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، فلقد أراد الله ليوسف أن يرتفع شأنه ليصبح الحاكم على الأرض وخزائنها غير أن بعض الناس ينظرون إلى تلك الحادث من منظار المادة فقط والأسباب الطبيعية من دون أن يشعروا بأن هناك قدرة غيبية هي التي أرادت ذلك.

 

جَزَاءُ الإِحْسَان

 

يتابع القرآن حديثه عن يوسف فيقول(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)

يريد القرآن أن يعظنا ويحثنا على الإيمان والإلتزام بحلال الله وحرامه، وأن يكون عملنا خالصاً لوجهه الكريم، فإن العمل الصالح لا تقتصر فوائده على يوم القيامة، بل له آثار على الإنسان في هذه الحياة أيضاً.

ولأن يوسف كان من المؤمنين المخلصين فلقد آتاه الله العلم والحكمة وسدّده بالعصمة حتى ملّكه الأرض، وكان من شأنه ما يعرفه أكثر الناس، وبذلك يرغّبنا الله تعالى بالإيمان من خلال بيان بعض آثاره في الدنيا قبل يوم القيامة.

 

الهُرُوْبُ مِنَ المَعْصِيَة

 

في انتقال القرآن الكريم من حديثه عن يوسف الولد إلى حديث عن يوسف الشاب الذي أصبح أهلاً لتولي الحكم على البلاد يوجد بيان هامٌ حول روعة هذا الكتاب العظيم الذي كمُن إعجازه خلف إيجازه من دون أن يكون هناك أدنى خلل من وراء الإختصار، فكلامنا نحن البشر إما أنه مختصر مُخلٌّ، وإما مطوَّلٌ مُملّ، أما كلام خالقنا القدير فهو على عكس كلامنا حيث أنه مسدد بالإعجاز الإلهي.

فبعد أن منّ الله على يوسف وجعله ذا شأن رفيع المستوى في المجتمع آنذاك وأدناه بحكمته وتوفيقه من مجلس عزيز مصر الذي أحبه حباً شديداً وكأنه إبنه من صلبه، وسوس الشيطان لزوجة العزيز أن توقع بيوسف في العصيان، فلقد كان حسن الوجه خارق الجمال، ولم يكن على الأرض من يضاهيه بجماله، فأرادت امرأة العزيز أن تقضي أمراً فيه، فراودته عن نفسه فاستعصم، ولقد أشار القرآن المجيد إلى هذه القصة التي لها رواج واسع بين الناس، وفي نفس الوقت فيها شيء من الغموض نتيجة لبعض أهواء الذين اتهموا يوسف بما لا يليق به ولا يتفق مع شأنه النبوي والرسالي ولا يلتقي مع عصمته، قال تعالى(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)

وهذه الآية المباركة من أروع الآيات التي تكشف عن عظمة القرآن الذي كانت تراكيبه العجيبة معجزة للبشر، أنظروا إلى هذا التعبير الذي قد يمر عليه البعض مرور الكرام(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ) فلم يقل فراودته زوجة العزيز أو تلك المرأة، وإنما قال التي هو في بيتها، فلم يذكر إسمها ولم يمس بكرامتها ولم يجرّح فيها عند سرد القصة، ولعل السبب في ذلك هو علم الله تعالى بأنها سوف تصبح من المؤمنات وزوجةً لهذا النبي الكريم، فلا يليق بها أن يصفها بأي وصف معيّن، بل قال(الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا)

راودته عن نفسه: أي أنها دعته إليها بداعي الشهوة عبر حركات معينة تستعملها الأثنى لجلب الرجل، وهو شاب في عنفوان الشباب، وهما في مكان آمن لا يراهم فيه أحد حيث أنها غلّقت الأبواب من باب الإطمئنان وهيأت جميع أسباب الراحة، هي كانت ترى أنهما لوحدهما، ولكن يوسف(ع) كان يرى أن معهما رب العالمين تبارك وتعالى، وإذا كانت الشهوة قد أعمت بصيرتها عن التفكير في الله فإن يوسف(ع) كان لا يرى أمامه إلا الله.

فعندما امتنع يوسف عن الذي دعته إليه حاولت أن تجبره وتهدده فلم ينفع معه هذا الأسلوب أيضاً فلم يقل :أُجبرتُ على ذلك: وإنما راح يقاوم ويمتنع بكل ما لديه من قوة، وكان على استعداد لأن يضحي بنفسه في سبيل عدم الوقوع في المعصية.

غلّقت الأبواب وقالت هيت لك: لعل هذه الكلمة كانت تستعمل لطلب شيء إما في خصوص ما دعته إليه وإما في مجال أوسع من ذلك، ولكن هذه العبارة قليلة الإستعمال في لسان العرب ولم يذكرها القرآن إلا في هذا الموضع مما يشعرنا بكونها خاصة الإستعمال في هذا المورد دون غيره.

فهيت لك: يعني هيأ نفسك أو هيا بنا نفعل ما نريد، أو اليوم يومك فمن الذي يخلصك من يدي، وهناك تفسيرات أخرى لها لا داعي إلى ذكرها وإنما ذكرت لكم ذلك من باب تقريب المعنى.

فعندما دعته إليها في تلك الظروف الهادئة التي تُشعر بالإطمئنان وكانت زوجة العزيز كما يصفها التاريخ خارقة الجمال، وهذا أمر معلوم لأن الملوك والحكام كانوا لا يتزوجون من امرأة إلى إذا اجتمعت فيها عدة صفات أولها الجمال الخارق.

فعندما راودته عن نفسه وهي تظن بأنه سوف يستجيب لها لأنها صاحبة نفوذ وسلطة امتنع عن ذلك واستعصم وقال لها(قَالَ مَعَاذَ اللّهِ) أي أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ، وقد كشف لها كلامه عن كونه لن يستسلم لها أبداً وهذا الذي دفعها لأن تستعمل العنف معه، ولكنها رغم استعمالهل للعنف لم تصل إلى مرادها حيث لم يقدم لها يوسف أي نوع من أنواع التنازل، فلم يرضها بقول أو فعل أو أية حركة، وقد أشار القرآن إلى ذلك حيث حدثنا عنه قائلاً(مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)

يوجد في هذه الفقرة وجهان من التفسير، ولكل وجه سبب خاص، وكلاهما يصح أن يكون هو المراد منها:

الوجه الأول: أن الضمير في قوله(إِنَّهُ) عائد لله تعالى إذ كيف أعصي ربي وقد أحسن مثواي فلقد أحسن الله مثوى يوسف حينما أنعم عليه بما ذكرناه في البحوث الماضية ولا يليق بأن يواجه الإحسان بالسيئة، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.

أنا شخصياً لا أرجح هذا المعنى لأننا نحن العبيد لله من واجبنا أن نبتعد عن ارتكاب الذنوب وإن لم يحسن الله تعالى حالنا الإقتصادي أو الإجتماعي، فلا نقول إننا نخاف من الله لأنه أنعم علينا وإنما نقول إننا نخاف من الله لأنه خالقنا ومولانا ولا تجوز معصيته بوجه من الوجوه لأن عقاب السيئة شديد.

الوجه الثاني: وهو الأرجح في رأينا، وهو أن الضمير في قوله(إِنَّهُ) يعود إلى عزيز مصر زوجها فلقد قربه منه وأحسن تربيته ومثواه ولا تصح الخيانة أبداً وبالأخص خيانة المحسن، طبعاً لم يكن الرادع ليوسف أن عزيز مصر أحسن مثواه بل كان الرادع خوفه من الله تعالى بدليل قوله(لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) وأما وصف الملك بأنه رب فإن هذا اللفظ يوصف به كل أب ومربي، والملك ربى يوسف فصح أن يعبر عنه بلفظ ربي.

فقول يوسف إنه ربي، ليس من أجل نفسه فإن في قلب يوسف ما يردعه عن العصيان ولكنه حاول بذلك أن يذكر زوجة العزيز بزوجها المحسن الذي لا يستحق منها هذه الخيانة بعد أن أسكنها داره وأمّنها عليه.

 

تَنْزِيْهُ يُوْسُفَ

 

لولا وجود بعض المعاندين وأهل الأهواء الضالة والآراء المنحرفة لما كنا مضطرين للدفاع عن الأنبياء الذين سددهم ربهم بالعصمة وهي القدرة على تجنب الأخطاء والمعاصي، ولكن يوجد هناك من يتفلسف في الأمور ويتجرأ على أهل العصمة عبر تحليلات لا علاقة لها بالدين قد غيّرت مسارات دينية كثيرة وزرعت في نفوس الناس شكوكاً حول أنبيائهم وعظمائهم مما أدى بالبعض إلى صرف أوقات طويلة وجهود كبيرة لتصحيح ما أفسده البعض عن طريق الجهل أو التجرأ.

لقد ادعى بعضهم أن يوسف(ع) ضعف أمام الحالة التي واجهته مع زوجة العزيز، وهذا وهم واضح لأن ادعاء الضعف في يوسف يتنافى مع قوانين العصمة وموازينها فإن الذى ادعاه هؤلاء يمكن أن يثبت في غير المعصوم أما مع المعصوم فالأمر مستحيل.

قال تعالى(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)

ولقد همت به: قال المفسرون بأنها دفعته أو جذبته إليها عن طريق الإكراه أثناء هروبه منها بدلي أن قميصه قُد من الخلف، وهمّ بها أي أنه دفعها عن نفسه، وهذا اللفظ يصح استعماله في حالتي الجذب والدفع، فلا داعي لأن نحط من شأن هذا النبي الكريم وندعي أنه هم بها كما همت به بدافع العصبية والجهل فإن ذلك واضح وجلي وقد ذكره القرآن الكريم بشكل لا يقبل الشك.

لولا أن رأى برهان ربه: هنا تكمن المشكلة حيث أن بعض من جهلوا الحقيقة أرادوا أن يتكلموا، ومن الطبيعي أن يصدر عن الجاهل أوهام وظنون لا تغني عن الحق ولا تثبت الواقع.

لقد ربط هؤلاء لفظة همّ بها بلفظة لولا فوصلوا إلى أنه كاد يقع لولا أنه رأى برهان ربه فخاف وارتدع.

هذا ما يفهمه الجاهل باللغة والعقيدة وفن الكلام وحقيقة العصمة وخصائص النبوة، يوسف(ع) لم يرى برهان الله بعد أن همت به، بل إن برهان الله معه كان يلازمه منذ زمن بعيد، والبرهان هنا ليس المَلَك والمعجزة كما قد يتوهم البعض بل البرهان هو النهي الإلهي الذي كان يوسف على علم مسبق به، وبناءاً على ذلك يكون المعنى كذلك لو لم يكن برهان الله موجوداً في يوسف لوقع في الخطأ، فكيف به وهو يعلم ذلك بالإضافة إلى كونه معصوماً فهذان حاجزان له عن ارتكاب الخطأ.

والذي يؤيد ما نذكره هنا هو ما ختم الله به الآية الكريمة حيث قال(إنه من عبادنا المخلصين) بمعنى أنه لم يقع في الحرام ولن يقع فيه لأنه من عبادنا المخلصين.

ومفهوم الإخلاص يتنافى مع فكرة أن يكون المرء قد فكّر في المعصية ولو في مثل ذلك الموضع الحساس.

ونحن ندرك تماماً بأن الله تعالى لا يمدح سوى الخلّص من عباده الذين لا يفكرون لحظة في الخطأ فضلاً عن ارتكابه، فلقد مدح الله نبيه يوسف كما مدح جده إبراهيم من قبل ومن قبل نوحاً وغيرهما من الأنبياء الذي كان يوسف واحداً منهم.

 

 الإِتهَامُ البَاطِلُ

 

(وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

عندما حاولت امرأة العزيز أن تغري يوسف وتجره إلى المعصية هرب منها ليس خوفاً من زوجها أو منها بل دفعه إلى ذلك خوفه من الله عز وجل، فعندما هم بالهرب التقطته من الخلف فحاول أن يفلت منها فقدّت قميصه، وعندما اقترب من الباب بقصد الهرب فإذا به يرى عزيز مصر قد دخل عليهما فارتبك لسوء الموقف ولم يأت بأية حركة ولم يحرك ساكناً فحاولت امرأة العزيز أن تخلص نفسها عبر اتهام يوسف بالإعتداء عليها فقالت(مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا)

نحن نستوحي من موقف العزيز أنه كان شاكاً في زوجته لعلمه بأخلاق يوسف وبأنه لا يجرأ أحد من الناس على ارتكاب مثل تلك الجريمة التي كان عقابه الموت، ولأجل ذلك لم يحكم الملك عليه بالموت وإنما سجنه كيلا تكون فضيحة له تحط من شأنه بين الناس وإنما اكتفى بسجنه كيلا تحاول امرأته أن تصنع ذلك مجدداً.

فعندما رأى يوسف أنه سيكون كبش محرقة وأن التهمة سوف تلتصق به تكلم مع الملك بجرأة ودافع عن نفسه قائلاً(قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي) فبالإضافة إلى ثقة العزيز بأخلاق يوسف ونزاهته فلقد كان الحال شاهداً على براءته لأن ملامح الوجوه من الإرتباك وغير ذلك من شؤون بيان الحق كانت بادية على وجهيهما بحيث لو رآهما أي إنسان لميز بين المحق والمحقوق.

 

بَرَاءَةُ يُوْسُف

قال سبحانه:

(وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ)

لقد أضيف إلى ملف القضية شاهد آخر زاد في عملية الإطمئنان بحكم البراءة، وهو شاهد من أقرباء زوجة الملك كان ذا خبرة واسعة فقال لهم: إن كان القميص قد مزق من الخلف فهذا يعني براءة يوسف لأنها هي التي تمسكت به أثناء الهروب، أما إذا كان القميص ممزقاً من الأمام كان يوسف محقوقاً لأن تمزيقه من الأمام يعني أنها كانت تدافع عن تفسها.

لقد أعجب الملك بكلام الشاهد لأنه كلام منطقي ومعقول يساعد كثيراً في سير التحقيق والوصول إلى معرفة الجاني، هل هو يوسف أو زوجة العزيز، (فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) فعندما رأى الملك أن قميص يوسف قد قُدّ من الخلف أدرك الحقيقة وأيقن ببراءة يوسف وطلب منه أن يتناسى الأمر،  ثم طلب من زوجته أن تستغفر لذنبها، وبهذا يغلق الملك ملف هذه القضية التي لولا ظهور الحقيقة لانتهت بفضيحة الملك (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) وبهذه الطريقة تدخلت الإرادة الإلهية المواكبة ليوسف في إظهار براءته حتى يتسنى له إتمام المهم وتسلم زمام الحكم ليرث المؤمنون أرض الله.

ولكن الفضيحة لم تدفن داخل القصر حيث تسربت أخبارها أو جزء من أخبارها إلى الخارج، الآن كيف تسربت تلك المعلومات، الأمر لا يحتاج إلى تحليل وتدقيق فلقد تسرب الخبر كما تتسرب أخبار الرؤساء والحكام في زماننا هناك ألف طريقة لذلك.

لقد وصل خبرها إلى نساء المدينة اللواتي كنّ يتحايلن الفرص من أجل التعليق والتشويش على زوجة الملك فرحن يتحدثن عن تلك الحالة مستهزات بزوجة العزيز فعلمت زليخا بالأمر فأرسلت إليهن وأجلستهن في إحدى غرف القصر ثم أدخلت يوسف عليهن، وكانت زليخا قد أعطت كل واحدة منهن سكيناً فرحن يتساءلن عن سبب إعطائهن السكين فلما نظرن إلى يوسف أدهشهن جماله الخارق وقطّعن أيديهن وهن غير شاعرات بذلك لأن جماله قد ألهاهن عن الألم.

وفي هذا الحدث قال تعالى(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)

لقد شهدت زليخا على نفسها بالذنب الذي ارتكبته وذلك عندما أخبرت نساء المدينة بأن يوسف قد استعصم عندما لم يستجب لطلبها، ولكنها كانت مصرة على فعلها فهددته بالسجن إن لم يفعل ما تأمره به.

 

كَلامٌ حَوْلَ شَهَادَةِ الشاهِد

 

هناك مفاهيم لا تنسجم مع الموازين العقلية ولا مع الثوابت الدينية، ولهذا فقد أنتجت خَلْطاً بين مفهوم ومفهوم وأحدثت شبهات حول كثير من الأحداث والحقائق وزرعت في عقول الناس أفكاراً خاطئة أصبح من الصعب علينا إقناعهم بعدم صحتها، وهذه الحالة النفسية لا تختص بالمسائل الدينية فقط بل هي من الأمور العامة التي تدخل كل حقل من حقول العلم والمعرفة.

ومن جملة هذه الأمور التي أحدثت خلطاً في بعض المفاهيم مسألة الشاهد الذي كانت شهادته الدليل الأكبر على براءة نبي الله يوسف(ع) مما نُسب إليه من قِبل زوجة عزيز مصر.

فكثير من الناس يعتقدون بأن هذا الشاهد كان طفلاً رضيعاً قياساً للشهادة التي برّأ بها عيسى(ع) أمه مريم(ع).

هناك مؤرخون يؤكدون كون الشاهد طفلاً رضيعاً، وقد حذى حذوهم بعض منتجي الأفلام والمسلسلات الدينية حيث أثبتوا صحة هذه الفكرة من دون تحقيق ومن دون الرجوع إلى أهل الإختصاص في هذا المجال.

فلو كان الشاهد في براءة يوسف طفلاً رضيعاً لكان ذلك معجزة كبرى، ولو حدثت تلك المعجزة في زمان يوسف لما حُكم عليه بالسجن لسنوات، فلو حصلت تلك المعجزة حقاً لثار الناس ضد عزيز مصر الذي حبس يوسف بناءاً على طلب زوجته، أو بما تراءى له من المصلحة.

ولكننا يمكن لنا أن ندرك بأن ذلك الشاهد كان رجلاً كبيراً وواعياً وحكيماً وكان القصر آنذاك يعتمد عليه لأنه أعطى دليلاً منطقياً على صدق يوسف عندما قال(إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ)

فلو كان طفلاً رضيعاً ونطق لما كان هناك حاجة لإثبات البراءة بالدليل العقلي المنطقي إذ يكفي للرضيع أن يقول: يوسف بريء: وتثبت براءته بمجرد نطق الرضيع.

وعيسى بن مريم(ع) عندما برّأ أمه لم يقدّم للناس دليلاً منطقياً ولم يعطهم برهاناً علمياً بل كفاهم أن ينطق وهو رضيع فأيقن الجميع بنزاهة مريم، وفي ذلك قال تعالى في سورة مريم(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)

ولسان القرآن الكريم في حديثه عن عيسى(ع) كشف عن كونه كان رضيعاً وابن أيام حيث قال سبحانه(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)

أما الشاهد على براءة يوسف(ع) فإن لسان القرآن الكريم يوحي بأنه كان رجلاً وليس طفلاً رضيعاً، والله تعالى هو الأعلم.

ولفظ الشاهد في القرآن الكريم تُستعمل للبالغ العاقل، ثم إن كلام الشاهد يوحي بأنه جواب على سؤال طُرح عليه من قِبل عزيز مصر ووزرائه، ولعل هذا الشاهد كان مرجعاً لهم في القضايا المستعصية لأنه كان رجلاً حكيماً وذا خبرة عالية، والله تعالى هو الأعلم.

 

السجْنُ أَفْضَلُ مِنَ ارْتِكَابِ المَعْصِيَة

 

(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ  فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)

لقد أصبح ذكر يوسف مردداً على كل لسان، منهم من يحكي عن أخلاقه العالية، ومنهم من يشير إلى جماله الخارق، ومنهم من يتحدث عن فهمه ووعيه وعلمه، وقد تعرض لموقفين هما في غاية الصعوبة والحرج، مرة عندما راودته زوجة العزيز عن نفسه، ومرة أخرى عندما أدخلته على النسوة اللاتي قطعن أيديهن، وهذا من شأنه أن يفتح مجالات وأبواباً عليه يصعب إقفالها.

ونحن على يقين بأنه لو تعرض يوسف لما تعرض له مع زليخا ألف مرة فلن ينهار ولن تضعف عزيمته ولن يصبو لها ولا لغيرها، وذلك بقوة العصمة التي سدده ربه بها.

وهنا يوجد أمر دقيق للغاية لا يمكن فهمه إلا مع شيء من التأمل والتدبر والحكمة لأنه يستحيل بيان الحال إلا من خلال الإنطلاق من الثوابت الدينية المتعلقة بشأن النبوة والأنبياء، وعلى رأس تلك الثوابت موضوع العصمة الذي به نحل الكثير من المشاكل والعُقَد، ونردُّ به بعض الشبهات والإشكالات.

فلسان الآية المذكورة يُشعِر بكون يوسف قد شعر بالضعف، وذلك عندما توجه إلى ربه قائلاً(وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) وهنا تكمن القضية المبحوث عنها، فهل شعر يوسف بالضعف فعلاً بحيث أنه كان معرضاً لما ذُكر في الآية، وإذا لم يكن معرضاً لذلك فلماذا توجه إلى الله عز وجل بأن يعينه على الإعتصام؟

ونحن بدورنا عند بيان هكذا أمر حساس يتصل بالنبوة نحطاط كثيراً ونخشى أن يفهم البعض كلامنا من زاوية ضيقة، ولهذا فإنني أقول وأكرر القول: بأن المعصوم لا يرتكب الحرام ولا يفكر في فعله ولا يضعف أمام الشهوات مهما كان حجم الإغراء فيها كبيراً، وإلا فما هو معنى العصمة إذا كان المعصوم قابلاً للوقوع في الخطأ.. ولأجل ذلك أدعو إلى الإنتباه والتفكر كيلا نقع معاً في المحظور، فإن تبعات الخطأ في هكذا مواقف جسيمة وعظيمة ووخيمة.

ولأجل أن أوضح ما ورد ذكره في الآية الكريمة مما يشعر بضعف يوسف لا بد من البحث في محورين هما أساس في إظهار الحقيقة وكشف النقاب عن المراد.

المحور الأول: نحن نعلم أن الله تعالى لا يختار أحداً لحمل أعباء النبوة وأثقال الرسالة إلا إذا كان قادراً على الإعتصام فيختاره ربه ويعزز فيه تلك القوة ويسدده بها بحيث تصبح مقدرته على الإعتصام أقوى وأكبر، وهذه هي العصمة.

فعندما توجه يوسف إلى ربه طالباً منه العون والتوفيق كيلا يصبو إليهن ويكون من الجاهلين الذين يرتكبون المعاصي، نحن نقول إن نفس توجه يوسف إلى ربه في مثل هذا الموقف هو أحد عوامل العصمة لأن المعصوم يعتصم بالله وهو يتوجه إليه في تسديده أكثر وأكثر من باب الإحتياط حيث لا مورد للخطأ، والدعاء في مثل هذا الموقف لا يوحي بإمكانية صدور الخطأ من المعصوم وإنما يكشف لنا بوضوح عن تلك المقدرة التي يتمتع بها المعصوم، وهذا هو عين الخشية التي يطلبها الخالق من عبيده، فهو يحب أن يرى عبده محطاطاً وأن يتوجه إليه ويعتصم به ليباهي به ملائكته قائلاً أنظروا إلى عبدي كيف يصنع خوفاً مني.

ولو كان صدور الخطأ من يوسف ممكناً ومحتمَلا لما اختير للنبوة من الأساس.

ورغم هذه البيانات القاطعة يبقى السؤال حول كلام يوسف أو حول توججه إلى الله عز وجل قائماً، فبما أنه معصوم لماذا طلب العون من الله كيلا يصبو إليهن، وهذا ما يوضحه لنا المحور الثاني.

المحور الثاني: لماذا لا نحمل كلام يوسف(ع) على باب إياك أعني واسمعي يا جارة، فلماذا لا نقول بأن يوسف كان في صدد التعليم والتوجيه فهو يعلّم الناس كيف يمكن أن يلجؤوا إلى الله عز وجل في مثل تلك المواقف الحساسة التي لا يمكن تجاوزها إلى بتوفيق من الله.

والدليل الأكبر على ما نذكره هو أن يوسف(ع) قد اختار السجن كيلا يقع في الخطأ(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) يعني أنه بحث عن كل المواضع التي تخلصه وتعصمه.

والكلام هنا كيف استجاب الله له؟ هل سدده بشي؟ نحن نقول هو من الأساس مسدد بالعصمة ولكنه لعله استجاب له وهيأ له الظروف التي أوصلته إلى السجن(فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

 

الدُخُوْلُ إِلَى السِجْن

 

قال تعالى (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)

والمراد بالآيات في الآية الكريمة هي تلك الدلائل التي أثبتت براءته مما نسبته إليه امرأة العزيز.

وبعد أن كثر كلام أهل المدينة على زوجة العزيز وأصبح ذكرها مردداً على الألسن بدا له أن يخفي يوسف عن الأنظار حتى ينسى الناس تلك الفضيحة، وقد كان الملك عالماً بصدق يوسف ونزاهته ولكن الظروف حكمت عليه فاضطر إلى سجنه لسنوات وهو(ع) يصبر على مرارة السجن الذي رأى بأنه أهون من الوضع القائم في الخارج.

وفي السجن لم يكن يوسف(ع) مكتوف الأيدي بل كان يعظ من كان في السجن ويدعوهم إلى الإيمان بالله تعالى ويقدّم لهم البراهين على صدق دعواه، وهذا ما سوف يظهر لنا من خلال وعظه لصاحبيه في السجن.

(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ) وهما موظفان عند الملك، أحدهما رئيس الخبازين والآخر رئيس السقاة، وقيل بأن يوسف(ع) قد دخل قلب السجان فجعله وكيلاً على المساجين وهذا من ألطاف الله تعالى بنبيه يوسف.

(قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)

لقد رأى كل منهما مناماً لم يعرفا معناه وتأويله ولعلهما شعرا بالخوف، ولا يوجد في السجن من هو أعرف أو أعظم من يوسف(ع) ولأجل ذلك توجها نحوه وطلبا منه أن ينبأهما بتأويل رؤياهما حيث لمسا منه أنه من المحسنين الذين يحسنون الفعل والقول والرأي، فالأول رأى في المنام أنه يعصر خمراً والآخر رأى نفسه يحمل خبزاً فوق رأسه وتأتي الطيور وتأكل من ذلك الخبز، ففسر لهما منامهما بما ذكره القرآن الكريم الذي أشار إلى عدة مواضيع قبل ذكر التفسير الذي قدمه يوسف لهما، قال تعالى حاكياً عن يوسف(قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) ولعله(ع) يريد أن يبين لهما حجم معرفته ويثبت لهما نبوته وأنه على ملة الأنبياء الذين اصطفاهم ربهم من بين خلقه.

