أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

 

 

نَبِي اللهِ لُوْطٌ(ع)

 

ذكرنا في السابق أن الله تعالى قد أرسل الرسل والأنبياء، ولكنه عز وجل أرسلهم بإحدى طريقتين:

الطريقة الأولى: وهي على نحو التعاقب: أي أنه أرسلهم واحداً بعد الآخَر.

الطريقة الثانية: وهي إرسال أكثر من واحد دفعة واحدة: كما كان الحال في عهد إبراهيم(ع) فلقد عاصر أكثر من نبي، ومنهم: إسماعيل ولوط، وربما كان هناك غيرهم في ذات الوقت، وكما كان الحال في زمن يعقوب ويوسف، وفي زمن موسى وهارون(عليهم السلام جميعاً)

ففي الوقت الذي كان إبراهيم الخليل يمارس فيه مهام النبوة كان لوط(ع) يمارس تلك المهام في مكان آخر يدعو الناس إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وقد ذكر التاريخ بأن إبراهيم(ع) هو الذي أرسل لوطاً إلى تلك المدن التي أهلكها الله بسبب كفر أهلها وعنادهم.

وأوضح دليل على حصول الإرسال الدفعي هو قوله تعالى في سورة العنكبوت(وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ){العنكبوت31/32}

ونبي الله لوط(ع) هو من الأنبياء الكرام الذين نالوا ذكراً كثيراً في كتاب الله بسبب أهمية وظيفته ودوره في إحقاق الحق وإبطال الباطل، وقد تحدث القرآن عن لوط في عدة مواضع، منها في سورة الأنبياء حيث يقول(وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ  وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ){الأنبياء/74}

وفي سورة النمل قال تعالى(وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ){النمل54/55}

وقد عاش لوط في قومه ثلاثين سنة يدعوهم إلى الله تعالى، ولكنهم كما عبَّر القرآن عنهم: كانوا قوم سوء، فيهم من الصفات القبيحة ما لا يُعد ولا يحصى، وأبرز صفة فيهم هي إتيان الفاحشة (الذَّكَر للذَّكَر) وهذا أمر مبغوض ومحرَّم في شرائع السماء، وعليه عقاب شديد في الدنيا والآخرة، وكان كلما أتاهم ضيف أجبروه على اللواط، وقد اشتهروا بالبخل الذي كان له عليهم عواقب سيئة كما ورد عن الإمام الباقر(ع) حيث قال ” إن قوم لوط كانوا أهل قرية أشحاء على الطعام فأعقبهم البخل داءاً لا دواء له في فروجهم، فقال له أبو بصير: وما أعقبهم؟ قال(ع): إن قرية لوط كانت على طريق السيارة إلى الشام ومصر، فكانت السيارة تنزل بهم فيضيفونهم فلما كثر ذلك عليهم ضاقوا بذلك ذرعاً بخلاً ولؤماً، ودعاهم البخل إلى أن كان إذا نزل بهم الضيف أتوهم في أدبارهم …فشاع أمرهم في القرية وحذرهم النازلة فأورثهم البخل داءاً لا يستطيعون رفعه من غير شهوة لهم إلى ذلك حتى صاروا يطلبونه من الرجال في البلاد ويعطونهم عليه الجعل، ثم قال(ع) فأي داء أدوى من البخل… ثم قال أبو بصير: جعلت فداك فهل كان أهل قرية لوط كلهم  هكذا؟ فقال نعم، إلا أهل بيت من المسلمين، ثم قال: أما تسمع لقوله تعالى(فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ) ثم قال(ع): إن لوطاً لبث في قومه ثلاثين سنة يدعوهم إلى الله عز وجل ويحذرهم عذابه وكانوا لا يتنظفون من الغائط ولا يتطهرون من الجنابة ”

 

حِوَاْرُ لُوْطٍ وَقَوْمِهِ

 

يحاول القرآن الكريم أن يصور لنا الوقائع والحوادث بطريقة وكأننا نعيش مع الحدث وفي زمنه، وذلك من أجل أن يكون الكلام نافعاً ومؤثِّراً في العقول والقلوب والنفوس.

وها هو كتاب الله عز وجل يقصُّ علينا حواراً نبوياً من جهة، وعنادياً من جهة أخرى لنستفيد من نفس الحوار وما أعقبه من نهاية وخيمةٍ للظالمين الذين عرفوا الحق وأنكروه.

لقد كان هذا الحوار مميزاً لأنه دار حول أمر جديد لم تعهده البشرية قبل عهد لوط، وهو ما يسمى اليوم (باللواط) الذي كان قوم لوط أساسه وأصله.

قال تعالى(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ)

لعلهم كذبوا غير لوط من الأنبياء ممن عاصروه أو ممن سبقوه أيضاً، لأنهم كانوا على علم بالرسالة التي أتى بها إبراهيم الخليل ومن جاء قبله، فلم يؤمنوا حتى بعد أن بعث لهم إبراهيم لوطاً من أجل أن ينذرهم ويعلمهم ويدعوهم إلى الله عز وجل، فكذبوه وأنكروا رسالة السماء.

(إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ)

أي متى يحين موعد خشيتكم من الله تعالى والتخلي عن تلك الممارسات البشعة التي تقومون بها وهي أمور قذرة لا تليق بكم ولا يرضى بها العقل السليم؟ ولقد عبّر القرآن عن لوط بقوله(أَخُوهُمْ) أي أنه من نفس البلدة التي هم منها، وقد استعمل القرآن هذا التعبير في بيان أحوال كثير من الأنبياء(ع).

(إني لكم رسول أمين فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)

يحاول لوط أن يبين لهم بأنه لا يدعوهم إلى ترك ممارساتهم وإلى التقوى من أجل غرض شخصي، فهو لا يستفيد من إيمانهم شيئاً سوى مرضاة الله عز وجل، ولأجل ذلك دعاهم إلى التقوى مبيِّناً لهم بأنه رسول الله إليهم وأن الهدف مما يصنع معهم إنما هو الله عز وجل، ثم بعد هذا البيان كرر لهم الدعوى إلى التقوى علهم يعتبرون بإلقاء هذه الحجة عليهم، ولكنهم لم يزدادوا سوى إصرار على الكفر والعناد وتلك العادات السيئة.

أتقوا الله وأطيعوني لكي يرحمكم الله في يوم الحساب، ولكن لا جدوى من كل تلك التحذيرات والآيات التي قدمها لهم حيث سيطر الشيطان على قلوبهم فأنساهم أنفسهم وما يجب عليهم القيام به تجاه واجب الطاعة سبحانه وتعالى.

ثم أوضح لهم الأمر أكثر وأفصح لهم عن منتهى أهدافه من خلال دعوته لهم وأنه يصنع ذلك من أجلهم وليس من أجل نفسه، فهو غني عنهم لأن معه الله رب العالمين، ولكنه خائف على مصير قومه المعلوم، وهو الهلاك فقال لهم(وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)

ثم راح يفصح بجوهر العتاب فقال لهم: كيف تأتون الشهوة للرجال وتتركون النساء التي خلقها لكم من أجل هذه الغاية، وقد ذكر القرآن هذا المعنى بقوله تعالى(أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ  وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) أتأتون الذكور ما ينبغي أن تأتوا به النساء؟ أنتم قوم غريبوا الطباع، إن هذه الفاحشة ما سبقكم عليها أحد من الناس، بل أنتم قوم عادون، أنتم ظالمون لأنفسكم ولغيركم من المجتمعات التي سوف تسلك هذا النهج الفاسد في الأزمان الآتية، كما هو الحال في زماننا هذا الذي انتشرت فيه أنواع الفواحش البهيمية.

ولكن العجيب في الأمر هو أنه بدل أن يشكروه على تلك النصائح القيمة التي تجعل منهم بشراً وتضفي على مجتمعاتهم ألوان الرقي والترفع راحوا يهددونه بالقتل أو بالنفي لأنهم لا يريدون مَن يزعجهم ويذكِّرهم بالحقائق التي يجب الإلتزام بها(قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) يعني إذا لم تتوقف عن نهينا فسوف نطردك من هذه القرية، فأجابهم بقوله الجريء(قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ) أنا أرفض هذه الممارسات بشدة ولن أتوقف عن وعظكم وإرشادكم لأن ما تقومون به أمر لا يسكت عنه.

وعندما لمس منهم الإصرار ولو لبث فيهم مئات السنين توجه إلى الله عز وجل بأن ينجيه وأهله من ممارساتهم الظالمة(رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ)

لقد توجه لوط إلى الله تعالى بقلب متضرع خاشع فاستجاب الله له ونجاه منهم بعد أن أنزل عليهم العذاب فدمرهم بما فيهم زوجة لوط التي كانت عَوناً للقوم الظالمين والتي جعلها الله تعالى مثلاً وعبرة حيث قال في شأنها(فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ  إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ  ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ  وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ)

 

 

بَيْنَ إِبْرَاهِيْمَ وَلُوْطٍ(ع)

 

من المعلوم حسب ما ورد في القرآن الكريم أن العذاب الذي أنزله الله تعالى على قوم لوط كان في زمن إبراهيم الخليل(ع) حيث كان هناك تنسيق تام بينه وبين لوط، فهو الذي أرسله إلى تلك البقعة الفاسد أهلها من أجل أن يدعوهم إلى الله تعالى، بمعنى أن لوطاً كان سفيراً لإبراهيم الخليل رغم أنه نبي من أنبياء الله، فإن إبراهيم أعظم وأفضل وهو الأساس لأنه أول أنبياء العزم وأبو الأنبياء.

لقد أشار القرآن الكريم بطرق عديدة إلى تلك العلاقة المتينة بينهما وذلك عبر الآيات التي ورد ذكرها في سورة هود حيث يقول سبحانه(وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ  فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)

المقصود بالرسل في هذه الآية هم الملائكة الذين أمرهم الله تعالى بالنزول إلى الأرض وإنزال العذاب بقوم لوط الذين لم ينتهوا ولن ينتهوا لأنه لو علم الله منهم خيراً لأعطاهم فرصة أخرى للإنابة والتوبة، ولكنه بما أنه يعلم ما سوف يكون فقد علم أنهم لن يؤمنوا ولن يهتدوا، فكانت الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الأرض منهم هو إلقاء العذاب عليهم.

واللافت في هذا الحدث هو أن الله تعالى قبل أن يبعث الرسل إلى لوط بعثهم إلى إبراهيم، وذلك من باب اللياقة، لأن إبراهيم هو الذي كان يوجه لوطاً، وهو الأصل، فلم يتجاوز الله تعالى خليله، بل أخبره بما سوف يكون من شأن قوم لوط ليلقي الإطمئنان في قلبه تجاه لوط.

وقبل أن يخبره الرسل بالأمر الذي جاؤوا به ظنهم من البشر فذبح لهم عجلاً وكرمهم أحسن تكريم مُظهراً بذلك أخلاق النبوة، ولكنهم لم يتناولوا لقمة واحدة، ولم يأتوا بأية حركة تكشف عن أنهم يريدون تناول الطعام، ولعل إبراهيم قد شعر بالخوف عندما لم يأكلوا لظنه بأنهم أعداء لا يريدون أن يشاركوه طعامه فطمأنوه وقالوا له: لا تخف إنا رسل ربك إليك.

فقد أخبروه بالمهمة التي جاؤوا بها من السماء، فلما سمعت زوجة إبراهيم كلامهم ضحكت، وأنا شخصياً لم أفهم القصد من هذا الضحك، فلا أقول بأنه كان استهزاءاً، وذلك للحفاظ على شأن إبراهيم، ولكنها عندما ضحكت لم يتأذى منها الملائكة، ولعل ذلك احتراماً لإبراهيم، بل أخبروها بأن الله تعالى سوف يرزقها ولداً، فتعجبت.. إذ كيف تلد وهي عجوز، ولكن قدرة الله تعالى تفوق كل الحدود، فقد رزقها الله عز وجل بإسحق وجعله نبياً من أنبيائه.

ولم تقف البشرى عند إسحق فقط بل بشروها بيعقوب سلام الله عليهما.

