عَوْدة الرجَال إلى القَبِيْلَة
عاد الرجال السبعة إلى قبيلتهم سالمين ومعهم رفاق حامد مكبّلون بالحبال، وقد استقبلهم أهل القبيلة فرحين بهذا الإنتصار المعنوي لقبيلتهم التي طالما بقيَت سمعتها ناصعة البياض بين باقي القبائل.
وكان من بين الحاضرين والدة حامد المسكينة، فسألت الرجال عن ولدها فادعوا بأنه خاف منهم وهرب، وأنه لن يعود إلى القبيلة مجدداً خوفاً من العقاب، ففوضت أمرها إلى الله وذهبت إلى دارها حزينةً كئيبة لمصير ولدها المجهول بالنسبة لها.
أما رفاقه، وبعد التحقيق معهم في كل ما حدث لأهل القبيلة من شرور فقد اعترفوا بأنّ حامداً هو الذي قام بها، وقد أعلنوا أمام الجميع براءتهم من حامد، ولهذا خيّرهم الزعيم بين البقاء في القبيلة والتعايش مع أهلهم بكل أدب واستقامة على أن يكون عقابهم شديداً إن أخلفوا الوعد، أو الرحيل عن القبيلة دون رجعة فاختاروا الخيار الأول وتعهّدوا بعدم الخطأ، ورجعت القبيلة إلى سابق عهدها، واهتم كل فرد منها بعمله.
الشبَابُ يُتَابِعُونَ رِحْلَتَهُمْ
نتركُ القبيلةَ وشأنَها، ونعودُ إلى شبابِنا الأربعةِ الذين تعلّموا الكثيرَ من دروسِ الحياة في الأيام القليلة منذ خروجهم من ديارهم، ولم يكن ما تَعلّموه سوى ذرَّةٍ من مَجَرة.
كان من المفترض أن يقطعوا نصف مسافة رحلتهم في تلك المدة، ولكن ما حصل معهم كان سبباً في تأخّرهم إلى هذا الحد، ويمكن القول بأنهم ما زالوا في بداية رحلتهم.
كان من المفترض أن يصلوا إلى المدينة التي أرشدهم إليها الرحّالة خلال شهر، وقد أصبح الوصول إليها خلال تلك المدة أمراً مستحيلاً حيث ضاع منهم أكثر من عشرة أيام، ومهما حصل فهم مصرون على متابعة الطريق لهدفين أساسيين(الإكتشاف والتجارة) خصوصاً بعد أن حصلوا على رأس مالٍ وفير.
باتوا ليلتهم تلك في مكان الكمين الذي نصبوه، وكانت ليلة هادئة بعد أن تخلّصوا من كيد حامد ورفاقه، وعند طلوع الفجر جمعوا أغراضهم وحزموا أمتعتهم على ظهور النياق التي نقص منها واحدة بسم الأفعى، فأبدلهم زعيم القبيلة خيراً منها، فأصبح لكل واحد منهم ناقته الخاصة.
وقبل عودة الرجال السبعة إلى ديارهم زوّدوا الشباب بالمزيد من الطعام والماء ما يكفيهم لعشرة أيام.
وانطلقوا مسرعين ليعوّضوا ما خسروه من وقت، وبعد مسير نصف يوم وصلوا إلى مكان متشعّب الطرق لم يعرفوا فيه وجهتهم، فطلبوا من أحدهم إحضار الخريطة ليهتدوا إلى الطريق الصحيح.
فتشوا أغراضهم جيداً فلم يجدوا للخريطة أي أثر، وهناك شعروا بخوف وإحباط، فإن فُقدت الخريطة فلن يُدركوا هدفهم إلا بشق الأنفس إن أدركوه أساساً.
فتشاوروا فيما بينهم فأيقنوا بأنّ الخريطة فُقدت في مكان الكمين، ولم يكن لهم سوى خيار العودة إلى ذلك المكان، وهو أهون الشّرَّين، فأن يخسروا يوماً إضافياً من وقت الرحلة خيرٌ من أن يخسروا الرحلة كلها، فعادوا أدراجهم نحو مكان الكمين وقد وصلوا إليه ليلاً.
البَحْثُ عن الخَريْطَة
وصلوا إلى مكان الكمين وكان الظلام مسيطراً حيث استغرق طريق العودة ساعات طويلة، وقد استبدّ بهم التعب، وفور وصولهم أشعلوا ناراً وفتشوا كل ناحية فلم يجدوا شيئاً، وراحوا يرفعون التراب عن الموضع كيلا تكون الخريطة تحته، وقد استمر البحث عنها ساعتين وأكثر، وعندما لم يعثروا عليها سيطر عليهم اليأس، فجلسوا في المكان ولم ينبث أحدهم ببنت شفه، فمن دون الخريطة يصعب عليهم إكمال الرحلة إلا أن يحصلوا على غيرها، وهو أمرٌ شبه مستحيل، حيث لا يملك الخرائط إلا الرحالة، وهم قلة، وربما لا يلتقون بأي رحّالة قبل أشهر، وفجأة تذكّر الشاب الذي كان في الخيمة وقت الكمين بأنَّ حامداً أخذ شيئاً ووضعه في جيبه، فأيقنوا حينها بأنه هو مَن أخذ الخريطة ليمنعهم من متابعة رحلتهم، وكان فعلُه ضرْباً من ضروب الإيذاء، ولكن.. ما السبيل لمعرفة الحقيقة؟
وبعد ساعة من التفكير الممزوج باليأس والإحباط أشار مجيد عليهم بنبش القبر والحصول على الخريطة، فهو الوسيلة الوحيد لمتابعة الرحلة، فرفض ماجد الفكرة كيلا تذهب حرمة القبور، فقال له مجيد: لا يوجد أمامنا خيار آخر، فإما أن ننبش القبر أو نعود أدراجنا، ثم إنه عن أية حرمة تتحدث يا ماجد، أليس هو الذي فعل بنا ذلك، هيا بنا فلننبش القبر قبل أن يطلع النهار ويرانا أحد، فقال ماجد: وماذا لو نبشنا القبر ولم نجد الخريطة؟ فقال مجيد: لن نخسر شيئاً، هيا بنا لنفعل ذلك قبل طلوع الشمس.
نبشوا القبر، ونزل أمجد فيه، وفتش جثة حامد فوجد الخريطة في جيبه، فأخذها ثم أهالوا التراب عليه وتركوا المكان على وجه السرعة، وباتوا ليلتهم على مقربة من مكان القبر حيث لم يستطيعوا السير أكثر بسبب الظلام الحالك.
وعند طلوع الشمس جهزوا أنفسهم مجدداً وانطلقوا حسب الخريطة في الطريق الصحيح.
اللقَاءُ بِلِص مُحتَرِف
انتهت مشكلة الخريطة بعد أن وجدوها في جيب حامد الذي دفنوه منذ ساعات، وباتوا ليلتهم في مكان قريب من قبره رغم خوفهم من البقاء هناك، ولكن للضرورة أحكامها، وبمجرد أن بزغ نور الفجر وقبل طلوع الشمس ابتعدوا عن ذلك المكان وانطلقوا لمتابعة رحلتهم بعد أن خسروا الكثير من الوقت بسبب الأحداث التي توالت عليهم والتي كان منها الجيّد ومنها دون ذلك، ثم ساروا أياماً عديدة كانت مكلّلة بالهدوء وراحة البال حيث لم يواجهوا فيها أية مشكلة، ولم يأخذوا المطلوب من قسط الراحة كسباً للوقت الذي كان ثميناً بالنسبة لهم، وكان طعامهم وفيراً وماؤهم كثيراً، ونياقهم سالمة، ومالهم يكفي لعقد صفقة تجارية ترفع من شأنهم وتجعلهم تجاراً ناجحين إن عادوا إلى الديار سالمين، وقد قطعوا نصف مسافة كامل رحلتهم، وقد مضى على خروجهم من ديارهم ما يزيد على الشهر، ولطيب سجيتهم ظنوا بأنّ الأمور ستبقى هادئة، وأيقنوا بأنهم سيصلون إلى هدفهم خلال خمسة عشر يوماً إذا جدّوا السير، وراحوا يخططون لنوع التجارة التي سيخوضونها وحجم البضائع التي سيحملونها معهم، وكمية الربح الذي سيجنونه إن جلبوا البضائع المطلوبة، وإذا كان الذهاب من دون بضائع أمراً خطيراً فإنّ الإياب مع المال أخطر، وهذا ما كانوا عنه غافلين، حيث لم يفكّروا في خطورة المواقف التي ستواجههم في ظل وجود قُطاع الطرق الذين يتربّصون الشر بالقوافل.
