مُناسَباتُ شهر رمضَانَ المُبَارَك

مُنَاسَبَاتُ شَهرِ رَمَضانَ المُبَارَك
يوجد في شهر رمضان المبارك مجموعة كبيرة من المناسبات الهامة التي ينبغي أن نشير إليها ولو بشكل وجيز من باب الإحاطة بالفائدة، وهي:
فَتْحُ مَكَّة
منذ أن عُقد صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة بدأت النتائج الإيجابية تظهر للرسول والمسلمين، فلقد انضمت قبيلة خزاعة إلى صفوف المسلمين، وانضمت قبيلة كنانة إلى قريش، وقد تهيأت مقدمات الفتح للمسلمين حيث نشبت حرب بين القبيلتين عندما اقتحمت كنانة على خزاعة، ومن حينها بدأ أبو سفيان يشعر بحجم الخطر الذي أصبح محدقاً به، فذهب إلى رسول الله(ص) يكلمه فلم يرد النبي عليه شيئاً فحاول أن يتوسط له بعض الصحابة غير أن محاولاته كلها باءت بالفشل الذريع فعاد إلى مكة وليس في جعبته سوى خيبة الأمل، وأخذ الرسول(ص) والمسلمون يتجهزون لقتال المشركين في مكة حتى بلغ عدد المقاتلين المسلمين عشرة آلاف مقاتل، وقد كان النبي(ص) يخطط لعدم القتال داخل الحرم حفاظاً على حرمته، وفي الثاني من شهر رمضان عام عشرة للهجرة توجّه النبي وجيش الإسلام نحو مكة وطوقوها وأشعلوا النيران في الصحراء المجاورة لها فأدخل ذلك الرعب في قلوب المشركين وعلى رأسهم أبو سفيان الذي استسلم أمام قوة الرسول ونطق بالشهادتين مكرَهاً خوفاً على نفسه، وقد أمر النبي(ص) العباس ابن عبد المطلب بأن يقف إلى جانب أبي سفيان حيث تمر جيوش المسلمين ليرى بعينه عظمة الإسلام، فقال أبو سفيان للعباس: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً: فأجابه العباس بن عبد المطلب قائلاً: ويحك إنها النبوة: وقد دخل الرسول مكة المكرمة فاتحاً منتصراً من دون أن يحصل قتال بين الطرفين، وفي هذا الفتح قال الله تعالى في كتابه المجيد(إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)
الْبَيْعَةُ بِولايَةِ العَهْدِ للإِمَامِ الرِّضَا(ع)
وجّه المأمون العباسي دعوته للإمام علي بن موسى الرضا(ع) وطلب منه المسير من المدينة إلى خراسان مقر الخلافة، فاستجاب الإمام الرضا لذلك مكرَهاً، وقد صنع المأمون ذلك عندما أحدق الخطر بملكه وحكمه من قبل المعارضة العلوية اعتراضاً على سياسته، فرأى أن الطريقة الوحيدة للحفاظ على وضعه وللخروج من هذا المأزق هو مشاركة الإمام الرضا الذي كان رأس المعارضة العلوية، وعندما وصل الإمام إلى خراسان واستقبله المأمون عرض عليه القبول بولاية العهد فامتنع الإمام عن القبول بهذا العرض لعلمه بخلفيته، فقال له المأمون: إن عمراً جعل الشورى في ستة أحدهم جدك، وقال من خالف فاضربوا عنقه، ولا بد من قبول ذلك، فأجابه الإمام على ذلك واضعاً له شروطاً يضمن فيها الإمام وضعه الديني والسياسي ومكانته عند الله وعند الناس، والسبب في وضع تلك الشروط من قبل الإمام(ع) هو علمه بالخطة السياسية للمأمون والتي يريد أن ينفذها عبر تنصيب الإمام ولياً للعهد، وبهذه المناسبة أقام المأمون احتفالاً كبيراً وكان أحد خواصّ الإمام الرضا موجوداً وقد ظهرت على وجهه ملامح الفرح والإستبشار فقال له الإمام(ع) لا تشغل قلبك بهذا الأمر ولا تستبشر له فإنه شيء لا يتم، وراح المأمون ينشر خبر قبول الإمام بولاية العهد ليحصّن بذلك وضعه السياسي، وقد استبدل اللباس الأسود الذي هو شعار العباسيين باللباس الأخضر الذي هو شعار العلويين ليُحبِّب العلويين به ويغريهم بهذا السلوك، وقد حصلت تلك البيعة في السادس من شهر رمضان عام مئتين وواحد للهجرة.
وَفَاةُ أَبِي طَالِب(ع)
أبو طالب هو عبد مناف ابن عبد المطلب، وُلِدَ قبل مولد رسول الله(ص) بخمسة وثلاثين عاماً، وكان سيّد البطحاء وشيخ قريش ورئيس مكة، وقد تزوج من فاطمة بنت أسد، وهو أول هاشمي يتزوج من امرأة هاشمية، وقد رزقه الله تعالى بأربعة ذكور هم: طالب وعقيل وجعفر والإمام علي، وبفتاتين الأولى هي أم هانئ، والثانية: جومانة، وكانت فاطمة بنت أسد بمنزلة الأم للرسول(ص) حيث تربّى في حجرها وكان يناديها(أمي) فلقد توفي عبد الله والد الرسول والرسول لمّا يولد بعد، وعندما خرج إلى هذه الدنيا كفله جده العظيم عبد المطلب الذي أوصى به ولده أبا طالب عندما دنت منه الوفاة، وقد نفّذ أبو طالب وصية أبيه في ابن أخيه وكان يعامله كالأب العطوف وحافظ عليه من كل خطر وشر، فلقد توفي عبد المطلب ولرسول الله من العمر ثمان سنوات، ومن حينها كفله عمه أبو طالب وكان يُكنُّ له حباً شديداً ربما تجاوز حدود حبه له حب أولاده.
وعندما بعث الله رسوله بالهدى كان أبو طالب من أول المؤمنين به، ولكنه كان يكتم إيمانه ليستطيع المحافظة على ابن أخيه، فلم يكن أبو طالب يوماً عابداً للأصنام وإنما كان مؤمنا بالله على ملة أبيه إبراهيم الخليل(ع) ولذا عندما توفي هذا الرجل العظيم قال الرسول(ص) لعلي(ع) تولّى غسله وتكفينه وتحنيطه فإذا رفعته على سريره فأعلمني، فلما صنع علي ما أمره رسول الله(ص) إعترضه النبي وقال: جُزيتَ خيراً يا عم فلقد ربَّيتَ وكفِلْتَ صغيراً ووازرتَ ونصرْتَ كبيراً، ثم أقبل الرسول على الناس وقال: أنا والله لأشفعنَّ لعمي شفاعة يعجب لها أهل الثقلين.
وَفَاةُ السَيِّدَةِ خَدِيجَةَ بنْتِ خُوَيْلِد
لقد كانت السيدة خديجة من أعظم النساء في عصرها، ولقد أبدت من حبها للرسول والرسالة ما لم يبدهِ شخص آخر، فلقد قام الدين بمالها من جهة وبسيف علي من جهة ثانية،
وقد كان الرسول في البداية بأمس الحاجة إلى امرأة مثلها تبذل الغالي والنفيس في سبيل انطلاق الدعوة، فلقد كانت أول الناس إيماناً بما نزل على الرسول في غار حراء، لأنها أول من علم بنزول الوحي عليه، وقد بقيت مؤازِرة للرسول وللإسلام والمسلمين في جميع المراحل القاسية والظروف الصعبة التي مروا بها، لقد بقيت متمسكة بإيمانها العظيم حتى أدركها الموت الذي لا بد منه في العاشر من شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنوات، وقد دفنها الرسول في مكة المكرمة، وإن أعظم وصف لشأن تلك المرأة هو ما قاله رسول الله(ص) صدّقتني عندما كذّبني الناس، وواستني بمالها عندما حرمني الناس: وقد أطلق الرسول(ص) على العام الذي توفي فيه أبو طالب وخديجة(عام الحزن)
الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ المُهَاجِرِيْنَ وَالأَنْصَارِ
فَور وصول النبي الأعظم(ص) إلى المدينة المنورة بدأ ببناء أسس للدولة الإسلامية فبنى المسجد النبوي المعروف ليكون منطلَقاً له في جميع تحركاته، وفي الثاني عشر من شهر رمضان المبارك في السنة الأولى للهجرة آخى النبي(ص) بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين معاذ بن جبل وأبي ذر الغفاري، وبين حذيفة وعمار بن ياسر، وبين مصعب بن عمير وأبي أيوب، وبين سلمان وأبي الدرداء، وعندما آخى بين الجميع جاء أمير المؤمنين علي(ع) إلى الرسول(ص) وقال له: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال له(ص) أنت أخي في الدنيا والآخرة، وقد حصلت المؤاخاة وكانت من أقوى السياسات التي اتبعها الرسول(ص).
