مؤلفات

قِسْمَةُ الرِّزْق

قِسْمَةُ الرِّزْق

في بداية خطبة المتقين قال أمير المؤمنين(ع) فقسم بينهم معيشتهم ووضعهم من الدنيا مواضعهم فالمتقون فيها هم أهل الفضائل:
نعلم وتعلمون أن كلام المعصومين(ع) كلام عميق ومتين يحمل في قلته الكثير من المعاني والأبعاد والمضامين النافعة للبشرية لأنهم عناوين الخير المطلق، فقد عملوا عبر قرون من الزمن على خدمة الناس وتوجيههم وإصلاح أمرهم ورسموا لهم طرق السعادة، فمن شاء سلكها وفاز فوزاً عظيماً ومن شاء أعرب عنها وسلك الجهة المعاكسة فكَتب الشقاء لنفسه بنفسه، فالرابح هو الذي اتبع تلك العصبة الطاهرة التي جعل الله أفرادها أدلة عليه ووسيلة إليه، فإذا نهجنا منهجهم كنا من الناجين لأن فرقة واحدة سوف تنجو من الشقاء وهي الفرقة التي سلكت نهج الحق الذي كان وما زال متمثلاً بالرسول وآله(ص) وكلامنا عن أهل البيت ليس نابعاً من التعصب والحب الأعمى لأن حبنا لهم ليس غلواً ولا هو ناشئ من الجهل بل هو الحب الناجم عن المعرفة التامة، وأنا أرى أن هذا ليس رأياً خاصاً بل هو حقيقة يعرفها جميع المسلمين وكثير من غير المسلمين، فكل صاحب ضمير حي ورأي حر لا بد وأن يتحدث عن أهل البيت بما هو فيهم من دون الإعتماد لا على الغلو ولا على العداء.
لقد افتتح الإمام(ع) خطبته بذكر حقائق يعرفها كثير من الناس وذلك من باب الترغيب بما عند الله ومن باب بيان الحق والعمل به لأن علياً أول رائد من رواد الحق بعد ابن عمه خاتم الأنبياء.
لقد قال(ع) في خطبته: فقسم بينهم معيشتهم ووضعهم من الدنيا مواضعهم:
إن قسمة الرزق بين العباد لا تختص بفئة دون أخرى ولا بكبير دون صغير بل ولا بمخلوق حي دون مخلوق حي لأن رزق الله يطال جميع الخلق من دون استثناء، والإمام هنا لا يتحدث عن المؤمنين فقط لأن فضل الله تعالى يشمل الجميع، وقد سمّى الله نفسه بالرحمن، والرحمن إسم خاص بصفة عامة كما يقول إمامنا الصادق(ع) أي أن الرحمن هو المنعم على خلقه من دون استثناء، ولذا ورد أن الرحمن رحمن الدنيا وأن الرحيم رحيم الآخرة بمعنى أن الرحمة في الدنيا شاملة للجميع أما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين فقط، ويصح إطلاق أحدهما على الآخرة فتقول كما ورد في الدعاء: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، والسبب في ذلك هو أن الرحمانية تشمل الناس في الدنيا وتشمل المؤمنين في الآخرة، وكذا فإن الرحيمية كما أنها تشمل أهل الإيمان يوم القيامة فكذلك تشمل البعض منهم في الدنيا، وهذه حالة يحددها الله تعالى.
ولهذا لم تكن قسمة الرزق خاصة بالمؤمنين أو حتى بالبشر لأنها تشمل كل ذوي الأرواح وربما غير ذوي الأرواح أيضاً.
وهذه المعاملة لا شك تختلف عن معاملة المخلوقين لبعضهم البعض حيث يسعى بعض الناس إلى قتل الآخرين من الجوع، أما تعامل الله مع خلقه فهو معاملة خالق قوي وغني وقدير مع عبد ضعيف فقير مفتقر.
فلو أراد الله تعالى أن يعاملنا بالمِثل لقتلنا الجوع والعطش والألم، ولكن رحمته واسعة ولطفه كبير، وأمام هذا اللطف وتلك الرحمة لا ينبغي سوى الشكر فإن شكرنا فلأنفسنا نشكر ونؤسس وليس لله الغني عن طاعاتنا،قال تعالى(قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)
ولقد قرن الله الرزق بالسعي فلو جلس المؤمن في بيته يدعو ربه أن ينزّل عليه الرزق ولم يسعَ له فلن يصل إليه شيء لأن الرزق مقرون بالسعي وهذه هي سنّة الحياة، نعم يوجد هناك آداب يُستجلَب بها الرزق فيما إذا كان المرء ساعياً كمن يقرأ بعض السور والآيات التي لها هذا النوع من الأثر.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى