مَثَلُ الكلمة الطيبة
قال سبحانه في سورة إبراهيم(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)
لا تنحصر أحكام الدين بالصلاة والصوم والحج فهي أوسع دائرة من ذلك إذ أن هناك تفاصيل دقيقة قد يحسبها البعض بعيدة عن الدين وتكون هي النواة التي يتكون منها الدين بل التي يُتوَّج بها ويصبح بسببها مثمراً ونافعاً وفعالاً في النفوس.
وهنا أسأل نفسي والجميع، هل يكفينا ذخيرةً ليوم الحساب صوم من دون جوهر وصلاة من غير معنى وحج بلا توجه وجهاد مقرون بالرياء وأمر بالمعروف لا يعمل به صاحبه ونهي عن المنكر لا ينتهي عنه الناهي؟ بالطبع كل هذه العبادات إذا لم تقم على الركائز المتينة والأسس القوية فلن تدوم ولن يبقى لها أثرها في يوم القيامة، كيف يواجه الإنسان ربه بصلاة مقرونة بسوء الخلق وصوم محفوف بالكلام السيء الذي يؤذي القلوب والنفوس، وكيف نقابل ربنا بحج ضُمّ إليه الأخلاق الرذيلة والممارسات البعيدة عن المنطق والصواب؟
لقد أشارت الآية المذكورة إلى مسألة الكلمة الطيبة ومثّلت لها بالشجرة الثابتة المثمرة على شكل الدوام لأن الحياة كلها قائمة على الكلام الطيب.
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء) وللكلمة الطيبة معنى عام ومعنى خاص أو معنى حقيقي ومعنى مجازي، أما معناها العام فهو الكلام الجميل الذي يؤنس السامع وينفعه ويرشده نحو الخير كأي علم ينفع الإنسان وأية كلمة من قبيل الترحيب وتطييب الخاطر.
وأما معناها الخاص أو المجازي فهو أن المقصود بها أهل بيت العصمة(ص) لأن معناهم ينسجم مع الممثَّل له وهو الكلمة الطيبة ومع المثل الذي هو الشجرة الطيبة، فيمكن إطلاق الكلمة الطيبة وإرادة معنى أهل البيت كما تطلق الشجرة الطيبة عليهم.
وللكلمة الطيبة آثار حميدة ومميزات خاصة بصفة عامة بمعنى أن الخير النابع منها عام يصيب الجميع من دون استثناء وإن كان مصدر النبع خاصاً بالكلمة الطيبة أو بالجهة التي تصدر عنها، فقد تخرج الكلمة الطيبة من لسان شخص واحد وتحمل معها المنفعة للأمة كلها كما كانت تلك الكلمات تخرج من لسان النبي وعلي وفاطمة والأئمة المعصومين الذين نفع الله بهم هذه البشرية من عهدهم وإلى يومنا الحالي وإلى يوم القيامة. إن آثار الكلمة الطيبة تستمر في النفوس الزكية وتستقر في القلوب السليمة التي جعلها سبحانه أوعية للخير، ولذلك كان أثر الكلمة الطيبة كبيراً لدى الفرد ولدى المجتمع، وهي في ذات الوقت تكشف عن طيب مصدرها وسلامة سلوكه وسيرته وسريرته، حتى أنها عظيمة وإن صدرت بتصنع وتكلّف لأن الإنسان يبدأ بالتصنع لتصبح هذه الكلمة ملكة في نفسه لا تنفك عنها ولا تزول فلا مانع من أن يتصنع الإنسان بالخير حتى يعتاد عليه، ونحن تارة ننظر إلى الكلمة الطيبة بغض النظر عمن صدرت عنه أهي من طبعه أو من تطبّعه وهل هو عامل بها أو ليس عاملاً بها، وبمعنى آخر فإننا مرة نلاحظ نفس الكلمة الطيبة ومرة نلاحظ المنبع لها والمصدر، أما نفس الكلمة الطيبة فهي شيء كبير وعظيم فإن كان مطلقها عاملاً بمضمونها كان ربحه عند الله كبيراً وثوابه عليها عظيماً، وإن كان قائلها غير عامل بمضمونها فهو مسؤول عن هذا التقصير، ما يهمنا نحن هو أن يتعامل الناس بالكلام الطيب الذي يأمر الله به ويدعو عباده إلى التحلي بممارسته فيما بينهم لأن استعمال الكلام الطيب يزرع الخير في نفوس البشر.
