الرَحالَة يُحرِض أهلَ القَبيْلَة على كبيْرِهم
ظهرتْ عدةُ أخطاء في كلام الرحّالة وأفعاله حيث أعمى الطمع قلبه وأصبح كالمهرّج عندما رأى الذهب ولمسه، وهذا ما زرع الريبة في نفس كبير القوم وأوقعه في حيرة من أمره، فإن سكت عنه فتلك مصيبة، وإن فضح أمره فأيضاً مصيبة، وهنا اشتدت الحيرة عليه، ولهذا لجأ إلى الحل الثاني بحكمة.
فعندما كشف لعبة الرحالة، وتيقّن من نواياه السيئة تجاه القبيلة وأهلها وتاريخها ومصيرها نبّه أهل قبيلته من وقوع فتنة بينهم بسبب خداع الضيف المزعوم بعدما بيّن لهم وجوه الكذب الذي افتراه في خطابه، وقال لهم: ليس من عاداتنا ولا من أخلاقنا أن نزعج الضيف مهما صدر منه، ولكن عندما يصل الأمر إلى المس بكرامتنا والعمل على تدميرنا فيجب أن نخرج عن تلك القواعد لنحمي أنفسنا ومستقبل أولادنا: وعندها أيقن الكثيرون منهم بكلام كبيرهم(موضع ثقتهم) والتزموا بيوتهم إلا أربعة من الشباب الذين استحوذ عليهم سحر الكلام.
دخل الضيف خيمته، وقد اعتراه القلق بعدما ذهبت السَّكرة وأتت الفكرة، فراح يُفكر في طريقة للتخلص من الكبير الذي شكّل حجر عثرة في طريق هدفه، وبينما هو جالس وإذ بشاب يدخل عليه يحمل في يديه طعام العشاء فاستوقفه الضيف وطلب منه الجلوس، فجلس الشاب احتراماً لضيف القبيلة.
أراد الخبيث أن يستفرد بهذا الشاب ليجعل منه أداةً لتفيذ جريمته في حق الكبير، وطُعماً طرياً في صنّارته ليصطاد به في الماء العكِر، فجلس وراح يطرح الأسئلة تلو الأسئلة على الشاب المهذب وهو يجيبه بكل احترام وهدوء، ثم راح يوسوس له بأنّ كبيرهم يمنعهم من الوصول إلى التحضّر والتمدّن، وأنه يخشى على زعامته إن غادر قومه القبيلة واكتشفوا العالَم، ومن خلال طريقة الضيف في طرح الأسئلة أدرك الشاب نيّته الخبيثة وأنه يريد إلحاق الأذى بالكبير، فنصح الضيف بعدم الكلام حول هذا الأمر، وحذّره من غضب أهل القبيلة الذين يرون في كبيرهم كل حياتهم ومصدر عزتهم، فتركه وغادر الخيمة متوجهاً نحو دار الكبير الذي كان والد هذا الشاب، والضيف لا يعلم بأنه يتحدث إلى ابنه.
وعندما سمع ردّ الشاب عليه ازداد قلقه أكثر، وعلم بأنّ التحريض على الكبير صفقة خاسرة، فلجأ إلى ما هو أفظع.
مُحَاوَلَةُ قَتْل الكَبيْر
شعر الضيف بقلق شديد من عدم تجاوب الشاب معه، فإذا كان قد عجز عن إقناع شاب في مقتبل العمر فهو عن إقناع الكبار أعجز، فخرج من الخيمة ليستنشق الهواء فرأى غلاماً يلعب بالقرب من الخيمة فسأله عن الشاب الذي خرج من عنده للتو فأخبره بأنه ابن كبير القبيلة، فارتعدت فرائصه وسال العرق من جبينه، وهنا شعر بخطر كبير، وظنّ بأنه لن يخرج حياً من تلك القبيلة حيث لن يغفر له كبير القوم تلك الجريمة النكراء، ولم يعُد أمامه غير خيار واحد، وهو التخلص من الكبير بأقصى سرعة قبل أن ينتشر الخبر، وليُبعد أهل القرية عن نواياه ويُشغلهم بمصيبة اغتيال رئيسهم.
ولم يكن بإمكانه الإستعانة بأحد بعد أن أدرك حبهم الكبير لكبيرهم، ولهذا قرر أن يعمل بنفسه بطريقة يُبعد بها الشُّبهة عنه، فأرسل في طلب الكبير لأمرٍ ضروري لا يحتمل التأجيل، فاستجاب له وحضر إلى خيمته بأقصى سرعة، وهو متماسك لم يأمر أهل قبيلته بشيء بعد تجاه خزعبلات الضيف الحقير، فدخل إلى خيمته برفقة أحد الرجال الذي تعمَّد اصطحابه، وكأنّ شيئاً لم يحدث، وعندما رأى الرحالة ذلك الرجل يرافق الكبير غيّر خطته بالكامل، فقد كان ينوي خنقه بحبل متين، أما مع وجود رجل برفقته فلم يعُد لتلك المحاولة مكان، فقرر أن يستعمل طريقة أخرى، وراحا يتبادلان أطراف الحديث، وبدأ الرحالة بالإكثار من المدح والثناء للكبير وقبيلته، فتعجب الكبير من تغيّر الضيف بهذه السرعة، فبالأمس كان متعجرفاً كتوماً، واليوم يُكثر من الكلام، إنّ في الأمر سراً، وهنا أدرك الكبير باحتمال وجود مصيدة فاشتد حذره، فقال الضيف للكبير: أراك شارداً على غير عادتك، فهل هناك ما يُزعجك؟ فأجابه الكبير: لا بأس عليك، إنها مسؤولية القبيلة فقط، ثم قال الرحالة: أنا أشكر لكم حُسن ضيافتكم، وأتمنى أن تقبل ضيافتي لك وأنا في ضيافتكم، فتعجب الكبير من كلامه وقال: أنا لم أفهمك، ما الذي ترمي إليه؟ فقال الرحالة: أريد أن أدعوك لشراب مسحوق الورد الذي نشربه يومياً في بلادنا فهو لذيذ الطعم وعظيم الفائدة: فقال الكبير: لا بأس، آتني بالشراب فأنا أقبله منك لأننا نحب أن نعامل الآخرين كما نحب أن يعاملونا.
فقام الرحالة وصبّ كأسين من شراب الورد الممزوجين بالسم القاتل ويداه ترتجفان مما زرع الشك في قلب الكبير الذي أراد في تلك الفرصة أن يقضي على شر الضيف المشؤوم من خلال إحراجه، فقال له: أين كوبك أيها الضيف؟ فقال الرحالة: شربتُ قبل قليل حتى ارتويت، إشربا أنتما هنيئاً: فقال الكبير: إنّ من عاداتنا أن لا نأكل شيئاً أو نشربه قبل أن يتذوقه المضيف: فعندما سمع الضيف كلام الكبير اسود وجهه ولم يعد يعرف ما يفعل أو يقول.
تأليف: الشيخ علي فقيه

