
قِصةُ مَوتِ سُلَيْمَان(ع)
(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)
لا يمكن للعقل البشري أن يدرك مدى عطاء الله تعالى لنبيِّه سليمان بن داود(ع) فقد سخّر له الريح تجري بأمره وكانت تحمله من مكان إلى مكان(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) فقد كان يقطع في اليوم الواحد مسافةً يحتاج قطعها إلى شهرٍ كامل من السير، وسخّر له الجن يصنعون له المحاريب والتماثيل والزخارف(يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ) وعلّمه منطق الطير(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) ووهبَه المُلك والنبوّة في آن واحد، وكان ذلك استجابة لدعاء سليمان(ع) الذي أراد من خلال هذا الملك العظيم أن يُثبت قدرة الله تعالى، ولم يكن هدفه من ذلك أن يتمتع بزخارف الحياة، فقد سأل ربه أن يهبه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وقد استجاب الله له وأعطاه كل ما يلزم لتأسيس دولة العدل ونشر التعاليم الإلهية في بقاع كثيرة من هذه الأرض(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)
فأعطاه الله سبحانه ما لم يعطِ أحداً من الناس، وقد استعمل سليمان كل تلك العطاءات في سبيل ربه، وكان يأمر الجن بالبناء، وكانوا يعملون ليل نهار حتى يُنجزوا ما طُلب منهم.
ولعل سليمان(ع) قضى على فكرة أنّ الفقراء هم الذين يؤمنون بالأنبياء فقط، وأنّ عطاء الله سبحانه لا حدود له، وما أُعطي سليمان لا يمكن لقارون ولا لمن هو أغنى منه أن يحصلوا على ذرة منه، فمُلك سليمان حقيقي، وملكهم شبهُ وهمي.
عاش سليمان(ع) طيلة حياته في تبليغ رسالة ربه ودعوة الناس إلى الإيمان، وقد خضعت له الملوك والأمم والشعوب لما له من الملك العظيم والقوة التي لا تضاهيها قوة من رجالٍ وأسلحةٍ وخيول أصيلة وحيوانات تعمل بأمره والجبال تسير معه والطير، ورغم كل هذه العطاءات لم يُكتب له البقاء، فقد جاءت ساعة موته ولا بد أن يرجع إلى ربه، وفي شأن سليمان(ع) أعطانا أمير المؤمنين علي سلام الله عليه أبلغ موعظة ولا بدّ من التأمل فيها حيث قال(ع): فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً، أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً، لَكَانَ ذلِكَ سُلَيْمانُ بْنُ دَاوُد َعَلَيْهِ السَّلامُ، الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، مَعَ النُّبُوَّهِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ، فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ ، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ المَوْتِ، وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً، َالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً، وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ:
ففي يومٍ من الأيام كان سليمان(ع) جالساً على كرسيٍ مرتفع وهو يتكئ على عصاه والجن تعمل بجد ونشاط، وحينها أدركه الموت الذي لا بُد منه فقُبضت روحه إلى بارئها وهو على تلك الحالة جالساً مفتوح العينين، وبعدما انتهت الجن من العمل الشاق دلهم على موته حشرة أكلت أسفل عصاه فسقط على الأرض فعلمت الجن بموته، وهناك اعترفوا بأنهم لا يعلمون الغيب وإلا لما لبثوا في هذا العذاب.
وهنا يتبين لنا كذب المنجمين الذين يدّعون الوصلة مع الجن وأنهم يمدونهم بعلم الغيب، فها هم الجن يعترفون بأنهم لا يعلمون الغيب، فلا يعلم الغيب إلا الله سبحانه فهو الذي يُطلع بعض عباده على شيء منه بإذنه.
وعلى قاعدة أنّ الشيء بالشيء يُذكر فقد ورد أنه عندما جاء عزرائيل إلى سليمان ليقبض روحه، قال له سليمان لما لم يرسل الله إليّ رسولاً يخبرني بدنو أجلي، فأجابه عزرائيل بأن الله تعالى قد أرسل له الكثير من الرسل ولكنه لم يتنبّه للأمر، فقال سليمان: كيف ذلك؟ قال عزرائيل: ألم تر الجنائز؟ قال بلى: قال تلك رسل الله إليك.
ونحن بدورنا نرى تلك الرسل في كل يوم ولكننا نتناسى أننا عما قليل سوف نُحمل إلى مثوانا الأخير، والعاقل هو الذي يعمل بتلك الإنذارات فيستغل كل لحظة من عمره في الطاعة وكسب الثواب حتى يكون في يوم القيامة من الفائزين.
الشيخ علي فقيه