وِلادَةُ الإِمَامِ الْحَسَنِ المُجْتَبَى(ع)
إن الحديث عن الإمام الحسن بن علي عليهما السلام طويل ومتشعب البحوث والمواضيع والعناوين، ولذا نكتفي هنا بذكر تاريخ ولادته، فلقد ولد(ع) في الخامس عشر من شهر رمضان عام ثلاثة للهجرة.
غَزْوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى
تُعتبَر غزوة بدر أول معركة حصلت بين المسلمين والمشركين، وهي من أشهر الغزوات التي قادها النبي الأكرم(ص) ضد المشركين، ويعود سبب أهمية هذه الغزوة إلى حجم الإنتصارات التي حققها المسلمون بقيادة خاتم الأنبياء(ص) وإلى التأثيرات الإيجابية التي خلّفتها هذه الغزوة في نفوس المسلمين حيث رفعت من معنوياتهم وثبّتت الإيمان في قلوبهم، وهزّت كيان العدو، وقد غيّرت نظرة الأعداء تجاه المسلمين حيث أظهرت أن المسلمين يشكلون قوة لا يستهان بها.
وقد سميت هذه الغزوة (بغزوة بدر) لأنها وقعت على أرض بدر الواقعة بين مكة والمدينة وهي مكان سوق يتوافد إليه الناس من كل حدب وصوب، وقد كان عدد المقاتلين من جيش الإسلام في تلك الغزوة ثلاثمئة وثلاثة عشر مقاتلاً، وعدد المقاتلين من المشركين ألف مقاتل، وقد وقعت هذه الغزوة في السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة وقد استغرقت ساعات من نهار حيث بدأت عند الصباح وانتهت عند الظهر حيث دفن الرسول والمسلمون شهداءهم هناك، وواروا قتلى الأعداء التراب وكان عددهم سبعين قتيلاً، وقد أسر المسلمون منهم سبعين رجلاً ثم توجهوا نحو المدينة فرحين مسرورين بهذا النصر العظيم الذي تحقق على أيديهم بتأييد الله لهم، وفي تلك الغزوة قال تعالى(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)
وِلادَةُ الإِمَامِ الجَوَاد(ع)
وُلِد الإمام محمد الجواد(ع) لسبع عشرة ليلة مضين من شهر رمضان المبارك، وقيل في النصف منه عام مئة وخمسة وتسعين للهجرة، ونهض بالإمامة وعمره الشريف تسع سنوات، وهو الإمام التاسع من أئمة أهل البيت عليهم السلام.
جَرحُ الإمام عليٍّ(ع)
في التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام أربعين للهجرة تآمر معاوية وأعوانه على الإمام علي الذي لم يستطيعوا مواجهته وجهاً لوجه فأرسلوا إليه عبد الرحمن بن ملجم فاغتاله وهو ساجد في المسجد بعد أن سنَّ السيف وسمّه بأشد أنواع السُّم.
إستشهاد الإمام عليٍّ(ع)
وفي الحادي والعشرين من شهر رمضان عام أربعين للهجرة وبعد ضربه على رأسه الشريف بيومين نال ما سعى له طيلة حياته حيث منّ الله عليه بالشهادة التي طلبها في مواضع كثيرة، فلقد بدأ حياته في بيت الله عندما وضعته أمه داخل الكعبة، ونال الشهادة في بيت الله عندما كان ساجداً بين يدي ربه، وما بين الولادة والشهادة كان كل ما قام به من أفعال وأقوال وحركات وسكنات إنما كان لله خالصاً.
ومن مناسبات شهر رمضان المبارك، وفاة الحر العاملي والعلامة المجلسي رحمهما الله تعالى.
الشيخ علي فقيه



