شَرِيْعَةُ الغَابِ والقبيلةُ المُسالمة
انتشرت شريعة الغاب في المجتمع البشري بسرعة البرق، ووصلَتْ إلى كل بلدٍ ومدينةٍ، ودخلتْ إلى كل قريةٍ وقبيلةٍ واستقرّتْ في كل زُقاق، حتى أنها طالت قِمم الجبال وصخورها، وبطون الأودية ومياهها، وكثبان الصحراء ورمالها، باستثناء بعض الأماكن البعيدة النائية والتي كان منها قبيلة قصتنا.
ومن الطبيعي أن تجد هذه الشريعة في البلاد الواسعة والمدن الكبيرة، فكلما زاد عدد البشر ازداد معهم الشر، أما أن تصل هذه الشريعة إلى عمق الصحراء وتُخرّب حياة سكانها وأخلاق أهلها، فهو المستهجَن في الأمر.
وقد لَقِيَت هذه الشريعة السيئة قَبولاً واسعاً من قِبل بني البشر، وهي الشريعة التي استقطبت أكبر عدد منهم في أقصر وقت ممكن رغم أنها من صُنع يد الإنسان، ولأنَّ أهواء الناس ميّالة إلى الشر في الأغلب فقد أصبحت هذه الشريعة القبيحة هي الديانة الفعلية للكثيرين ممن ينتمون بالظاهر إلى الأديان السماوية وغير السماوية، وسوف أنقل لكم بعضاً من نماذج الذين انتهجوا هذه الشريعة في رحلتنا الصحراوية هذه لندرك معاً مدى الخطورة التي تحيط بمجتمعنا البشري حالياً، ولنتعلم من تجارب الماضين الذين دفعوا الثمن غالياً.
القَبيْلَةُ المُسالِمَة
يُحكى أنه كان مجموعة من الناس الفطريين بطبعهم والمسالمين بسلوكهم يسكنون في قبيلة عربية بدائية موقعُها قلبُ الصحراء الواسعة والتي لم يكن الكثيرون يعرفون عنها شيئاً بسبب انحرافها عن طريق القوافل وعدم اختلاط أهلها بالآخرين، فقد أسسوها بجهدهم وإصرارهم وكدّ أيديهم، وقد عاشوا في قبيلتهم بالفطرة التي خُلقوا عليها والتي لم تدنّسها قذارات الحضارات، ولم تتلطخ نفوسهم البيضاء بنجاسة التمدّن وشيطنة الكثيرين من الناس الذين انسلخوا عن فطرتهم وتبرأوا من سجاياهم وباعوا أخلاقهم، فلقد فتح أهل تلك القبيلة عيونهم على رمالٍ ذهبية تعكس لهم لون الشمس الذهبية، وخِيَم منصوبة على تِبْر الطبيعة مصنوعة من القش والجلود، وهي في نظرهم قصور فارهة، وإبلٍ ونِعاج وماعز ودجاج وعصافير كانت بالنسبة لهم كل حياتهم ومصدر عيشهم وسبب صمودهم، فكانوا يخرجون بها صباحاً للرعي والشرب، ويعودون في المساء وقد بدا التعب عليهم، فيأكلون من تلك الخيرات الأصلية التي نسجتها أيديهم الطاهرة، ويسهرون قليلاً يتسامرون أطراف الحديث، ويستعيدون ما حدث معهم في ذلك اليوم، ثم ينامون في وقت مُبكر بحيث لو مررت في المساء بقبيلتهم لظننتَ بأنها خاوية على عروشها بسبب الهدوء الذي يسيطر على ذلك المكان الرائع والهادئ، فلم يكن عندهم حرس يسهرون على أمنهم لأنّ أمنهم مُكتسَب من ذواتهم، ثم يكون اليوم الثاني كاليوم الأول لا يختلف عنه إلا بالتوقيت الزمني، وهكذا بقي الحال لسنين طويلة تغمرها المحبة وتكللها السعادة.
لقد كان كبيرهم حكيماً، وصغيرهم بريئاً، ونساؤهم محتشمة، وكان أهلها بحكم العائلة الواحدة، فكانوا يتعاونون فيما بينهم لتوسيع قبيلتهم ونصب خيامهم وتزويج الشباب والفتيات دون أن يحمل أحدهم أعباء الحياة.
لقد استمروا على سجيتهم الطاهرة مدة طويلة حتى زارهم واحد من شياطين الإنس فقلب حياتهم رأساً على عقِب.
رَحالَةٌ غَربِي يَزوْرُ القَبيْلَة
ذات يوم كان أهل تلك القبيلة منتشرين لرعي الإبل والمواشي كعادتهم كل يوم، فرأى أحدهم رجلاً غريباً يجلس بالقرب من بئر مائهم وقد بدا عليه تعب السفر، وكان لون شعره أشقراً وبشرته بيضاء، فتقدّم نحوه مُرحّباً، وسأله إن كان يريد شيئاً، وعرض عليه خدماته كما تعلّم من كبار قبيلته، فطلب منه كوب حليب فأسرع الرجل وأتاه بكوب حلب طازج فشرب حتى ارتوى، وكانت لهجته العربية غريبة، فأدرك الرجل حينها بأنّ هذا الغريب ليس من العرب، وبينما هو واقفٌ يأمّل في حركات الغريب وإذا به يسأل: من أية قبيلة أنتَ؟ فأخبره الرجل عن قبيلته التي لا تبعد كثيراً عن البئر، فعلم الغريب بأنه اقترب من هدفه المنشود، وهنا لم يكن أمام الرجل سوى أن يدعو الغريب إلى القبيلة للقيام بواجب ضيافته، فوافق الغريب على الفور مما زاد في دهشة رجل القبيلة حيث ليس من عادة الضيوف أن يوافقوا بهذه السرعة، ولكن لم يكن أمامه سوى السكوت والقيام بالواجب، وإن كان ثمة أمر لا بدّ أن يظهر عاجلاً أم آجلاً، فحمل الرجل أمتعة ضيفه واصطحبه إلى دار الكبير كما ينص قانون القبيلة.
وقبل الوصول إليها أرسل شاباً ليخبر كبير القبيلة بقدوم ضيف غريب حتى يستعد للقيام بالواجب كيلا يدخلوا القبيلة على حين غَرَّة فيصاب الكبير حينها بشيء من الحرج أو الإرتباك.
وكان من عاداتهم الجميلة أنهم يخرجون إلى مشارف قبيلتهم لاستقبال الضيوف تكريماً لحلولهم بينهم.
الشيخ علي فقيه