وفي هذا قال تعالى(وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ)

وهنا تعجبت سارة من تلك البشرى مستنكرة الأمر إذ كيف تنجب أولاداً بعد فوات الأوان(قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ  قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ)

لقد رد الملائكة كلامها بأن قدرة الله تعالى لا حدود لها، قالوا أتعجبين من أمر الله، يعني هذه إرادة مَن إذا أراد شيئاً فلا بد أن يكون ذلك الشيء.

لا ينبغي أن تعجب سارة من ذلك، فإن إبراهيم عظيم عند الله وكريم، ورحمة الله تعالى قد وسعت كل شيء، وإن الذي رزق إبراهيم بإسماعيل قادر على أن يرزقه بغيره.

بعد ذلك ذهب الروع عن إبراهيم، ونحن لا ندري سبب هذا الروع لأنه رأى جبرائيل من قبل عندما ألقاه النمرود بالنار ولم يخف من النظر إلى جبرائل بل رفض معونته إذا لم تكن من الله تعالى، وعلى كل حال فإنه وإن خاف إبراهيم في بعض الأحيان فإنه بالتالي إنسان يشعر بما يشعر به الآخرون.

وهنا تظهر لنا نفسية إبراهيم الكبيرة ورحابة صدره وقلبه العطوف المتسامح حيث أراد أن يعطي قوم لوط فرصة أخرى كما يظهر من السياق القرآني(فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ)

لعله أراد أن يطلب لهم فرصة أخرى علهم يتوبون، فلم يجد موافقة لطلبه، لأن الله تعالى يعلم ما سوف يكون من أمرهم، ولذلك كان إعطاؤهم فرصة أخرى بلا جدوى في علم الله.

ولأجل تلك الرحابة مدح الله خليله إبراهيم حيث قال(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ)

وبعد هذا المدح له ولقلبه الرقيق بيّن الله له حلول أمره فيهم وطلب منه أن يعرض عن هذا الأمر(يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ)

 

عَاْقِبَةُ الظاْلِمِيْنَ

 

لكل بداية نهاية، ولكل طاغية زوال، ولكل شيء عاقبة، فعاقبة الإحسان هي الإحسان(هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) وعاقبة الظلم وخيمة وقاسية بل هي أشد عليه من شدة ظلمه على المظلومين، وذلك لما ورد عن أمير المؤمنين(ع) من أن ساعة المظلوم على الظالم أشد من ساعة الظالم على المظلوم.

والشواهد القرآنية المشيرة إلى هذا المعنى كثيرة جداً:

فعاقبة فرعون كانت الغرق في اليم له ولمن أعانه على ظلمه، وعاقبة قارون كانت خسف الأرض به وبماله، وعاقبة قوم نوح كانت الطوفان المدمر، ولكل عاقبة من هذه حكايات قرآنية مطولة نأخذ من كلٍ منها الخلاصة.

أما بالنسبة للعاقبة التي ختم الله بها ظلم فرعون فقد قال تعالى(فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ)

وأما بالنسبة لقارون فقد قال سبحانه(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ)

وأما بالنسبة لقوم نوح(حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ)

وهناك آية شاملة لبيان عاقبة الظالمين وهي قوله سبحانه(فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)

وهذه العاقبة شملت الأقوام الظالمين والمعاندين مثل قوم هود وصالح وبني إسرائيل، وهي شملت قوم لوط الذين فسدوا وأفسدوا وأتوا بفاحشة ما سبقهم عليها أحد من الناس، وعندما علم الله أنه لا خير منهم ولا فيهم وأنهم سوف يصرون على الحنث أمر بإنزال العذاب فيهم، وإليكم النص القرآني الخاص بهذه الحادثة، قال تعالى(وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ  وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ  قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ  قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ  قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ)

عندما أتى الرسل بيت لوط علم قومه بهم فظنوا بأنهم ضيوف حلَّوا بداره فأتوا إلى دار لوط مسرعين يريدون فعل فاحشتهم بهم، فوقف لهم لوط ومنعهم من ذلك وعرض عليهم بناته للزواج قائلاً لهم :هن أطهر لكم: يعني هذه هي سنّة الحياة، تزوجوا ما أحل الله لكم، ولكنهم رفضوا هذا العرض، فهم لا يريدون التخلي عن تلك الممارسات التي رأوا بأنها فعالة للغاية في تنفيذ الخطط وإطاعة الرغبات.

