شرْحُ دُعاء السحر(2)
التأديب الإلهي
(إلهي لا تُؤدِّبْني بعقوبتك)
هي الفقرة الأولى من دعاء الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، والمعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، وهي تتعرّض إلى ذِكْر التأديب الذي يمكن أن يتم باللين أو بشيء من العقوبة.
فأمامنا هنا مفهومان واسعان(التأديب والعقوبة) ولا بدّ من ذِكر الرابط بينهما خصوصاً في هذه الفقرة الكريمة من الدعاء العظيم.
لقد توجّه الإمام(ع) إلى ربه سبحانه وتعالى أن لا يأدبه بالعقاب لأنّ عقاب الله شديد وقد وصف تعالى نفسه بشديد العقاب بعد وصفه لنفسه بواسع الرحمة.
لقد أدّب الله أقواماً في الماضي بعقوبات شديدة، والنماذج في القرآن كثيرة نكتفي بذكر مورد واحد منها، وهي قوله سبحانه في سورة العنكبوت(فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
لقد أدبهم الله بالعذاب بعد إنكارهم للمعجزات والتعاليم الإلهية مرات لا تُحصى حتى يئس الأنبياء من هدايتهم ولم يبق سوى إنزال العذاب عليهم ليكونوا عبرة لغيرهم وذلك بعد أن أدبهم الله بالرفق واللين والمنطق على ألسنة أنبيائه(ع) وهو ديدن رب العالمين الذي هو سريع الرحمة وليس سريع العقاب، ولذا فإنّ الإمام(ع) يسأل ربّه التأديب بغير عقاب لأنّ عفابه شديد وغضبه لا يُحتمَل، ولكن إذا أدّب الله شخصاً أو مجموعة بالعقاب فقد حصل ذلك بسببهم لأنه سبحانه لا يظلم عباده مقدار ذرة بل هم أنفسهم يظلمون، وإذا كان التأديب بالعقوبة سريعاً فثقوا بأنّ ذلك من أجل مصلحة المعاقَب إذ ليس عند الله سبحانه إلا الخير.
فقد ينغمس المرء في المعاصي والشهوات والتفاهات وينسى الهدف من وجوده على الأرض ويتناسى تعاليم ربه التي جاءت من أجله، وهو في سُباتٍ عميق رغم رؤيته للمواعظ واستماعه لها ولكنه لم يُعِرْها جمجمتَه ولم يبالي بمضامينها فيأتيه بلاء من ربه يُنبّهه إلى خطورة ما ارتكبه من أخطاء، ويكون هذا البلاء بمثابة تأديب له بالعقوبة فيستيقظ من سباته وينوب إلى ربه بعد تلك الغفلة، وربما يؤدبه الله مراراً بعقوبات شتى ويبقى الشيطان مُطبقاً على قلبه فلا ينتبه من غفلته إلا بعد فوات الأوان، ويكون مصداقاً للحديث الشريف: الناس نيامٌ إذا ما ماتوا انتبهوا:
وقد تكون العقوبة نعمةً من الله تعالى يحسبها الناس نقمة، فإذا أثمرت العقوبة خيراً فهي من نِعم الله على الإنسان يجب شكرها بالقول والعمل، واما إذا زادته عتوّاً وفساداً فقد استجلب هو النقمة لنفسه ولا عذرَ له في يوم الحساب على ما فرّط في جنب الله.
ولذا نسأل الله سبحانه أن لا يؤدبنا بعقوبته وأن يُنير بصائرنا للسير في طريق الهداية الذي ينتهي بالنعيم المُقيم.
الشيخ علي فقيه