كانوا يسيرون وهم ينظرون إلى الأمام فقط، وهذا خطأ يرتكبه كثير من المسافرين الذين يُشعرون أنفسهم بالإطمئنان، فالحذر ليس من اللصوص فقط، بل من أي خطر يمكن أن يداهمهم من إنسان أو حيوان أو أحد العوامل الطبيعية، أما شبابنا فقد كان وراءهم مَن يتعقّبهم ويخطط للإنقضاض عليهم دون أن يشعروا بشيء، وهو رجل من البدو كان يراقب قافلتهم منذ ساعات من غير أن يلحظوه، وإليكم خطة البدوي وكيف استطاع أن يخدعهم مستغلاً طيبتهم وكونهم حديثي عهد بالسفر، وقد أدرك البدوي ذلك من خلال مراقبته لهم، فهو يميّز بين المسافر الجديد والمسافر القديم.
فشبابنا الطيبون تابعوا السير على بركة الله وهم حذرون من قطّاع الطريق بعد أن كادت حياتهم تنتهي من خدعة الرجل الذي دلّهم على البئر المزعومة، ولهذا كانوا في هذه المرةَ مستعدين لمواجهة أي خطر يعترضهم رغم استهتارهم بالنظر إلى الخلف لظنهم بأن الخطر موجود في المقدمة كما توهّموا وليس في الخلف، فغافلهم البدوي وسبقهم إلى الأمام ليبدأ خطته الحقيرة.
وبعد مسيرٍ طويل قطعوا به بضع فراسخ، وفي مكان على جانب الطريق رأوا رجلاً من البدو ملقى على ظهره فظنوا بأنه ميت، فدنوا منه ببطئ، فسمعوه يئن، فأجلسوه وسقوه القليل من الماء، ونفضوا الغبار عنه، وراحوا يتحدثون إليه ويحدثهم ويشكرهم على حُسن صنيعهم معه، وقد دعاهم إلى زيارة قبيلته القريبة من مكانه(وكان يريد من خلال دعوته أن يستدرجهم إلى قبيلته التي تعتاش بالسرقة والسطو على القوافل) فاعتذروا منه لضيق الوقت، وقد شغلهم ظاهرُ الرجل من جهة وطيبتهم من جهة ثانية عن مَخبره الخبيث، حيث اطمأنوا له ووثقوا به دون تريُّث، وهذا أحد مخاطر الصحراء، لأنّ ما كان ينتظرهم منه لم يكن بحسبانهم، ولم يخطر للحظة في وجدانهم، بل لم يفكروا فيه إطلاقاً، فلم يكن الرجل ظمآناً ولا جائعاً ولا مغمى عليه وما كان مضيافاً على الإطلاق، بل كان لصاً مخادعاً بطريقة تختلف عن طرق قُطاع الطرق المعهودة.
أَمْجَد يُطْعَنُ بخنْجَر
عندما عجز البدوي عن استدراجهم إلى قبيلته حيث أعوانه ينتظرونه للنيل من الصيد الثمين يئس من خداعهم فعَمَد إلى طريقة شيطانية علّه يلقي الرعب في قلوبهم فيهربوا ويستولي على ممتلكاتهم بسهولة، وخصوصاً بعد أن نظر إلى نياقهم اليافعة وطعامهم الطيب، وأكياس القِطع الذهبية اللامعة، فأخذه الطمع، واستماله الجشع، وكان قد نظر بإمعان إلى أحمالهم فلم يلحظ وجود سلاح معهم فاستخف بهم وظنّ بأنّ حيلته ستنطلي عليهم، فنهض عن الأرض كما ينهض العجائز، فساعده أمجد على النهوض، ولما استقام واقفاً قال لأمجد: هلّا أذنتَ لي يا بنيَّ بمحادثتك على انفراد فأنا أخجل من الكلام أمامكم وأنتم أربعة، فلا أريد لماء وجهي أن يذهب، فظنّ الشباب بأنه يريد طعاماً وهو بالفعل يخجل من طلبه أمامهم مجتمعين فقالوا له: لا بأس عليك يا عم، انفرد بمن شئت.
فاصطحب أمجد إلى مكان مُحايد خلف صخرة، والشباب يحدِّثون أنفسهم فيما يريده الرجل، والسرور يملأ قلوبهم على الإحسان الذي قدّموه للبدوي، وبينما هم كذلك يتبادلون أطراف الحديث وإذ بهم يسمعون صوت صديقهم أمجد يصرخ بشدة ويطلب منهم المساعدة والنجدة، فركضوا نحوه مذعورين، فوجدوا الرجل واقفاً وبيده خنجر حاد يهددهم به ويطلب منهم الرحيل وترك كل شيء في مكانه، هذا والدماء تسيل بقوة من خاصرة أمجد الذي سقط على الأرض من شدة الألم بعد أن طعنه الخبيث بخنجره وأحدث جرحاً عميقاً في خاصرته، فعندما رأوا ذلك المنظر المزعج أدركوا أنه شيطان بصورة إنسان وأنه كان يخدعهم منذ البداية، فهو لا يستحق الحياة خصوصاً بعد المعروف الذي صنعوه معه، ولهذا فقدوا صوابهم، وكانت سيوفهم مخبأة في الأمتعة، ولم يكن هناك أي مجال لإحضارها خوفاً من أن يرتكب الرجل حماقة فيودي بحياة أحدهم بعد أن حذّرهم من ارتكاب أية حماقة وكان يضع خنجره على عنق أمجد المجروح، فلم يكن أمامهم سوى الوقوف كما طلب الرجل، فأمرهم بالذهاب إلى النياق وإحضار حبل طويل حيث كان ينوي تقييدهم، وبمجرد أن أداروا ظهورهم نحو النياق سمعوا صوت البدوي وهو يصرخ ويقول: لقد قتلتني، فنظروا إلى الخلف وإذ بصاحبهم أمجد الجريح قد تشجع والتقط حجراً كبيراً وضرب به رأس البدوي الذي وقع على الأرض وأخذ ينزف بشدة فحملوا عليه حملة رجل واحد وقضوا عليه، وحملوا صديقهم الجريح، وركبوا النياق، وساروا بأقصى سرعتهم كيلا يلحق بهم أهل قبيلة المقتول فيأخذونهم بدمه.
كان ينوي سرقتهم بعد قتلهم بتلك الخدعة الوضيعة التي قتلت روح الثقة في الصحراء، وكان على اتفاق مع بعض رجال قبيلتهم الذين كانوا يجلسون في مكان قريب ينتظرون الإشارة منه، ولكن إجهاز الشباب عليه وانطلاقهم السريع حال دون حلول الكارثة.
ابتعدوا عن القتيل قليلاً ووقعوا بين خَيارين أحلاهما مرٌّ، فإما أن يقفوا ويوقفوا نزف الدم من خاصرة صديقهم وهم ما زالوا في منطقة الخطر، أو أنهم يتابعون الطريق مفوِّضين أمرهم إلى الله تعالى، فاختاروا أهون الشرَّين، وتابعوا المسير حتى وصلوا إلى منطقة صخرية قد شكّل الصخر فيها شبه كهوف، فاختاروا آمن موضع هناك وأنزلوا صديقهم الجريح وبدأوا بمداواته بما وفّرته لهم بعض نباتات الصحراء.
أَمْجَد يَتَماثَلُ للشفَاء
كان بينه وبين الموت دقائق معدودة لولا وجود كهفٍ في المنطقة أووا إليه، ولولا مسارعة أصدقائه في تضميد جرحه، فقد نسوا في ذلك اليوم كل شيء إلا صديقهم الجريح الذي كان بمثابة أخٍ لهم وأكثر.
لقد طلب منهم غير مرة أن يتركوه ويتابعوا رحلتهم مستسلماً لمصيره، ولم يُرد أن يكون عائقاً لهم عن تحقيق طموحاتهم، وقد قال ذلك بدافع المحبة التي لم تعُد توجد في زماننا الحالي فآثروا حياته على كل شيء، وأصروا على فعل المستحيل من أجل الحفاظ على حياته التي كانت في نظرهم أفضل من أية تجارة وأعظم من كل رحلة.
وكان كلام ماجد واضحاً: أتينا سوياً وسنعود كما أتينا: إياك يا أمجد أن تتفوه بكلمة أخرى.
وفي تلك الأثناء كان الجرح يلتهب والحرارة ترتفع، وقد صرفوا نصف مائهم على التخفيض من حرارة جسمه، وكان مستعدين بالتضحية في كل الماء من أجله.
وقبل مغيب شمس ذلك اليوم خرج ماجد ومجيد للبحث عن أية نبتة تصلح للعلاج، وبقي مجدٌ يراقب حرارة أمجد ويضع له الماء على كافة أنحاء جسمه، وبسبب تلك الحرارة دخل أمجد في غيبوبة مؤقتة، فظنّ مجد بأنه فارق الحياة، فخرج مسرعاً خلف رفيقيه ليبلغهم بالخبر السيء، فرجع الثلاثة مسرعين إلى الكهف وهم يبكون على المصيبة، وكانوا قد أحضروا معهم بعض النباتات، وقد رماها مجيد على مدخل الكهف.
جلسوا حوله يبكونه ويندبونه وهم لا يعرفون ماذا يفعلون وماذا سيقولون لوالده عندما يعودون إلى الديار، بل كيف سيكون حال حبيبته ليلى التي تنتظر رجوعه بفارغ الصبر، وبينما هم غارقون في تلك الحالة، وإذ بأمجد يفتح عينيه ثم يغمضهما فراحوا يحركونه ويوقظونه، فأدنى ماجد أذنه إلى جهة قلبه فوجده يدق، فأدركوا حينها أنه حي ولا بد أن يستيقظ، ثم طحنوا تلك النباتات التي جمعوها وخلطوها بقليل من الماء ووضعوها في فمه نقطة نقطة.
ففي الليلة الأولى سهر عليه ماجد، وفي الثانية مجيد، وفي الثالثة مجد، وكانت حرارة جسمه تنخفض شيئاً فشيئاً، ولكنه ما زال غائباً عن الوعي.
وفي الليلة الرابعة قرر الثلاثة أن يسهروا عليه ليأنسوا ببعضهم في تلك البقعة الموحشة والكهف المُظلم، وكانوا في الليالي الثلاث السابقة لم يأخذوا سوى قسط صغير من الراحة، فأشعلوا ناراً وتناولوا طعامهم وتحدثوا بما يُخرجهم من مللهم القاتل المشحون بالأسى على صديق عمرهم أمجد الذي لاي يعرفون إن كان سيصحو من غيبوبته أم لا فقد كان الخوف ملازماً لهم طيلة تلك الأيام الثلاثة، ثم غلبهم النعاس فغرق الجميع في سبات عميق بحيث لم يستيقظوا يومها في الوقت الذي اعتادوا عليه، بل ناموا لساعات إضافية.
وفي صباح اليوم الرابع استيقظ جريحنا عند طلوع الفجر فوجد رفاقه الثلاثة غارقين في النوم فلم يرغب بإزعاجهم حيث أدرك أنهم بحاجة للنوم وأنهم كانوا قلقين عليه، وقد كان جائعاً وظمآناً حيث لم يدخل إلى جوفه شيء منذ أن طعنه البدوي، فقام وأكل الطعام الذي وجده أمامه، وشرب ما يروي من الماء ظمأه، ثم خرج من الكهف وجلس على صخرة في الخارج حيث النسيم العليل يدغدغ الرمال الصفراء.
استيقظ أصدقاؤه فلم يجدوه، فأخذهم القلق عليه، فخرجوا للبحث عنه، فوجدوه يجلس على الصخرة في أحسن حال، فشكروا الله على نعمة شفائه، وأمضوا ذلك اليوم في مكانهم حتى تتحسّن صحته أكثر ليستأنفوا الرحلة في اليوم التالي.
مُتَابَعَةُ الرحْلَة وَوَاحَةُ المَاء
باتوا بُعَيد الغروب بقليل ليكسبوا المزيد من الراحة قبل متابعة السفر، وغرقوا في سُبات هادئ عوّضهم عن سهر الليالي الفائتة، وعند بزوغ فجر اليوم الخامس بدا التحسّن واضحاً على جريحنا أمجد، ولهذا حزم الشباب أمتعتهم، وقرروا أن يكتسبوا من الوقت ما تسمح به الظروف، وانطلقوا قبل اشتداد حرارة الشمس حرصاً على سلامة جُرح أمجد الذي يجب أن يًحصّن نفسه من الحرارة العالية.
تابعوا المشي لخمس ساعات متتالية حتى أصبحت الشمس في كبد السماء، وكان يوماً حاراً حداً، وكانوا يقتصدون بالماء قدر الإمكان بعد أن صرفوا الكثير منه في تخفيض حرارة الجريح، وسبب سير خمس ساعات مع اهتزاز النياق أثّر ذلك على جرحه قليلاً، فشعر أمجد بتعب شديد، فطلب منهم التوقف عند أقرب ظل يحميهم من حرارة الشمس الحارقة، وأثناء بحثهم عن مكان مناسب للراحة لفت انتباههم سرابٌ كبير فظنوا بأنه مجرد سراب سيختفي عما قريب، ولكنهم كانوا كلما اقتربوا منه ازداد لمعانه، فقال لهم ماجد: لا أظنه سراباً، بل ماء حقيقي، أنظروا.. يوجد نخل في المكان، فأيقنوا حينها بأن ما رأوه إنما هو واحة في وسط الصحراء فأسرعوا الخطى حتى أدركوا الماء العذب ونزلوا إلى الواحة فاغتسلوا وشربوا وملأوا قِربهم من جديد، ثم أشار عليهم ماجد بالسير ليلاً فقط رفقاً بأمجد كيلا يلتهب جرحه في تلك الصحراء فوافق الجميع على هذا الإقتراح، وباتوا ليلتهم بالقرب من الواحة.
السقوطُ في المَصْيَدَة
لا يعلم الإنسان ما ينتظره من فرح أو حزن أو ربح أو خسارة أو صحة أو مرض، ولهذا يجب الحذَر دائماً، فإنّ للحذر آثاراً طيبة خصوصاً في الأماكن المجهولة كالتي يجتازها شبابنا الأربعة، فلا عقلَ لِمَن يطمئن لكل شيء.
لقد قرروا أن يسيروا في الليل فقط حفاظاً على سلامة جُرح رفيقهم أمجد الذي رحّب بالفكرة، والذي ما زال جرحه طرياً لم يلتئم بشكل تام، فلقد عانى الكثير بسبب تلك الطعنة الغادرة، وهو غير مستعد للمخاطرة مرة أخرى بعد أن رأى الموت بأُم عينه.
فعندما شارفَتْ الشمس على المغيب أعدوا العُدّة للرحيل وتركوا الواحة متجهين نحو هدفهم الأساس، وقد حمل كل واحد منهم مشعلاً وهم يركبون ظهور النياق لإنارة الطريق وإخافة الحيوانات، واستمروا في السير حتى منتصف الليل، ولم يحدث لهم أي مكروه يؤذيهم، ولم يعترضهم ما يمنعهم من المسير، وكانوا عازمين على السير حتى شروق الشمس، ولكنّ صاحبهم أمجداً أراد أن يقضي حاجته بسبب كثرة الطعام والماء الذي تناوله بعد أن استعاد نشاطه، فتوقفوا ينتظرونه بعد أن اتخذ ناحية قريبة من الطريق، وبعد دقائق معدودة سمعوا أنيناً يأتي من أعماق الأرض فنادوا على رفيقهم فلم يردّ جواباً، فأسرعوا نحو الجهة التي قصدها وبحثوا عنه فلم يجدوا له أثراً فراحوا ينادونه وهو يجيبهم بصوت منخفض ناجم عن شدة الألم وعمق المَصيدة التي وقع فيها، فتتبعوا مصدر فوجدوا أمجداً في حفرة عميقة سقط فيها، وكان عبارة عن فخ لاصطياد الحيوانات فأدركوا حينها أنهم على مقربة من قبيلة، فسارعوا إلى إخراجه من الحفرة وتمنوا أن يكون جرحه بخير، فأخرجوه ولم تتحقق أمنيتهم حيث فُتح جرجه مجدداً وبدأ ينزف بشدة، فوضعوا خرقة على جرحه وضغطوا عليها وأرسولوا مجيداً للبحث عن قبيلة قريبة فغاب عنهم لساعتين ثم عاد مسرعاً وقد وجد ضالّته.
قَبِيْلَةُ الشيْخ سَرْسَع
ما زالوا يضغطون على جرحه حتى يُخففوا من النزف قدر الإمكان وهم في حالة هلع، فرفعوه بحذر على ظهر الناقة، وجلس معه ماجد ليمنعه من السقوط، واتجهوا مسرعين نحو القبيلة التي وجدها مجيد، فوصلوا إليها مع شروق الشمس حيث كان أهلها في المضارب يرعون ماشيتهم، وأول مَن رآهم فتاة حسناء اسمها (سعاد) لأنها كانت أقرب شخص إليهم في تلك البقعة، فقد لاحظت حركة غريبة في الأمر، فركضت نحوهم مذهولةً، وعرضَت عليهم المساعدة، فسألوها عن طبيب فقالت لهم: لا بأس عليكم فأنا ذات خبرة بتضميد الجروح، ووالدي طبيب القبيلة، وسيرجع هذا اليوم، فقد ذهب لمعالجة مريض في قبيلة أخرى، هيا إتبعوني إلى دار والدي بسرعة، إنّ صديقكم ينزف بشدة، وهذا خطر عليه، هيا اتبعوني دون أن تضيعوا الوقت، فرجعت معهم وتركت وراءها أغناماً كانت ترعاها حيث شغلتها إنسانيتها عن أي شأن آخر، وكان فعلها ذاك أول ما لفت انتباه صديقنا ماجد.
وصلوا إلى دار والدها الطبيب وبدأت سعاد بتعقيم جرح أمجد بحسب ما تمتلك من خبرة، ولكنها لم تستطع إيقاف النزف أو الحد منه، فهو بحاجة إلى تقطيب، وهذا عمل لا يجيده غير الطبيب، فاضطروا إلى انتظار عودة الطبيب حيث لم يكن باليد حولٌ ولا قوة غير الصبر، وكانت حالة أمجد تتدهور ساعة بعد ساعة، وكانت حرارته ترتفع شيئاً فشيئاً وهم يحاولون تخفيضها بالكمادات المائية ولكن دون جدوى، وقد خشي الجميع على حياته، ولكن لحُسن حظهم عاد الطبيب سريعاً بعد أن أنهى عمله، فاستقبلته ابنته على باب الدار، وشرحت له الحالة بالتفصيل، فبدأ بمعالجته كما يجب، وقام بلحم جرحه جيداً حتى توقف النزف، ثم سقاه دواءاً يساعد على النوم وتخفيف الآلام ومقاومة الجراثيم وهو عبارة عن عشبة خاصة أتته من بلاد الهند، ثم غرق أمجد في النوم، وما على الشباب سوى انتظار النتيجة.
وبعد ذلك جرى الحوار المعهود بين كل ضيف ومضيف، وقد رحّب بهم الطبيب ودعاهم إلى النزول في داره الواسعة بعد أن يذهب الجميع إلى كبير القبيلة الشيخ سرسع لأخذ بركته وموافقته كما جرت العادة.
ذهبوا إلى داره، فاستقبلهم أحسن استقبال، ورحّب بهم أشد ترحيب، وطلب منهم اعتبار أنفسهم في قبيلتهم خصوصاً بعد أن عرف إلى أية قبيلة ينتمون، وكان الشيخ سرسع قد زار قبيلتهم منذ عدة أعوام ولقي منهم ترحيباً كبيراً، وقد جاء الوقت المناسب لردّ الجميل.
فعندما سمع الشباب كلام الشيخ هدأت نفوسهم وشعروا بنفس الراحة التي شعروا بها في قبيلة الصيّاد، ولكن بالهم كان مشغولاً على صحة أمجد، فطمأنهم الطبيب بأنه سيكون في أفضل حال بعد عدة أيام، ثم أولم الشيخ على شرفهم، فأكلوا وشبعوا ورجعوا إلى دار الطبيب للبقاء على مقربة من أمجد تحسباً لأي طارئ.
الشيخ علي فقيه