فكل كلمة طيبة هي داخلة تحت الآية الشريفة وإن لم يكن قائلها عاملاً بها لأن الأمر هنا لا يعني القائل فقط بل يعني السامع أيضاً فإذا لم يكن القائل مستفيداً من آثار كلامه الطيب فقد يكون السامع مستفيداً، فإذا كان عاملاً بكلمته الطيبة كانت كلمته كشجرة ثابتة أصلها ثابت بالنسبة له، وما نريد قوله هو أن الكلمة الطيبة أمر خاص في الشرائع السماوية وهو يحمل المنفعة للبشر وإن صدر من احتكاك الجماد أو أصوات الحيوانات أو من أي مصدر آخر.
فإذا خرجت الكلمة الطيبة من اللسان كانت عظيمة وإذا خرجت من القلب كانت أعظم لأن خروجها من القلب يجعل لها نكهة خاصة ويُدخلها في دائرة ترتب الثواب عليها فإذا خرجت من القلب أنبأت عن طيب الجوهر وأظهرت لنا تلك الصورة الداخلية التي هي مصدر الكلمة الطيبة، فالكلمة الطيبة مصداق لجزء من الآية المذكورة أما طيب المصدر لها فهو مصداق لتمام الآية.
وبمعنى آخر إذا خرجت الكلمة الطيبة من القلب المفعم بالإيمان فيخرجها ويقصد بها أجرها وثوابها كان له أجرها وثوابها أما إذا خرجت من اللسان فهي جميلة بالنسبة إلى غيره أما هو فلا ينتفع منها على صعيد الآخرة.
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا)
لكي نفهم جوهر المثل المضروب هنا لا بد من الوقوف على ما أشارت إليه الآية فإن فيها أكثر من أمر:
الأمر الأول: وهو الشجرة الطيبة وهي أساس المثل، فما هي الشجرة الطيبة؟ وهنا معنيان، الأول وهو الشجرة السليمة والقوية التي لم تدخل إليها الحشرات القاتلة بل هي الشجرة المثمرة التي ينتفع منها الناس، والثاني: أن الشجرة الطيبة المقصودة في الآية هي النبي الأكرم(ص) وأهل بيته(ع) ولذا يقول الإمام الصادق حول هذا المثل القرآني: رسول الله(ص) أصلها وأمير المؤمنين(ع) فرعها والأئمة من ذريتهما أغصانها وعلم الأئمة ثمرتها وشيعتهم المؤمنون ورقها:
ويقول الإمامان الباقر والصادق(ع) في قوله تعالى(ضرب الله مثلاً كلمة طيبة) يعني النبي والأئمة من بعده هم الأصل الثابت والفرع الولاية لمن دخل فيها:
الأمر الثاني: أن أصل الشجرة الطيبة ثابت، ولعل أصلها العقيدة الصحيحة والمتينة، وإذا كانت العقيدة صحيحة كانت ثابتة في القلب ومجبولة مع الروح، وهذا يعني أن البنية في الإنسان متينة لا يُخشى عليها من العواصف المدمرة مهما كانت شديدة، فطالما أن هذا الأصل ثابت ومتين فلا يمكن لأي حدث أو ظرف أن يهدد هذه البنية بالزوال أو الإنهيار، وسبب ثبات هذا الأصل يعود إلى المراعاة في غرس الشجرة فإذا زُرعت من الأساس في أرض متينة وصالحة نبتت الشجرة كما أرضها، وأما إذا زُرعت بشكل متزلزل فإن أية عاصفة عابرة سوف تدمرها، وهكذا الإيمان والعقيدة في داخل الإنسان فإذا كانت عقيدته متينة فلا يُخشى عليه من تيارات الضلال والإنحراف والفساد، فكما يجب الإهتمام بالشجرة من أجل أن تبقى مزهرة ومثمرة وقوية البنية فكذلك العقيدة يجب أن تدعمها بما يثبتها في قلبك وعقلك.