لقد أدهشهم كلامه إذ كيف يقدر أن يخبرنا بنوعية الطعام وباليوم الذي يأتي فيه ومن يأتي به هذا أمر من الغيب وهو أمر عجيب، فرد عليهم عجبهم بقوله(ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) وقد حاول يوسف من خلال هذه البيانات ليستغل الموقف في دعوتهم إلى الإيمان حيث كان يدعو كل من يدخل السجن إلى الإيمان، ثم شرع بالقول(إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) إن كثيراً من الناس خارج السجن لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وهنا بدأ بوعظ هذين الشخصين اللذين كان على الكفر فقال(وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) إنه يخبرهم عن حقيقته وعن الشريعة السمحاء التي هو عليها وهي الشريعة التي بعث بها إبراهيم وإسحق ويعقوب وكل الأنبياء نافياً انغماس الجميع بشيء من الشرك مبيناً أن هذا من فضائل الله عليهم ثم راح يدعوهم إلى الإيمان مقدماً لهم الأدلة والإثباتات(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)

ثم راح يبين لهم وهن الوثنية التي هم عاكفون عليها ويبين لهم حقيقتها(مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) الحكم لله وحده، والأمر بيده، أما شرعية الوثنية فلا وجود لها ولا مبرر لعبادتها، العبادة الصحيحة هي عبادة الله وحده الخالية من الشرك، وهذا هو الدين القيم المطلوب من الجميع وهو الصراط المستقيم.

ثم طلب يوسف من الذي سينجو وهو السقاء أن يذكره عن العزيز ويقول له بأن يوسف قد سجن من دون محاكمة، ولكن الشيطان الرجيم أنساه الأمانة التي حمّله إياها يوسف فمكث في السجن بضع سنين وهو يذكر الله تعالى ويدعو كل من دخل السجن إلى الإيمان، وفي هذا الحدث بالذات قال تعالى(وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) أي ما بين ثلاث وتسع سنين.

 

رُؤْيَا المَلِكِ

 

وقد شاءت الظروف أن يرى الملك مناماً مزعجاً حار في أمره فراح يستفتي العلماء والمنجمين عن تأويل رؤياه فلم يستطع أحد منهم تأويلها(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) لقد رأى الملك في منامه سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ضعفاء إذ كيف يأكل الضعيف القوي، وبالإضافة إلى ذلك رأى سبع سنابل خضراء تميل عليها سبع سنبلات يابسات، فعندما استيقظ الملك من نومه دهش لغرابة هذه الرؤيا التي لم يسمع الناس بمثلها من قبل ففتش وبحث عمن يفسر له هذه الرؤيا لكي يستريح لأنها توحي بأمر خطير لا يعرفه.

(قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ) هذا حلم معقد وملتبس وعنده اتهموا أنفسهم بالجهل مدعين أن هكذا حلم ليس له تفسير، فلم يقنع الملك بكلامهم وبقي متوتراً إلى أن تذكر السقاء الذي كان مسجوناً مع يوسف أن الوحيد القادر على تأويل هذه الرؤيا هو يوسف(وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا) أي من اللذين كانا مسجونين مع يوسف(وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) أي أنه تذكر ما جرى له في السجن بعد مدة من الزمن تلك المدة التي عبّر عنها القرآن ببضع سنين، والبضع يبدأ من ثلاث سنين وينتهي بالتسع فقال لهم السقاء(أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ) أي أرسلون إلى يوسف المسجون فأرسلوه إليه فقال له(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) لعلهم يعلمون تأويل الرؤيا وأنك صدّيق ونبي، فقال له يوسف(ع)

(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا) أي استمروا بالزراعة على دأبكم وعادتكم(فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ) تزرعون سبع سنين متوالية وسوف تكون عليكم خصبة وطيبة، وهي معنى سبع بقرات سمان والسنابل الخضر، وأبقوا الحب في سنبله ليكون أبعد عن الفساد إلا المقدار الذي تأكلونه مع مراعاة الضرورة أي استعملوا منه بمقدار الحاجة ولا تسرفوا(ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ) ثم بعد ذلك تأتي سنين جافة وقاسية(يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ) وفي هذه السنين الصعبة تأكلون ما ادخرتموه من السنين الطيبة ولا يبقى إلا القليل للبذر(ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) ثم أخبرهم يوسف(ع) كما علّمه ربه أنه بعد هذا القحط سوف يأتي عام خصب للغاية فيه تعصرون لكثرة البركات فيه، فرجع السقاء إلى الملك وأخبره بتأويل يوسف لرؤياه فأعجب بذلك وتذكر يوسف الذي سجن ظلماً وعدواناً فأمر الحراس بأن يأتوه بيوسف على الفور كما أشار القرآن الكريم بقوله(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ) ولكن يوسف(ع) رفض أن يخرج من السجن قبل إعلان براءته لأنه يريد أن يخرج وصورته حسنة وسمعته طيبة حتى يتسنى له أن يدعو الناس إلى الله تعالى، ولا يليق أن يدعوهم وهم متهِمون له فأبى أن يخرج إلا بعد إثبات براءته، ولأجل ذلك قال يوسف للسقاء إرجع إلى الملك وقل له بأن يحقق مع النسوة اللواتي قطعن أيديهن(فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) فأمر الملك بإحضارهن وسألهن عن سبب تقطيع أيديهن وربما سألهن عن كل ما يساعد على كشف الحقيقة فاعترفن ببراءة يوسف، وها هو القرآن المجيد يقص علينا اعترافهن الصريح فيقول(قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)

 

يُوْسُفُ(ع) يَخْرُجُ مِنَ السجْنِ

 

شاءت قدرة الله وحكمته أن يغيب يوسف عن ساحة الملك وأنظار الناس إلى أن تخرج آثار تلك الحادثة من أذهانهم ويشعر المذنبون بالندم ويأنبوا ضمائرهم ويعترفوا بالحقيقة لأنه من دون ظهور الحقيقة سوف تبقى تلك الفتنة حائلاً بين يوسف وتأدية الرسالة وإنه من دون ظهور الحق لن يقبل منه القوم أية نصيحة ولن يصدقوه بأية كلمة.

لقد هيأت القدرة الإلهية ظروفاً مناسبة لظهور الحق وذلك عبر الرؤيا التي رآها الملك في منامه وعجز الجميع عن تأويلها باستثناء يوسف المنسي في غياهب السجون، فبعث الملك من يأتيه بيوسف فرفض أن يخرج قبل إجراء تحقيق حول التهمة المنسوبة إليه والتي كان بريئاً منها ففعل الملك ما طلبه يوسف واعترفت النسوة بالخطأ.

وأكبر دليل على براءة يوسف هو ما قالته امرأة العزيز(الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)

لقد انقلبت الموازين رأساً على عقب، ففي البداية وجهت امرأة العزيز اتهاماً مباشراً ليوسف كان من الممكن أن يحكم عليه الملك بالموت ولكن قدرة الله تعالى منعت الملك من ذلك، وفي النهاية اعترفت بالحق وبرّأت يوسف من الذنب معترفة بأنها هي المعتدية وأن يوسف امتنع ولم يوافقها على فعل الخطأ(ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) فقد اختلف المفسرون في معنى هذه الجملة فذهب البعض إلى أنه كلام امرأة العزيز التي اعترفت على نفسها ليعلم زوجها أنها لم تخنه باستثناء أنها راودت يوسف عن نفسه ولكنه امتنع، والإنسان قد يهفو إلى بعض النزوات(وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)

فبعدما سمع الملك تلك الإعترافات أنب نفسه وضميره على سجن يوسف طيلة تلك المدة(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ) وعندما أتي بيوسف إليه وكلمه الملك رأى فيه العلم والحكمة وحسن التصرف وإدارة الشؤون ولأجل ذلك استخلصه لنفسه وجعله موضع ثقته.

ثم طلب يوسف من الملك طلباً فيه لله رضا وللناس منفعة وذلك بعد أن شارك يوسف الملك في شؤون إدارة البلاد ورأى فيه ما لم يره في غيره، طلب منه أن يجعله على خزائن الأرض لينقذ البلاد والعباد من المجاعة الآتية فيوسف ذو خبرة عالية في إدارة هذه الشؤون وغيرها، وفيه قال تعالى(قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)

لقد مهّد يوسف لهذا الأمر عن طريق إثبات براءته لأنه لولا ذلك لحاول حواشي الملك أن يطعنوا به وبنزاهته.

(وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) وبهذا التدبير الإلهي والتوفيق الرباني استطاع يوسف(ع) أن يحكم الأرض ويختار منها أي مكان من دون معارض أو منازع لأن الله عز وجل قد منّ عليه بقوة باهرة وسلطان عظيم.

 

أُخْوَةُ يُوْسُفَ فِيْ بِلادِ مِصْرَ

 

انتهت أزمة يوسف مع امرأة العزيز والنسوة، وقد منّ الله عليه بالحكم ومكّنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، وانتشر خبره في البلاد وبين العباد وتناقلت الألسن خيره وحسنه وحسن معاملته وردد الناس الحديث عن أخلاقه العالية ومنطقه الجذاب وحكمته النادرة وبالأخص بعد أن مات عزيز مصر وحلّ يوسف مكانه، وقد ذكر التاريخ بأن يوسف(ع) قد تزوج بامرأة العزيز بعد وفاة زوجها.

بعد ذلك كله بدأت مرحلة جديدة في حياة يوسف الذي لم ينس ماضيه فإنه بقي ذاكراً لوالده وأخوته ولكنه كان ينتظر اللحظة الحاسمة للقائهم، ولعل عدم عودته إلى فلسطين كان بأمر من الله تعالى حتى يهيأ له الظرف المناسب.

إن قضيته مع أخوته لم تنته بعد بل نقول لم تبدأ بعد، وقد ذكر القرآن المجيد تفاصيل هذه القضية المهمة والقصة الشيقة فقال سبحانه(وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ  وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ  فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ) هنا تبدأ الحكاية بين يوسف وأخوته فلقد أصاب بلادهم قحط وجوع وسمعوا عن ملك عادل صاحب يد معطاءة وكرم لا مثيل له وهو صاحب مخازن كبرى تكفي الناس لسنوات فتوجهوا نحو مصر وعندما وصلوا إليه ونظر إليهم عرفهم وهم له منكرون، أي أنهم لم يتعرفوا عليه.

فعندما جلسوا معه سألهم من أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبي الله، قال: هل له أولاد غيركم؟ قالوا كنا اثني عشر فهلك أصغرنا في البرية وبقي شقيقه فاحتبسه أبوه يتسلى به، فأمر يوسف بإكرامهم، ولكن عندما جهزهم بجهازهم وقبل أن يرجعوا إلى بلادهم قال لهم (ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ) وقد كان ذلك شرطاً في إعطائهم المؤن مرة أخرى، وقد طمأنهم بقوله(أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) وقد كانوا حتى ذلك الحين عاجزين عن معرفة السبب في طلبه ثم شرط عليهم ذلك بشكل واضح(فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ) يعني إذا لم تأتوا بأخيكم فلا تأتوا إلى هذه البلاد مرة أخرى.

لقد كان طلب يوسف كبيراً عليهم لأنهم لن يستطيعوا إقناع أبيهم باصطحاب أخيهم بعد أن فعلوا ما فعلوا بيوسف فعندها قالوا(سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ) لقد أكدوا له أنهم سوف يجتهدون في إقناعه لأن معيشتهم متوقفة على تنفيذ هذا الشرط أو هذا الطلب، فعندما سمع يوسف منهم ذلك(وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) لقد حاول بذلك أن يثبت لهم كرمه ليؤكد عليهم إتيان أخيهم إذ لو لم يكن صادقاً لما وضع البضاعة في رحلهم، بمعنى أنه لم يأخذ منهم شيئاً مقابل الطعام الذي أخذه فقد تبرع لهم بذلك، وهذه كانت من الأمور المساعدة على زرع الطمأنينة في نفس يعقوب ليسمح لهم باصطحاب أخيهم في المرة المقبلة.

لقد رجعوا إلى بلادهم ولم يشعروا بأن البضاعة قد ردت إليهم، ولذلك فقد أدهشهم الأمر عندما رأوا البضاعة قد ردت إليهم (فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) عندما وصلوا إلى أبيهم قالوا له لقد امتنع الملك عن إعطائنا شيئاً إلا إذا اصطحبنا معنا أخانا، وقد كان هذا الطلب عظيم الوقع على قلب يعقوب إذ كيف يفرط بولده بعد أن أصيب بفاجعة فقد يوسف، وقال لهم(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) رفض في البداية إرسال أخيهم معه حتى يعطوه المواثيق(وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ)

فبعد أن رأى يعقوب صنيع الملك معهم شعر بشيء من الإطمئنان فوافق معهم على مضض لأن حياتهم متوقفة على ذلك وقد لمس منهم الإصرار على أخذه ولو عن طريق القوة فوافق معهم ودعا الله أن يحفظه.

وقد كانوا طامعين بأنهم إذا اصطحبوا معهم أخاهم فسوف يربحون حمل بعير، وهو حمل لا بأس به، ثم أمرهم بأن يدخلوا عليه من أبواب متفرقة دفعاً للحسد(وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) ولعل ذلك والله أعلم لم يكن لمجرد رفع الحسد فقط إذ لعله كان رمزاً نبوياً لا يفهمه إلا الأنبياء.

 

الدُخُوْلُ مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِقَة

 

(وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) الحكم لله تعالى، فلقد فعل يعقوب ما ينبغي فعله مع أولاده وأمرهم بأن يدخلوا من أبواب متفرقة ففعلوا ذلك، وهذا لا يعني عدم وقوعهم فيما لا يرغبون ويحمدون فلقد اتُهموا بالسرقة، والحاجة في نفس يعقوب هي حفظ يوسف وأخيه بنيامين من الضرر، ولقد استجاب الله له وقضى حاجته حيث حفظ له جميع أولاده وعادت له السعادة بعد الفراق الطويل حينما جمع الله شمله ببنيه أجمعين.

وعندما دخلوا القصر من أبواب متفرقة نظر يوسف إلى أخيه بنيامين فعرفه فآواه إليه وأخبره بالحقيقة ففرح بنيامين لذلك حيث التقى بأخيه بعد سنين طويلة من البعد والفرقة، ولكن يوسف طلب من أخيه أن لا يفصح بالأمر لأن هناك خطة سوف يقوم بها يوسف من أجل إنهاء القضية.

(وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) يعني لا تحزن ولا تأسف على ما فعلوا بي وبك فإن الله عز وجل أحسن إلينا وجمع شملنا بعد هذه المدة.

ولكن يوسف فكر في طريقة لإبقاء أخيه معه فدبر مكيدة لأخوته يريد من خلالها أن يجمع الشمل فأمر بوضع صواع الملك في رحلهم ونادى مناد بهم إنكم لسارقون فأتى أخوة يوسف مذعورين من هذا الإتهام الكبير الذي كانت عاقبته وخيمة لو كانوا حقاً سارقين(فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) لقد وضعوا الشيء في رحل بنيامين كي يكون ذلك حجة لإبقائه عند أخيه(قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ) لقد أتوا مسرعين ما الذي فقدتموه(قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ)

لقد ضمن المنادي حمل بعير من الطعام لمن يأتي بالصواع من تلقاء نفسه كتكريم له، وعندما سمعوا هذا الكلام أجابوا النادي(قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ) نحن أتينا من أجل الحصول على الطعام لأن القحط أصاب بلادنا والذي يأتي لهذا الهدف من المستحيل أن يقدم على السرقة.

وكان من شريعتهم آنذاك أن يسترقّوا السارق_أي يجعلونه عبداً لهم_ وكان غلمان يوسف قد وضعوا الشيء المسروق في رحل بنيامين حجة لإبقائه مع أخيه يوسف(قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ) قالوا – أي غلمان يوسف – لأخوته ما هو جزاء السارق، فقال أخوة يوسف هو الجزاء المعترف به وهو الإسترقاق(قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) وعندما حدثت تلك المكيدة الربانية بدأ المفتش بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء بنيامين(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ) وهذا جزء من تلك الخطة كيلا يكتشف أخوة يوسف هذه المؤامرة فقد قام المفتش بعمل تكتيكي وهو يعلم أن الصواع موجود في رحل بنيامين، وعندما وصل الدور إلى رحله استخرج المفتش الصواع المسروق على مرأى الجميع(ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ) الضمير هنا يعود على يوسف(ع) ثم يخبرنا القرآن بأن الله تعالى هو الذي أوحى إلى نبيه يوسف بفعل ذلك حيث قال(كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)

ثم يحدثنا القرآن عما كان يدور في ضمير يوسف الذي ما كان ليأخذ أخاه أي ما كان ليعاقبه بشريعة ملك مصر فهو لا يريد الأذى بأخيه وإنما صنع ذلك من أجله، وعند هذا الموقف تحدث أخوة يوسف بكلام زاد في الطين بلة حيث أصروا على موقفهم المعادي ليوسف فاتهموه بالسرقة(قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ)

وهنا أريد أن أظهر مدى الرأفة التي كان يتعاطى بها هذا النبي، لقد كان يعفو مع القدرة على العقاب والقصاص، ولكن من شيم أهل النبوة أن يعفوا عن المسيء فإن ذلك ضرب من ضروب الإيمان، فلم يكتف أخوة يوسف بما صنعوه به في الصغر وإنما وجّهوا له تهمة عظيمة وهي السرقة حيث قالوا(قَالُواْ إِن يَسْرِقْ) يعني أخوهم بنيامين (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ) هم يقصدون بذلك يوسف سلام الله عليه، ولكنه كتمها في نفسه فلا يريد أن يحدث أي خلل في خطته المحكمة (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) ثم قال في نفسه (قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ) فهي بهم ألصق وأحق، ورغم اتهامهم ليوسف بذلك فقد كتم الأمر ولم يظهر الإنزعاج على وجهه وهذه مقدرة عظيمة يمن الله بها على عباده المخلصين.

وبعد ذلك راحوا يستعطفون يوسف كي يعفو عن بنيامين(قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)

بمعنى أن يعقوب ملسوع منهم من قبل عندما كادوا بيوسف وغيبوه، وإنهم إن رجعوا إليه من دون أخيهم بنيامين فسوف يقيم يعقوب الدنيا ولا يقعدها وهذه بالنسبة لهم مشكلة كبرى مع أبيهم، ولأجل ذلك طلبوا أن يأخذ أحدهم مكان بنيامين ليثبتوا لأبيهم أنهم لم يخونوا العهود التي قدموها له قبل اصطحاب بنيامين، فقال لهم يوسف(قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ) نحن لا نأخذ الحق من غير وجهه ولا نعاقب إلا صاحب الإساءة فإذا عاقبنا غير السارق كنا من الظالمين، ونلاحظ بأنه لم يقل لهم إلا السارق لأن أخاه في الحقيقة ليس سارقاً وإنما قال(مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ)

(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا) عندما يئسوا من قبول يوسف طلبهم انفردوا في ناحية يتشاورون في الأمر ماذا يصنعون وماذا يقولون لأبيهم إذا رجعوا إليه من غير بنيامين فهل يصدق بالفعل ما حصل لهم أم أنه سوف يزداد غضبه عليهم(قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) قام كبيرهم سناً فقال لهم قد استحلفكم أبوكم أن تردوا عليه بنيامين فما هو جوابكم له بعد أن فجعتموه بيوسف(ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ) إرجعوا إلى أبيكم وقولوا له ما حصل ولو كنا نعلم الغيب لما اصطحبنا بنيامين معنا من الأساس فهذا هو الحل الوحيد، وإذا لم يصدق قولكم قولوا له(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) إذا كنت شاكاً بكلامنا فابعث أحداً تثق به إلى القرية التي كنا فيها وسوف يرى بأن جميع أهلها على علم بهذه السرقة فرجعوا إليه وأخبروه بما حصل فقال لهم وهو حزين على ولديه(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) بعد أن أنبهم على فعلتهم فوّض أمره إلى الله تعالى.

