مفهوم الدعاء

مَفْهُومُ الدُعَاء

لا شَأْنَ لِلْمَرْءِ مِنْ غَيْرِ دُعَاء

 

 

لا شَأْنَ لِلْمَرْءِ مِنْ غَيْرِ دُعَاء

 

قال تعالى في سورة الفرقان(قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ)

فلو أردنا أن نتأمل قليلاً في مداليل هذه الآية القصيرة من حيث الألفاظ لوجدنا أنها تشير إلى أكثر من أمر.

منها: أنها تتحدث بلسان الوعيد لكل من يتكبر عن الدعاء أو يتهاون بهذه الصلة بين الله وعباده، ونحن ندرك بأن المؤمن يشعر بالخوف وتأخذه الرجفة عندما يمر على آية فيها نوع من التهديد والغضب.

ومنها: أن الآية الكريمة تدعو إلى الإلتزام بهذا النهج العبادي الكبير، وذلك عن طريق الترهيب، لأن الله عز وجل يبين لنا الأمور إما بطريق الترغيب أو بطريق الترهيب، فمن لم يؤثر به الأسلوب الأول أثر به الأسلوب الثاني.

ومنها: أنها تبيّن وهن الإنسان ودنوَّ شأنه في هذه الدنيا إذا كان بعيداً عن هذه العبادة، إذ لا قيمة للمرء إذا قطع الصلة بينه وبين الله.

وفي سورة غافر قال عز وجل(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)

بالنسبة للشطر الأول فإن الله تعالى يستجيب دعاء عبده المؤمن إذا صدر من القلب المفعم بالإيمان، وقد بينا أن الشرط هو الدعاء الصادق وأن الجزاء هو الإجابة.

وفي هذه الآية فقرتان لا بد من بيانهما لأن بيانهما يفيد كثيراً في عملية فهم حقيقة الدعاء.

 

الفقرة الأولى:

الإِسْتِكْبَارُ عَن العِبَادة

قال تعالى(إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي)

إن ما نريد معرفته من هذه الفقرة هو معنى الإستكبار ومعنى العبادة لأن هذين المفهومين قد أشير إليهما في هذا الشطر من الآية.

الإستكبار صفة لا تليق إلا بالخالق الكبير الذي وصف نفسه في الكتاب بالمتكبر لأن ذاك حقيقة في الذات الإلهية، أما أن هذا المخلوق الضعيف(الإنسان) يتكبر فإن ذلك أمر قبيح حيث لا يحق للعبد أن يمارس ذلك، ولأجل هذا قيل بأن التكبر قبيح في المخلوق، حسنٌ في الخالق، ووجه الحسن في تكبر الخالق هو منشؤه، فإن منشأه في الخالق طبيعي، أما في المخلوق فليس بالأمر الطبيعي أو المقبول، لأن الإنسان بهذه الممارسة يمارس أمراً لا حق له به.

إذن.. لا يحق للإنسان أن يتكبر على الخلق، ولا يجوز له أن يستكبر على الخالق، وهناك فرق بين التكبر والإستكبار، فإن التكبر يحمل معنى العجب، وقد يعجب المرء بنفسه أمام الآخرين، ولكنه لا يعجب بنفسه أمام الخالق سبحانه وتعالى، وأما الإستكبار فهو المخالفة والعناد.

فلا يجوز للإنسان أن يستكبر عن عبادة الله في جميع موارد العبادة، ونعني بالإستكبار عدم الإلتزام بأوامر الله تعالى ونواهيه.

وأما العبادة فهي الطاعة، وعلى كل إنسان منا أن يطيع الله عز وجل في كل ما أمره به أو نهاه عنه، فلا يمكن أن يكون مطيعاً في جنب المخالفات والمعاصي، ولا تكون الطاعة مع ذلك تامة.

ولكن السؤال الذي يجدر طرحه هنا، ما هو المقصود بالعبادة في قوله تعالى(عن عبادتي)؟ هل هو مطلق العبادات من صلاة وصوم وحج وجهاد؟ أم أن العبادة في الآية منحصرة في معنى واحد أو مورد واحد من موارد العبادة وهو الدعاء؟

نحن نقول لا مانع من انطباق لفظ العبادة هنا على جميع المعاني والموارد بدليل استحقاق العذاب للمتخلي عن العبادة(إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) وهنا يظهر لنا وجه انطباق الآية على الجميع الموارد حيث أن المؤمن إذا ترك الدعاء المندوب لا يلزم من ذلك دخول النار، غاية ما في الأمر أنه فوّت على نفسه مصلحة كبرى، وحرمها من الأجر والثواب الموضوع في عبادة الدعاء، وهذا ما يؤكد لنا أن الآية ناظرة إلى مطلق العبادة من دون تخصيصها في مورد دون آخر.

