كَبيْرُ القَبيْلَةِ يَتنبهُ للمؤامَرَة
دخل كبير القبيلة إلى خيمة الضيف ليخبره باجتماع الناس في الخارج وأنهم مستعدون لاستماع ما سيقوله لهم، فوجده جالساً بلباس النوم يكتب على ورقة كانت في يده، وعندما رأى الضيف كبير القبيلة داخل خيمته ارتبك وخبأ الورقة في صندوقه، وبسبب رفعة أخلاق الكبير لم يسأله عما يحدث بل اكتفى بإخباره استعداد الناس لسماع كلامه وأنهم مجتمعون في الخارج ينتظرون خروجه إليهم، ولكن الكبير أدرك حينها خبث ضيفه المشؤوم، وأنه يخطط لفعل شيء مُنكَر، ولكن الكبير عاجز عن التصريح بما يدور في ذهنه احتراماً لمقام الضيف حسب عاداتهم وأعرافهم، فسكت ودعاه إلى الخروج، فهمّ الضيف بالخروج فأوقفه الكبير وطلب منه تغيير ملابسه مبيناً له أن ذلك يخالف أعرافهم، فتغيّر لون الضيف وقال للكبير: عذراً لم أنتبه لملابسي، دقيقة واحدة وأصبح مستعداً.
أما أهل القبيلة فكانوا بمستوى احترام المواعيد فحضروا في الوقت المحدد احتراماً للضيف أولاً وطمعاً بالإستفادة من تجاربه التي اكتسبها في الأسفار المتعددة ثانياً، ولكنهم كانوا واهمين، وأما الرحالة فإما أنه نسي الموعد أو تناساه، وفي كلتا الحالتين لا عذر له.
وقبل أن يبدأ الضيف بالكلام تقدّم إليه شاب باسم القبيلة وقدّم له هديةً نفيسة، وهي عبارة عن تمثال ذهبي كبير كان يظنُّه أهل القبيلة مجرد تمثال قيمته معنوية وليست مادية، فهم نظروا إلى قيمة الإهداء المعنوية، وليس إلى القيمة الشرائية الفعلية، أما الرحَّالة فبمجرد أن لمس التمثال عرف قيمته الشرائية فوضعه في صندوقه، ثم أخرج بعض الزجاج الملوّن ووزعه على أفراد القبيلة مدّعياً بأنّ هذه جواهر نادرة الوجود، ففرحوا بهديته، ثم أراد أن يستغبيهم فطلب منهم إحضار ألقطع المشابهة للتمثال على أن يعطيهم المزيد من الجواهر المزعومة، فهمّ البعض لإحضار الذهب فمنعهم كبير القبيلة مبيّناً لهم أنه تصرّف غير لائق، فلا يجوز أن نعطي هدية ونأخذ شيئاً في المقابل، فأمرهم بإرجاع الجواهر ففعلوا، ثم تقدّم نحو الرحالة وهمس في أذنه: لسنا مغفلين كما تظن، فأنا أعرف أننا أعطيناك ذهباً خالصاً وأعطيتنا زجاجاً ملوناً، لا تقلق لن أشي بك احتراماً للضيافة، فقُم وتكلم بما تريد وابق في ضيافتنا إلى أن تمل منا: فعندما سمع الرحالة كلام الكبير أدرك بأنّ أمره قد افتُضح، فحاول أن يُجلي الصورة بالتمظهر أنه يريد مصلحتهم، وكان مطمئناً بأنّ أحداً منهم لن يمسه بسوء لأنه ضيف.
وقف على باب الخيمة وراح يوزّع عليهم الشكر تلو الشكر بعد المدح لهم والثناء عليهم ليغطي خطيئته، ثم بدأ يخبرهم عن جمال العالَم وجبال الأرض وأوديتها، وسهولها وبحارها وأنهارها، والمناظر الخلابة التي تسحر عيون الناظر إليها، وكم فيها من أنواع فاكهة وأطعمة لم تخطر ببالهم، وحيوانات بعشرات الآلاف، ونباتات بالملايين، وقد عدّد لهم أسماء عدة بلدان زارها في السنوات الأخيرة، وذكر لهم ما شاهده من قلاع وحصون وقصور وذهب وجواهر وصناعات متطورة، وراح يشجعهم على الخروج من قبيلتهم لمشاهدة ما يحيط بهم من حضارات وثقافات وتجارات عادت على تجارها بالأرباح الوفيرة، وقد ادعى بأنّ مدينته قبل الخروج والسفر كانت أصغر من قبيلتهم، أما عندما خرجوا منها تطورت واتسعت وأصبحت مدينة عريقة يحسب لها القريب والغريب ألف حساب، وقد استأنس الحاضرون بكلامه الذي سمعوه لأول مرة في حياتهم، حيث كانوا يظنون بأن حياة البشر مشابهة لبعضها، كما وشجعهم على استبدال الخيم بالمباني الحجرية المزخرفة بعد أن أراهم بعض الرسومات التي رسمها في جولاته، فقد حبّب إليهم السفر، مبيّناً لهم أنّ في ترحالهم خيراً لهم ولأمتهم، ولكنه لم يحدّثهم عن جشع الآخرين وأساليبهم المتنوعة في القتل والسرقة والنهب، ولا عن الظلم والقهر والإستغلال، ولا عن قطّاع الطرق، ولا عن أكلة لحوم البشر، ولا عن المناطق التي تعيش فيها الحيوانات المفترسة، ولا عن مخاطر السفر الكثيرة، وإنما اكتفى ببيان محاسنه فقط، ولعله تعمّد ذلك كي يخرجوا من ديارهم بدل أن يبقوا محصورين في قمقمهم الضيّق، ولم يكن هدفه حب الخير لهم ولقبيلتهم، وإنما كان الهدف تدمير ما تبقّى من أخلاق وآداب وعادات كريمة.
تأليف الشيخ علي فقيه