لقد تمنى عليهم أن لا يخزوه في ضيوفه، ولكنهم لم يعبؤوا بكلامه، فعند ذلك كلمه الرسل قائلين له(قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ)

فعند ذلك اطمأن لوط من أنهم لن يصلوا إليه ولا إلى ضيوفه، وعند ذلك أمرته الملائكة بأن يخرج هو وأهل بيته من القرية دون أن يلتفت منهم أحد إلى الخلف، وقد أخبروه بأن زوجته سوف تكون من الهالكين لأنها كانت عوناً للقوم الظالمين.

فخرج لوط ومن معه من تلك القرية التي نزل بها العذاب والتي جعل الله عاليها سافلها، وهكذا خُتمت حياة الظالمين من قوم لوط وقد جعلهم الله عبرة للمعتبرين.

 

إِمْرَأَةُ لُوْطٍ مَثَلٌ للذِيْنَ كَفَرُوْا

 

لقد جعل الله عز وجل زوجة  لوط مثلاً للذين كفروا ودرساً لهم عبر الزمن، وهو أنه لا ينفعكم سوى الإيمان وإن كنتم من أقرب المقربين للعظماء.

فزوجة لوط لم ينفعها زواجها من نبي الله، ولم يشفع لها قربها منه إذا جاء أمر الله سبحانه وتعالى لأن لوطاً لم يألُ جهداً في وعظها وإرشادها ودعوتها إلى الإيمان بالله، غير أنها لم تعره اهتماماً وأصرت على ما كانت عليه.

وقد ذكر الله في كتابه الكريم مثالين للعبرة، أحدهما للذين كفروا والآخر للذين آمنوا حيث يقول(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ  وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)

معنى ذلك أن المؤمن لا يمنعه من الإيمان شيء، وأن الكافر لا يجبره على الكفر شيء.

فزوجة لوط وزوجة نوح كانتا تحت نبيّين من أنبياء الله، وقد كانت الأمور لديهما واضحة وجلية، وكان الأجدر بهما أن تؤمنا قبل غيرهما من الرجال والنساء لأنهما أقرب الناس إلى واقع الرسالة وحقيقة الأمر، وكذلك امرأة فرعون التي كانت زخارف الدنيا وجاهها وكل أمتعتها في تصرفها وتحت قدميها، ومع ذلك فلم يمنعها من الإيمان كل تلك الإغراءات، بل ولم يمنعها من الإيمان تهديدات فرعون الذي عاقبها أشد العقاب، فلم تخف منه ولا من عذابه بل إنها توجهت إلى الله عز وجل بأن يبني لها بيتاً عنده في الجنة.

فلا يقولن أحد بأنه مُجبَر على الكفر، ولا ينبغي للقريب من أهل الإيمان والذي توفرت لديه كل الإمكانيات المطلوبة أن يتوانى عن الإلتزام بأحكام الله عز وجل.

والخيانة التي ذكرتها الآية(فخانتاهما) لا تعني الخيانة الزوجية بل الخيانة في عدم الإيمان، وهذا من أكبر الخيانات التي قد يرتكبها الإنسان.

والعبرة في ذلك هو أن كثيراً من الناس يلومون بعض الرجال المؤمنين الذين كانت نساؤهم عاصيات فإن ذلك لا يحط من شانه ولا ينقص من إيمانه شيئاً وهذه القضية يجب أن نتعامل معها بعين الواقعية وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى ولا يؤخذ أحد بذنب غيره.

وكذلك العكس فإن آسية بنت مزاحم لم ينقص إيمانها بكفر زوجها وإنما جعلها بمستوى رفيع للغاية لأنها رفضت الدنيا وما فيها في سبيل أن تنال رضا الله عز وجل.