 

البَحْثُ عَنْ قَضِيَةِ يُوْسُف

 

(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)

رغم طول الفراق بين يوسف وأبيه بقي أبوه معتقداً بأنه كان معتقداً بأن يوسف على قيد الحياة لأن الرؤيا الصادقة التي رآها يوسف سوف تتحقق بإذن الله تعالى، ولأجل ذلك قال لهم وأعلم من الله ما لا تعلمون، ولم يشأ أن يخبرهم بالحقيقة خوفاً على مصير ولديه أو ربما يكون هناك سبب له علاقة بالوحي هو الذي منعه من الإفصاح عما يعلم.

إلى أن آن أوان ظهور الحق وجمع الشمل أمر أولاده بالعودة إلى مصر والتحقق من أمر أخيهم يوسف وأخيهم بنيامين فلقد شعر مما حدث أن في الأمر سراً فهو مؤمن بأن ولده بنيامين لا يسرق وأن الملك في مصر إنسان محسن لا يظلم أحداً، فلقد شعر بأن الملك هو يوسف، ولأجل ذلك طلب من أولاده أن يذهبوا ويتحققوا من الأمر بشكل دقيق(يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) ولعله أشار لهم بأن يوسف ما زال على قيد الحياة وأنهم سوف يصلون إلى نتيجة إذا قصدوا مصر مجدداً فذهبوا إلى مصر وطلبوا مواجهة الملك فدخلوا عليه واستعطفوه(فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) جاؤوا ببضاعة رديئة وقد مسهم الجوع، هؤلاء الذين كانوا جبارين بالأمس حاقدين على أخيهم حتى أوصلهم حقدهم إلى إلقائه في غيابة الجب، ها هم اليوم يقفون بين يديه مذلولين يطلبون منه العون والصدقة.

وهنا آن أوان الكشف عن الحقيقة فبعد أن رآهم مذلولين طرح عليهم سؤالاً(قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ) لقد عاتبهم وهو ناصح لهم وليس كارهاً كما يصنع بعض الناس، فعندما طرح عليهم هذا السؤال أدهشهم الموقف ودار في أذهانهم أمور كثيرة، هل يعقَل أن يكون هذا يوسف الذي باعوه بثمن بخس؟ وما الذي أوصله إلى هذا المستوى؟ أو أنه ليس يوسف ولكنه كشف أمرهم ويريد أن يعاقبهم؟ ولعل هناك العديد من الأفكار التي راودت أذهانهم في تلك اللحظات، وعندها(قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ) فلقد كان من الضروري أن يصلوا إلى هذه النتيجة لأنها أقرب تفسير للحالة التي كانوا فيه فأجابهم يوسف قائلاً(قالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)

لقد بيّن لهم سبب هذه الرفعة وهذه النعمة التي لا تكاد تُصدَق مظهراً لهم السبب وهو الصبر والتقوى، فلقد صبر يوسف على ما نزل فيه من الظلم فرفع الله عنه ذلك ومكنه في الأرض وجعله على خزائنها، ثم بيّن لهم أن الله تعالى لا يضيّع أجر المحسنين في الدنيا والآخرة.

وعندما رأوا ما رأوا وسمعوا ما سمعوا قالوا مندهشين فرحين معترفين بخطيئتهم النكراء(قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ)

لعل أحدهم أو جميعهم ظنوا بأن يوسف سوف يعاقبهم على ما صنعوا به من قبل، وقبل أن تظهر ملامح الخوف عليهم طمأنهم بأخلاقه النبوية قائلاً(قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) أي أنه لا عقاب عليكم ولا تأنيب وكأن شيئاً لم يكن بشرط أن تتوبوا إلى الله وتستغفروه فإنه يغفر لكم لأنه أرحم الراحمين.

 

البُشْرَى العَظِيْمَةُ

 

بعد أن عرف أخوة يوسف حقيقة الأمر أمرهم بأن يرجعوا إلى أبيهم يعقوب ويلقوا عليه قميصه الذي يحمل ريحه المادي والمعنوي (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) كما وأمرهم بأن يأتوا بزوجاتهم وأولادهم فضلاً عن أبويهما، فعادوا إلى أبيهم مسرعين ليبشروه ولكنهم حاولوا أن يجعلوا الأمر مفاجئة له، ونحن لا نشك بأن للقميص دوراً في الإعجاز(وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ) وعندما وصلت العير إلى فلسطين موطن يعقوب قال لهم إني لأجد ريح يوسف، يمكن أن يكون ذلك من رائحة القميص أو إلهاماً ليعقوب حول ما حدث، ولكنه خشي أن يسفهوا رأيه فأعقب كلامه بقوله(لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ) وعند ذلك لم يصرحوا بالأمر مباشرة إما لتكون المفاجئة أكبر وأحسن أو ليروا هل أن أباهم يدرك الأمر رغم إنكاره(قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ) يعني ما زلت متأملاً برجوع يوسف إليك بعد هذه المدة الطويلة.

(فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) وتقدم حامل القميص وألقاه على وجه أبيه فارتد بصيراً، وهذه معجزة من الله تعالى، ثم أخبرهم يعقوب بأنه يعلم من الله عن طريق الوحي ما لا يعلمون.

(قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) فبعد أن غفر لهم يوسف وسامحهم أرادوا أن يتسامحوا من أبيهم الذي غفر لهم على الفور وليس ذلك ببعيد عن يعقوب النبي(ع)(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يعني أنا أسامحكم ولكنني سوف أتوجه إلى الله بأن يسامحكم فهو الغفور الرحيم.

وانتقل القرآن مباشرة للحديث عما جرى بين العائلة السعيدة عندما وصلوا إلى مقر يوسف(فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ  وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ  رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) وهنا تحققت الرؤيا الصادقة التي رآها يوسف منذ سنين طويلة حيث سجد له أخوته وعددهم بعدد الكواكب التي رآها ساجدة له في المنام ثم توجه إلى أبيه وقال له(يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) وطبعاً لم يكن السجود شاملاً لأبويه حيث رفعهم على العرش وتم سجود الأخوة أمام يوسف ويعقوب وزوجته والدة يوسف.

وهكذا ختم الله لهم بالسعادة وجعل هذه القضية عبرة للناس عبر الزمن.

الشيخ علي فقيه

Exit mobile version