وقد تصاب تلك الشجرة بعارض يزرع فيها الضعف والخلل فإذا أهملنا ذلك استشرى فيها المرض وقضى عليها أما إذا داوينا هذا الداء فسوف تستعيد الشجرة قوتها وتعود إلى ما كانت عليه، وكذا العقيدة فقد ينحرف صاحبها مرة ولكنه يمكن له أن يستدرك الأمر فيصحح عقيدته ويعود إلى الحالة الإيمانية المستقيمة التي كان عليها قبل بروز هذا الخلل، وإن من المهم جداً أن نستدرك الأمر لأن هذا المرض الذي أصاب قلب فلان قد تصل عدواه إلى غيره فلا ينبغي أن نسمح للمرض بأن يمتد وينتشر، وسبب كفر الجميع وفساد عقائدهم هو فساد بعض أفراد المجتمع الذين أفسدوا من حولهم بسبب بعض الأفكار الهدّامة والعقائد الفاسدة التي أدخلوها إلى قلوب الضعفاء منهم.
فلكي تكون الشجرة مثمرة لا بد من توفر شرطين أساسيين فيها، الأول أن تكون القصفة التي غرست أو الحبة التي زُرعت صالحة للزراعة وخالية من الأمراض التي تقتل نموها وتمنعها من معانقة السماء، والثاني، أن تكون الأرض صالحة للزراعة فإذا لم تكن الأرض صالحة فلن تنمو النبتة فيها وإن كانت النبتة سليمة، وأرض العقيدة هي القلب وبذورها هي التعاليم التي يكتسبها المرء حول عقيدته، فيجب أن تنقي قلبك من الكفر والشك والفساد حتى يصبح ظرفاً صالحاً لغرس العقيدة فيه ونموها بشكل سليم.
الأمر الثالث: وهو أنه إذا كان الأصل ثابتاً إستطاعت الفروع أن تعلو في السماء بقوة واستمرار بعيداً عن الخوف من المؤثرات، فالأمر رهن صلاحية الأرض وقوة الأصل واستقامته فإذا كان الأصل معوجاً كان من المستحيل للفروع أن تتجه نحو السماء لأن مصيرها حينئذ سوف إلى الوقوع والسقوط، ومعنى أن أصلها ثابت وفرعها في السماء هو استمرار النمو فيها من دون توقف إذ لو توقف نموها لما امتدت فروعها نحو السماء، وليس المقصود بالسماء السماء الحقيقية بل المقصود هو جهة العلو وهذا مستعمل في القرآن كقوله تعالى(وأنزلنا من السماء ماءاً)
وبناءاً على ما ذكرنا نقول إنه لا يمكن لأحد أن يقتلع الكلمة الطيبة من النفوس والقلوب لأن ثباتها في النفس كثبات أصل الشجرة القوية في الأرض.
الأمر الرابع: وهو أن الشجرة المشتملة على هذه الصفات لا بد أن تنتج ثمراً أو يكون لها أكثر من منفعة، فقد يستخرج منها دواء أو زينة أو يستفاد من ظلها على أبعد التقادير وأقل الإحتمالات، وإذا لم يُنتفع بها بشيء مما ذكرنا فهي تضفي على مكان وجودها جمالاً.
هذا إذا قصدنا بالشجرة الشجرة الحقيقية، أما إذا قُصد بها شجرة النبي وآله فإن منافعها أكبر وخيراتها أعظم وثباتها أقوى لأن المعتقد بالنبي وآله مستعد لأن يضحي بنفسه في سبيل بقاء آثار هذه السلالة الطاهرة التي عبّر عنها القرآن بالشجرة الطيبة ذات الأصل الثابت في الأرض والفروع المتعالية في السماء.
الشيخ علي فقيه