 

مُعْجِزَاتُ لُوْطٍ(ع)

 

هناك قاسم مشترك بين جميع الأنبياء من جهة، وبين أقوامهم من جهة ثانية، أما القاسم المشترك بين الأنبياء فهو الإتيان بالمعجزة لكونه الدليل الأبرز على ثبوت دعوى النبوة، وإلا فإنه من دون إعجاز لا يجب على الإنسان أن يُذعن بنبوة المدعي، وإلا لو لم تكن المعجزة هي العلامة على النبوة لظهر في كل يوم شخص أو أكثر يدَّعون ذلك بين الناس.

وأما القاسم المشترك الذي استفدناه من القرآن الكريم والذي يختص بالأقوام فهو طلبهم للمعجزة، حيث قرأنا أنه لم يأت نبي إلى قوم من الناس إلا وطلبوا منه الإتيان بالإعجاز الخارق لقوانين الطبيعة كما طلب اليهود من موسى العديد من المعجزات، وكما طلبوا ذلك من إبراهيم قبله وعيسى بعده وخاتم النبيين سلام الله عليهم أجمعين.

كان كلما أتاهم نبي أو جاءهم رسول من عند الله قالوا له: ما نراك إلا بشراً مثلنا: ومن الطبيعي أن يكون الرسول أو النبي بشراً مثلنا لكي يتم معه التخاطب والتفاهم، ولكن النبي يمتاز عنا بخصائص النبوة، والتي كان من جملتها موضوع المعجزة.

فلم يسلم نبي واحد من طلب المعجزة لأنه لم يوجد من الناس من استسلموا للواقع وأعلنوا الإيمان بمجرد الدعوة بل وجدنا أن هناك أقواماً كاليهود رأوا عشرات المعجزات ورغم ذلك أنكروا الحق وكذّبوا الرسل وأصروا على الكفر لأنه منسجم مع أهوائهم ومتفق مع رغباتهم.

وهنا نخلص بنتيجة حتمية تخص كل الأنبياء، وهي أنه لم يبعث الله إلى الناس نبياً ولم يرسل لهم رسولاً إلا ومعه الدليل القاطع والبرهان الساطع على صدق ما يدعي.

وبناءاً على ما ذكرناه يتضح لدينا أن للوط(ع) معجزات، ولم يصرّح القرآن بها حيث بات الأمر مسلّماً به فلا داعي إلى تكراره.

نعم لقد أشار القرآن المجيد إلى حصول المعجزة على يد لوط بطريق مختلف عن معجزات موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، وهذه المعجزات حدثت للوط(ع) في أواخر أيامه مع قومه، أي قبل أن ينزل بهم العذاب بوقت قصير، وهذا لا يعني عدم وجود معجزات له قبل ذلك.

وعلى سبيل المثال ومن باب التذكرة نذكر لكم معجزتين له:

المعجزة الأولى: وهي مجيء الملائكة له: فإن نفس حضور الملائكة في بيته كان معجزة من الله سبحانه وتعالى، ولم تقتصر هذه المعجزة على لوط فقط وإنما رآها جميع قومه، بدليل أنهم جاؤوا إلى منزله نتيجة لرؤية الضيوف الذين كانوا رسل الله إلى لوط.

المعجزة الثانية: وهي نزول العذاب بأهل قريته وقد أنذرهم قبل ذلك وحذرهم من غضب الله وعذابه وأخبرهم بأنهم سوف يهلكون إن هم أصروا على الكفر والعناد وارتكاب تلك الفواحش التي كانت أقوى سبب في تدميرهم وهلاكهم، فلقد نزل بهم العذاب كما أخبرهم نبيهم، وكان ذلك إحدى المعجزات التي أجراها الله تعالى على يد نبيه لوط.

يبقى هناك لفتة صغيرة حول مسألة رؤية الملائكة، فلقد قال بعضهم بأن ذلك خاص بالأنبياء، وهذا غير صحيح بدليل أن قوم لوط قد رأوا الملائكة على هيئة الأشخاص، وكذلك زوجة إبراهيم وزوجة لوط، نعم قد تكون رؤيتهم على حقيقتهم خاصة بالأنبياء ولا مانع من ذلك.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى