الأَدْعِيَةُ فِيْ القُرْآنِ الكَرِيْم

الأَدْعِيَةُ فِيْ القُرْآنِ الكَرِيْم
وردت مجموعة من الأدعية في كلام الله العزيز، ولا يعني ذلك أن الله سبحانه يدعو، حيث عرفنا بأن الدعاء يصدر من الداني إلى العالي، ولا يوجد مَن هو أعلى من الله جلّ وعلا، ولكنه تعالى ذكر تلك الأدعية من باب بيان ما كان يقوله المؤمنون من عباده، ومن باب هدايتنا إلى هذه الطريق المربحة وتعليمنا أرقى أنواع الأدعية.
فمن أدعية القرآن الكريم قوله تعالى في سورة البقرة(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
وفي نفس السورة(وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
ومنها قوله تعالى في سورة آل عمران(رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)
وفي سورة القصص(فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)
وهناك عشرات الآيات التي تحكي لنا أنواعاً راقية من الأدعية التي ينبغي الإهتمام بها وجعلها في مقدمة قاموس أدعيتنا.
مَفْهُوْمُ الدُّعَاءِ فِيْ القُرْآنِ الكَرِيْم
القرآن الكريم هو مصدر التشريع للبشر، ومنبع الخير بجميع أشكاله، وواحة القدس في صحراء الوجود، وما ورد في حقه فيه أو في غيره ما هو سوى عملية كشفٍ عن ماهيته، وإظهار لبواطنه العميقة، وبيانٍ لمعانيه الكبرى وتعاليمه الراقية وأبعاده السامية.
وخيرُ وصفٍ للقرآن بعد وصف نفسه ما قاله أمير المؤمنين علي(ع): وَإِنَّ الْقُرآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لاَ تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلاَتَنْقَضِي غَرَائِبُهُ، وَلاَ تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إلاَّ بِهِ:
وهذا يعني أنّ القرآن هو مصدر الهداية للناس، وأنّ الغاية من إنزاله هي نقلهم من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، وهذا ما صرّح به القرآن نفسه في قوله الكريم(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)
وهذا الكتاب العظيم الذي يهدي إلى الصراط المستقيم قد أعطى اهتماماً كبيراً ودوراً هاماً لموضوع الدعاء مما يجعل من هذا المفهوم موضوعاً واسعاً ومتشعباً، ومصدراً من مصادر الخير المطلق إذ لا يأمر القرآن إلا بالجميل، ولا يعظّم سوى العظيم.
ومن الملاحَظ للجميع أن القرآن الكريم كتاب يعنى بالشؤون الدينية والعبادية في الدرجة الأولى، فهو كما قلنا كتاب هداية وإرشاد ووعظ وتوجيه وبيان للحلال والحرام.
وقد لقي الدعاء اهتماماً ملحوظاً في هذا الكتاب المجيد من حيث بيان عظمة الدعاء، أو من حيث الإشارة إلى مفاهيمه ومراتبه، أو من حيث الدعوة إليه وبيان النتائج المتولدة عنه.
ولأجل عناية القرآن بهذه العبادة سوف يدور بحثنا هنا حول مفهوم الدعاء في القرآن الكريم.
ولا نريد أن نخصص هذا البحث في مجال واحد من مجالات الدعاء، وإنما سوف نأتي على ذكر بعض الآيات الحاكية عنه مع غض النظر عن الخصوصية التي تتعرض الآية لذكرها حتى تكون الفائدة من وراء هذا البحث أنفع.