وأما الذين حصروا معنى العبادة في الآية هنا بالدعاء فإن دليلهم على ذلك هو السياق، حيث ورد لفظ العبادة فيها مقترناً بالحديث عن الدعاء لورود بيان العذاب بعد دعوة الله إلى الدعاء(أدعوني أستجب لكم) ثم بعد ذلك مباشرة قال(إن الذين يستكبرون عن عبادتي) فلقد فسر بعضهم قوله تعالى(عبادتي) بالدعاء، أي إن الذين يستكبرون ولا يدعون ربهم سيدخلون جهنم داخرين.

وعلى كل حال فإن الدعاء عبادة لله تعالى، ولولا وجود الدليل على ما نذكره لقلنا بأن المقصود بالدعاء هنا الدعاء الواجب، وأعني بالدعاء الواجب ما ورد من الآيات بلفظ الدعاء مثل:إهدنا الصراط المستقيم: فإن هذا يكون واجباً أثناء الصلاة، كما ويمكن التعبير عن الصلاة بالدعاء لأن المعنى الأولي للصلاة هو الدعاء، فلا يجوز مخالفته لثبوت الحقائق الشرعية التي اقتضت استعمال لفظ الصلاة على الصلاة المخصوصة وليس على الدعاء.

 

الفقرة الثانية:

دُخُولُ جَهَنم

قال سبحانه (سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)

لقد امتحن الله عز وجل عباده وخيّرهم بين الطاعة والمعصية، وأمرهم بالطاعة، فخالفوه، فكان من الطبيعي أن ينالوا هذا المصير الأسود.

وفي سورة لقمان قال تعالى(وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ)

نستخلص من هذه الآية الكريمة عدة عناوين لها صلة بالدعاء.

العنوان الأول: الإمتحان:

فإن الله تعالى يمتحن قلب العبد بأشياء كثيرة، من جملتها البلاء والمصيبة ليرى هل يتوجه إليه أم أنه ينساه ولا يعتمد عليه، فينبغي على المؤمن أن يعيش مع ربه دائماً في حالات الرخاء كما في حالات الشدة، لا يغيره شيء تجاه ربه، فهو لا يذكر الله كثيراً عند نزول البلاء فقط، وإنما يذكره في السراء والضراء والسعة والضيق على حد سواء.

الله سبحانه وتعالى امتحن ركاب هذه السفينة ليكون هذا الإمتحان ونتيجته عبرة للبشر على مر السنين.

لقد تعرضت تلك السفينة للغرق حينما هبت رياح عاصفة كادت تغرق السفينة بمن عليها فتوجه ركابها نحو الله تعالى متضرعين يسألونه النجاة فاستجاب الله لهم لأن فيهم من دعاه بصدق وإخلاص.

العنوان الثاني: ضرورة الإخلاص في الدعاء:

لقد مررنا على ذكر هذا الشرط من شرائط الدعاء وقلنا بأن الإجابة متوقفة على إخلاص النية على أن يكون المدعو الأوحد هو الله عز وجل، فبدون إخلاص لا تنتظروا الإجابة، لأن دعاءنا من غير إخلاص يفقد الشرط الأول من شروط الإجابة.

العنوان الثالث: نتيجة الإخلاص وثماره:

ومن ثمار إخلاص دعائهم في السفينة أو دعاء بعض ركابها أنْ مَنّ الله عليهم بنعمة النجاة وأوصلهم إلى بر الأمان بلطفه ورأفته ليقول للجميع: هكذا هي نتيجة الإخلاص في التوجه نحو الله: وأن الله يسمع دعاء الإنسان في جميع الحالات، وعلى الإنسان أن لا يغفل عن تلك القدرة العظيمة التي ترجع جميع الأمور إليها.

العنوان الرابع: الثبات على الحق:

لقد أفادنا القرآن الكريم عبرة من أهل تلك السفينة التي أنجاها الله ومن عليها حيث خسر الذين نسوا الله، ونجا من بقي ذاكراً لتلك النعمة الإلهية عندما استجاب الله له دعاءه.

فالرسالة التي يريد الله تعالى أن يوصلها إلى الناس عبر هذه الآية هي: أنه من أراد أن تتم نعمة الله عليه وينال رحمته الواسعة فليستمر بالصدق والإخلاص.

وفي سورة الإسراء(قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى)

لقد فتح الله لعباده أبواباً عديدة ليدعوه متى شاؤوا، فجعل لنفسه أسماءاً كثيرة تسهل بها عملية الدعاء، فلو دعوت الله أو الرحمن أو الرحيم أو السميع أو البصير، أو دعوته بأي إسم من أسمائه فإنه يسمع دعاءك ويجيبك، وبذلك وسّع عليك مسألة الدعاء.

وفي سورة يونس يكشف لنا القرآن عن مسألة قد وقع فيها كثير من الناس من المسلمين وغير المسلمين حيث قال(وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)

فلو أننا فهمنا معنى هذه الآية وعملنا بها لكفانا ذلك في موضوع الدعاء، أي لكنا ممن يستجيب الله له دعاءهم.

ولكي نفهم هذه الآية بشكل صحيح كان لا بد من أن نتعامل معها كما تعاملنا مع الآيات الأخرى، وهذه الآية تحدثنا عن أمر يتكوّن من خمسة مواضيع:

 

الموضوع الأول:إمكانية امتحان الإنسان وابتلائه ببعض الأمور:

إن الإنسان في هذه الحياة معرَّض للنكبات والمصائب، فلا يدري أحدنا متى ينزل عليه البلاء، لذلك يجب أن نكون مستعدين لمواجهة هذا الواقع، وأهم عوامل المواجهة هو الصبر والدعاء، فالصبر يعطينا اندفاعاً نحو المواجهة، والدعاء مفتاح الفرج والخلاص من هذه النكبة وتلك المصيبة كما تعرّض ركاب تلك السفينة إلى عاصفة مفاجئة بعدما كانوا آمنين مستأنسين بالنسيم العليل والمناظر الخلابة، وعندما نزل بهم البلاء لم يجدوا أمامهم سوى الدعاء كوسيلة للخلاص مما هم فيه.

الموضوع الثاني: توجه الإنسان إلى الدعاء بمجرد نزول المصيبة:

وهذا يعني أن الدعاء أمر فطري في الإنسان وهنا نقسم الإنسان تجاه الدعاء إلى قسمين:

القسم الأول: وهم المؤمنون الذين يتواصلون دائماً مع ربهم في جميع الحالات، فهم لا ينتظرون حلول النكبات حتى يدعوا ربهم.

القسم الثاني: وهم الذين لا يذكرون الله تعالى إلا في حالات الشدة كيوم حدوث الزلزال والكسوف والخسوف، أي عندما يشعرون بالخطر الذي لا يمكن تجاوزه إلا باللجوء إلى الله عز وجل، ولا شك بأن السفينة التي حدثنا عنها القرآن كانت تحمل هذين النوعين من الناس، أما النوع الأول فقد سألوا الله النجاة ودعوه كما يدعونه في الحالات الطبيعية، فلم يفاجئهم الحدث لأنهم يستسلمون للإرادة الإلهية ويعتمدون عليها في جميع الحالات، فإن نجوا شكروا الله، وإن لم تُكتب لهم النجاة فأجرهم على الله.

وأما النوع الثاني: فهم الذين دعوا الله بالفطرة وكان البلاء هو المحرك لهم نحو الدعاء، لأن الإنسان بطبيعته وفطرته يلجأ للأقوى عند نزول المصيبة.

الموضوع الثالث: كشف الضر بعد الدعاء:

وهنا تظهر لنا نتائج الإخلاص في الدعاء، لأن الآية أشارت إلى هذا القيد بشكل واضح(دعوا الله مخلصين) وهنا يتأكد لنا أن الإخلاص باب الإجابة وشرطها.

فكل من يتوجه إلى الله عز وجل بنية صادقة وقلب سليم فسوف يجد الله مجيباً لدعائه.

الموضوع الرابع: نسيان النعمة بعد الشعور بالطمأنينة:

وهذه صفة قبيحة في الإنسان، لأنه بهذا السلوك يضحك على نفسه ويغشها، ويجلب لها ما لا تُحمد عقباه، فهو بمجرد أن وصل إلى بر الأمان نسي الله ونسي ما دعاه به وهو في وسط الموج، مع أن الله تعالى قادر على أن يوقعه في خطر أشد من خطر السفينة أثناء وجوده على فراشه داخل بيته.

لقد ذم القرآن هذا السلوك وأهله بلهجة الوعيد والتهديد لأن عاقبة نسيان الله والكفر بالنعمة وخيمة للغاية لقوله تعالى(فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ) والله تعالى في هذه الآية لا يبين ذلك من باب العتاب بل إنه يبينه من باب بيان قبح هذا السلوك واستحقاق أهله للعذاب.

 

 الموضوع الخامس: نتيجة السلوك السيء:

وقد ظهرت لنا هذه النتيجة من خلال ما مر ذكره وهي العذاب لكل من يُعرب عن الله، ولا يتصل معه.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى