منوعات تاريخية

طاعة الشيطان الرجيم

أَسْرَارُ الخُطْبَة الفَدَكيَة

 

طاعة الشيطان الرجيم

 

وقالت(ع):

(ثمّ أخذتُم تُورونَ وَقْدَتَها ، وتُهَيِّجونَ جَمْرَتَها ، وتَستَجيبونَ لِهِتافِ الشيطانِ الغَوِيّ وإطفاءِ نورِ الدّينِ الجَليّ، وإهمالِ سُنَنِ النَبيّ الصَفِيّ)

ثم رحتم تشعلون نار الفتنة لأنكم أول وأكبر المستفيدين منها، علماً بأن عاقبة الفتنة وخيمة، فهي أكبر وأشد من القتل كما عبّر القرآن الكريم، وبهذا أنتم تستجيبون لنداء الشيطان الغوي الذي يبغي نشر العداوة بينكم وإطفاء نور الدين الحنيف الذي جاء به محمد(ص) من عند ربه رحمة للناس كافة، وكذلك فقد أهملتم سنن النبي كلها، فلم يعد يعني لكم شيئاً على الإطلاق، حيث استحوذ الشيطان على قلوبكم فأنساكم ذكر الله والخشية منه، ثم قالت(ع)

 (تَشْرَبونَ حَسْواً في ارتِغاء وَتَمْشوُن لأهِلهِ وَوُلْدِهِ في الخَمَرَةِ والضَرّاء)

 وهؤلاء لم يكتفوا بترك السنّة فقط وإنما راحوا يخططون للقضاء على وُلد النبي المختار(ص) لأنهم يشكلون العائق الأكبر في وجه الشيطان ومكره وخدعه ووسوساته، فالذي يريد أن يطيع الشيطان يجد بأن وجود آل محمد خطر عليه فيعمل على إبعادهم حتى ولو اقتضى الأمر القتل.

وأما قولها(ع) تشربون حسواً في ارتغاء: أي أنكم تُظهرون أمراً وتريدون غيره، وهؤلاء الذين هجموا على دار الزهراء أظهروا الحفاظ والغيرة على الإسلام وهم في الواقع يريدون قتل الإسلام ونفيه من الوجود، والإرتغاء هو الزبد الذي يطفو على وجه الماء أو اللبن وسرعان ما يتبدد، وأما قولها: وَتَمْشوُن لأهِلهِ وَوُلْدِهِ في الخَمَرَةِ والضَرّاء: أي أنكم تفعلون الشر معهم في السر والعلن والله أعلم.

 

الصبر على الأذى

ثم قالت(ع)

(ونصبر منكم على مِثْلِ حَزِّ المُدى وَوَخْزِ السِنان في الحَشا)

نحن نصبر على الأذى الكبير الذي يشابه حز المدى وهو السكين الحاد الذي يقطع بسهولة، وأما وخز السنان في الحشا فهو إدخال الرمح في الجسد، وقد ظلم المسلمون آل بيت رسول الله بشكل لا يحتمل.

 

إنكارُ الحَق الذي لا يُنكَر

ثم قالت(ع)

(وأنتم الآنَ تَزْعَمون : أن لا إرْثَ لَنا ، أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ تَبْغونَ ؟ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكماً لِقَوْم يوقِنون)

لقد زعم المسلمون بأنه لا إرث للزهراء من أبيها بحجة أن الأنبياء لا يورثون أولادهم درهماً ولا ديناراً وهذا لم ينزل الله به سلطاناً لأنه مخالف لظواهر الكتاب العزيز، وقد ادعى هؤلاء ذلك ليس من باب الحرص على الدين كما يزعمون بل من باب التخريب وهدم ما جاء به محمد فكيف يريدون تطبيق حكم الإرث ولا يطبقون موضوع حفظ النبي في أهل بيته، من هنا يظهر لنا أن نواياهم كانت سيئة وهذا أمر لا يقبل الشك. وقد وصفت الزهراء هذا الزعم بحكم الجاهلية البعيدة عن كل قوانين السماء، وهل يوجد أفضل من حكم الله؟

وبعد مقدمات طويلة ذكرتها فاطمة الزهراء(ع) في خطبتها المباركة وصلت إلى صلب الموضوع الذي شكّل الأساس في المواجهة وهو منعها من حقها في فدك بدعوى أن أبناء وبنات الأنبياء لا يرثون من آبائهم مالاً وهو حكم الجاهلية بل مخالف لظواهر القرآن والسنّة، وهو بمثابة حجة لهم بهدف السيطرة على كل ما تركه رسول الله(ص) وهم يعلمون تماماً بأنهم يظلمون الزهراء وأن هذا الحكم لا يتفق مع شريعة الإسلام ولكنهم بحثوا عن باب يدخلون منه إلى مطامعهم ومخططاتهم وتنفيذ أهدافهم الأجنبية عن المصلحة العامة والمباينة للموازين الشرعية، وقد كان كثير من الناس معتقدين بصحة هذا الحكم الذي لم يسمعوه من رسول الله إلى أن وقفت الزهراء هذا الموقف المشرف في وجه أهل الضلال الذين يبيتون النيات الحاقدة ضد الإسلام والمسلمين فوقفت موقفاً جريئاً رغم أنها كانت مهددة بالقتل، وقد قُتلت بالفعل على أيدي أولئك الظلمة الذين كانوا عوناً للشيطان وعدواً للرحمن باسم طاعة الرحمن والرحمن بريء منهم ومما يشركون ويقولون ويفعلون، فقالت(ع)

(وأنتم الآنَ تَزْعَمون : أن لا إرْثَ لَنا ، أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ تَبْغونَ ؟ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكماً لِقَوْم يوقِنون)

 لقد حاولت رغم الشدة التي كانت عليها والظروف المريرة التي أحاطت بها أن تعظهم وترجعهم إلى ربهم مبينة لهم بأن ما يقولونه ويدعونه إنما هو حكم الجاهلية وأنه لا دليل عليه في القرآن والسنة وإنما الدليل القرآني يخالف ما يدعون، أيها المسلمون، بل أيها الذين تغطوا بالإسلام وتستروا بثوب الإيمان كيف تزعمون أنه لا إرث لنا مع أن الله تعالى هو الذي فرض الإرث وهل يوجد أعظم وأحسن من حكم الله؟ في الحقيقة لا يوجد أحسن من حكم الله ولكن القوم استحبوا حكم الجاهلية وقدموه على حكم الإله لأن حكم الجاهلية ينسجم مع أهوائهم ويتفق مع أهدافهم.

 

 

أدلة قاطعة تُدِين القوم

 

ثم بدأت تلقي بالبيانات وتعطي الأدلة على كذبهم وتكشف للملأ نواياهم الخبيثة التي كانت مبيتة من عهد رسول الله(ص) فقالت:

 (أفلا تعلمون ؟ ! بلى قَد تَجلّى لكم كالشمسِ الضاحِيَةِ : أنـّي ابنَتُهُ ، أيُّها المسلمون أاُغْلَبُ على إرْثي؟)

وقبل أن تبدأ بإعطاء الأدلة ذكّرتهم بأنها إبنة رسول الله لتثبت حقها في الإرث الذي سنته الشريعة السمحاء، أنتم تعرفون أني ابنة رسول الله وهذا أمر واضح كوضوح الشمس في وسط السماء، ثم ألقت الحجة على المسلمين: أيها المسلمون أاغلب على إرثي، أي أأُحرم من هذا الحق الثابت وأنتم تنظرون من دون أن تأتوا بأية حركة تدافعون بها عن الإسلام الذي يريد القوم تدميره، الأمر لم يكن هادفاً إلى حرمان الزهراء، وهي لم تدافع عن حقها الشخص بل الأمر كان مستهدفاً دين الإسلام وهي وقفت من أجل الدفاع عن الإسلام لأنها لو سكتت عن حقها فسوف يعتقد الناس بأن القوم على حق، ففي هذه المرة يخربون أحكام الإرث وفي المرة الثانية أحكام الجهاد ثم أحكام الصلاة ثم الصوم إلى أن يفنى الإسلام وتدمر أركانه فلا يبقى له أثر في الوجود، فبعد أن توجت بالكلام للمسلمين عامة وألقت عليهم الحجة البالغة توجهت إلى قائد القوم والمعني الأول في تلك الحادثة وهو أبو بكر حيث قالت له:

(يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي؟)

 هل يوجد في القرآن الكريم أو في غيره من كتب السماء حكم يقضي بأن ترث أباك وأحرم أنا من إرث أبي، طبعاً ارتبك وتلعثم ولم يجد جواباً يرد به على سيدة نساء العالمين التي لا تنطق إلا بالعلم والحق والحكمة والوعي والفهم لأنها منزهة عن الخطأ، ثم وجهت له كلمة أنا أعتبرها صاعقة قاتلة حيث قالت له:

(لقد جئت شيئاً فريا)

 لقد قمت بأمر فظيع ضد الإسلام وارتكبت جريمة في حق ابنة رسول الله كيف ستواجه الله ورسوله في يوم الحساب وبأي سلاح سوف تدافع بع عن نفسك.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى