
مُعَانَاةُ كَاتِب
عندما تخطُر لي فكرة نافعة أشعر بفرح كبير، وخصوصاً عندما يُشجعني البعض على الكتابة.
وعندما أؤلّف كتاباً أشعر وكأنّ ثِقلاً على ظهري أسقطتُه فأشعرُ براحة لا مثيل لها لأنني أقوم بواجبي الإنساني والمهني الذي لا يُقدّره سوى القلة من البشر.
وعندما أرسل الكتاب إلى المطبعة وأنظر إلى الماكينات وهي تُهندس أوراق كتابي أشعر بالفَخر والإعتزاز وأنّ الناس سيتلقّفونه تلقُّفاً.
ولكنني عندما أَعرِض كتابي للبيع أشعر بالمَهانة والمَذلّة حيث يعاملني البعض كما يعاملون المتسوّل العابر، وكنتُ أرجوهم ليأخذوا الكتاب بالمجّان شرط أن يقرأوه فكانت ذريعتهم: لا وقت لدينا:
إنّ الكاتب طبيبٌ يُعالج الأرواح والنفوس ويستأصل الجهل من العقول كما يستأصلُ الجرّاحون الأورام الخطيرة.
ورغم عشقي للعِلم والمعرفة وحُبّي للكتابة والتأليف الذي أعتبره جزءاً من وجودي، ونيّتي الخالصة لنفع المجتمع في دنياهم وآخرتهم مع عدم اهتمامي بالرّبح المادي واستغلال القُرّاء، ورغم أني قضيتُ عقوداً من الزمن وأنا أفكّر في الليل والنهار وأكتبُ في النور والظلام حتى أنير العقول وأُضيء النفوس بعد أن جعلتُ من أناملي شموعاً تذوب من أجل الناس، وبعد إهمال الناس للكتاب ونفورهم من الكاتب، وابتعادهم عما ينفعهم، وتوجّههم إلى ما يضرّهم من أدوات اللهو الحديث، فقد كسرتُ قلمي وأحرقتُ ريشتي وألقيت المداد في المرحاض، وأصبحتُ حليس داري على أمل أن يأتي زمان يسترجع فيه الكتاب مجده والكاتب شأنَه، وأظنني سألقى حتفي قبل أن أُبصر هذا الزمن، وإنني لم أظلم أحداً بالتأليف، وإنما ظلمني الكثيرون بالتخلي عن المطالعة.
الشيخ علي فقيه



