
قِصةُ بَلْعَم بِنْ بَاعُورَاء
قال تعالى(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)
اختلفوا في حقيقة اسم الشخص المعني بهذه الآية حيث ذُكر اسمه مع اختلاف في أكثر من رواية، ولكنهم اتفقوا على ما قد حصل له ومعه، وليست العبرة في تحديد الإسم، بل في الشخص الذي أشارت إليه الآية دون ذكر اسمه إذ لو كان للإسم أهمية في هذا الدرس لذكره القرآن الكريم، ولكن الإسم المذكور في العنوان هو الأكثر تداوُلاً في الروايات، ولهذا ذكرتُه دون غيره.
وقد أحببت أن أكتب لكم هذه القصة لأنها تحكي لنا واقع الحياة الدائم في كل زمان ومكان، حيث لا تخلو الأرض من المشابهين لهذا الشخص في السلوك، وبلعم هذا واحد من الذين سلكوا النهج الخاطئ بعد أن كان من المتقين العابدين الزاهدين، والتاريخ مليء بالشواهد المشابهة التي يجب الرجوع إليها لكسب العبرة منها، والمشابهون له في زماننا الحاضر فاق عددهم عدد الذين مضَوا.
وبعد أن نذكر لكم القصة سوف نشير إلى جملة من الدروس المستفادة منها والتي اختصرها القرآن الكريم ببضع كلمات.
ورغم قِصر ألفاظ هذه الآية وقلة كلماتها غيرَ أنها تحمل للبشرية أكثر من درس للدنيا وللآخرة.
وبلعم بن باعوراء بطل هذه القصة، هو شخصٌ من بني إسرائيل عاش في زمن نبي الله موسى(ع)، وكان فضل الله عليه كبيراً إذ نوّر قلبه بأنوار الإيمان وأعطاه العديد من الكرامات، والتي كان منها استجابة الدعاء، وكان بنوا إسرائيل يقصدونه في شؤون كثيرة، وخصوصاً في الدعاء لهم، حتى علا شأنه وذاع سيطه، ولشدة إيمانه سكن في كهفٍ بعيد عن الضوضاء حتى يتفرغ لعبادة ربه.
ولم يكن هذا الشخص رغم شدة إيمانه بعيداً عن مرمى سهام الشيطان الذي يركّز عمله على أهل الإيمان، وهذا يعني أن لا يطمئن المرء مهما اشتد إيمانه، لأن الشيطان يتحيّل الفرص تلو الفرص للإنقضاض عليه في الوقت المناسب، معنى ذلك أنّ خطره محيط بنا في حتى ولو كنا في حالات العبادة.
لقد ذكر المؤرخون بأنَّ فرعوناً قد مرّ عليه ذات يوم في زيارة مفاجئة وطلب منه أن يدعو على موسى وأعوانه بالهلاك، وقد أغراه بالمال الكثير والجاه الرفيع ووعده بالزعامة بعد أن يُتم مهمته الشيطانية.
وهنا راح الصراع يدور في داخله بين قوى الخير وقوى الشر كحالة كل مؤمن يُبتلى بمثل ما ابتُلي به بلعم، وبعد صراع طويل انتهى الأمر به إلى نتيجة أرضت عنه الشيطان وأعوانه، بعد أن قبِل بالعرض الفرعوني الذي تضمّن نهاية حياة بلعم الإيمانية، ومنذ ذلك الحين بدأ دينه يتدهور وأخلاقه تنحط، فركب حماره وصعد إلى الجبل الذي اعتاد أن يدعو الله عليه، ولكن هذه المرة لا تشبه سابقاتها، لقد صعد الجبل هذه المرة للدعاء على كليم الله موسى(ع) وهو أحد أنبياء العزم، فتوقف الحمار عن السير، وهناك سمع بلعم صوتاً يؤنّبه على فعلته فلم يعتبر رغم كونه ليس ببعيد عن الجو الإيماني ولكنّ الشيطان الرجيم أحكم قبضته عليه فأنساه ذكر الله وأخرجه من نور الإيمان إلى ظلمات الغَوى، وراح يضرب الحمار لأنه عصاه حتى قتله، ولم يضرب نفسه التي أرادت أن ترتكب أعظم الذنوب، فلقد كانت نفسه الأمارة بالسوء أحق بالضرب من الحمار الذي لم يُقدم على ما أقدم عليه بلعم.
ولما همَّ بالدعاء أمسك الله عليه لسانه فلم يستطع النطق بكلمة واحدة، وقيل بأنه دعا على أعداء موسى دون أن يشعر أو يقصد، فراحوا يصيحون به ويُنبّهونه على هذا الخطأ، وهو يعيد الكرة ولم يستطع النطق بالدعاء على موسى، ولأنه لم يستطع النطق لم ينل من فرعون أية جائزة حيث لم يُنفّذ ما اتفقا عليه، وفي نفس الوقت خسر دينه الذي كان مصدر رِفعة له بين الناس، وكان أبرز مثال للذي خسر الدنيا ولم يربح الآخرة.
والخاسرون نوعان: نوعٌ يخسر دينه بدنياه، ونوعٌ يخسره بدنيا غيره، وهذا خسر دينه بدنيا غيره، وهو من أحط أنواع الخسارة.
فلو كان مؤمناً حقاً لما استمالته الدنيا إليها، ولما أغراه لمعان الذهب وهمرجة الزعامة، ولكنه أصبح كما وصفه الله تعالى(فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)
لقد رفع الله شأنه بالإيمان والعلم والزهد، وبقي على تلك الحالة سنواتٍ طويلةً يعيش في نور الإيمان ويستمد القوة بالتقوى والخشية، ولكنه عندما انسلخ من الدين وضع الله شأنه وأصبح ذِكرُه حديثَ سخرية عند أهل مدينته بعدما كان الرجل الأول والمطاع بين بني قومه.
قد نقرأ هذه القصة بدقيقتين من الوقت، هذا إذا قرأنا سطورها، أما إذا أردنا أن نقرأ ما استقر بين تلك السطور فهذا ما يحتاج إلى المزيد من الوقت والتفكّر والتأمل لأنّ ما هو كائنٌ بين سطورها أكثر من سطورها بكثير.
أما السطور فهي نفس القصة، وأما ما بين السطور فهو الدروس المستفادة منها وهي كثيرة:
منها: أن لا يغترّ الإنسان بنفسه مهما علا شأنه وزاد إيمانه وكثُر عمله، فإنه مهما اجتهد بالعبادة وعمّر في الدنيا فلن يصل عمره إلى عمر إبليس، ولن تكون عبادته بأفضل من عبادة إبليس قبل أن يُخرجه ربه من الرحمة.
ومنها: أن لا يأمن الإنسان للشيطان الغوي، فقد وضع جميع بني آدم تحت مَرماه، فلا يعرف الإنسان كيف يأتيه الشيطان وبأية صورة وأية حيلة، بل يجب الحذر منه في كل شيء، وفي كل زمان ومكان لأنه العدو الأكبر والأخطر للبشر.
وهنا لا بد من العمل بوصية الله لنا(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)
وما حصل مع بلعم قد حصل مع الشيطان نفسه حيث عبد الله ستة آلاف سنة لا يُعلم أهي من سنين الدنيا أم سنين الآخرة، ولكنه عندما أُمر بالسجود لآدم اغتر بنفسه وعصى وطلب من ربه أن يعفيه من السجود لآدم ويعبده مدى الحياة، فأتاه الرفض الإلهي وأُخرج من الجنة، وبالتالي من الرحمة، وافضل من وعظنا بهذا الأمر هو الإمام علي(ع) الذي قال: فَاعْتَبِروا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِإِبْلِيسَ، إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ، وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلاَفِ سَنَةٍ، لاَ يُدْرَى أَمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الْآخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. فَمَنْ بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ؟ كَلاَّ، مَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً:
ومنها: إخلاص العمل لله فإنّ العمل لا يقاس بالنوع والكثرة وإنما يقاس بإخلاص النية لله سبحانه وتعالى، فإذا لم تكن النية في العمل خالصة لوجه الله الكريم فإنَّ العمل لن يعود على صاحبه بالنفع، بل سوف يخسر كل شيء ويذهب تعبه هباءاً.
ومنها: أن يعرف الإنسان حدود نفسه وحدود ربه فلا يتجاوز تلك الحدود المرسومة فيهلك.
ومنها: الصبر على الطاعة مهما كانت الظروف حرجة أو قاسية، ويجب أن يضع المؤمن نصب عينه وفي قلبه قول الله تعالى(فاعبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبَاتِه)
ومنها: أن نعلم بأنّ حب الدنيا رأس كل خطيئة، وقد ورد في الدعاء عن الإمام زين العابدين(ع) قوله: إلهي أخرج حبّ الدنيا من قلبي:
الشيخ علي فقيه

