
الصوم وقاية من السخط
إذا سأَلَنا أحدهم فقال: من هو العاقل؟ قلنا له هو الإنسان الذي يحتاط لنفسه ويحفظها من مهالك الدنيا ويخلصها من مخاوف الآخرة ويبحث عن تلك الوسائل والوسائط والوظائف بكل جدية ونشاط وتنبُّه، ويقوم بالواجب عليه ويبتعد عن الخطأ كبيرِه وصغيره في السر والعلن وفي السراء والضراء والبأس والرخاء.
وهذه الحياة الدنيا موضع لامتحان البشر فهي ممر يجتاز منه الخلائق إلى دار المقر، فالدنيا دار عمل ليس فيه حساب، والآخرة دار حساب ليس فيه عمل، ويوجد في الدنيا طرق يختلف بعضها عن البعض الآخر من حيث سهولة الإجتياز فيها وصعوبتها ومن حيث النهاية التي ينتهي عندها الأمر، فالعاقل ينظر في نهاية الطريق ولا ينظر في أولها حيث لا تغره الزخارف ولا تسيطر عليه الأوهام مهما سولت له نفسه اتباع الهوى ومهما وسوس له الشيطان الرجيم فهو لا ينخدع بسهولة ولا يقع بسرعة بسب تنبّهه للأمور، فقد تكون طريق النار مزينة بالورود ومضاءة بالشموع ولكن تلك الورود أشواك مؤلمة بصور الورد وألوانه، وتلك الشموع هي النار الكبرى التي ظنها السالك نوراً.
فالعاقل يبحث عن مواطن الراحة ومواضع الأمن الفعلي والحقيقي، وأقول الحقيقي لأن هناك مواضع يحسبها الإنسان آمنة وهي واقعاً في غاية الخطورة.
والمؤمن العاقل على وجه الخصوص يتعلم ويسأل ليميز بين الصحيح والفاسد والنافع والضار والخير والشر والحق والباطل ليسلك طريق النجاة في ظل أنوار العلم الذي حمله، وبهذه الطريقة يجتاز جميع مراحل الحياة بعيداً عن الإنزلاق في أودية الهلاك وتيارات المخاطر التي قد يدوم أثرها فيما إذا كانت من المخاطر الأخروية، فالمؤمن العاقل يبحث عن المواطن التي تجلب سخط الله عليه فيبتعد عنها ويحصّن نفسه منها كيلا يخسر آخرته التي هي الحياة الدائمة وهي القرار وهي دار الخلود فهو يسأل عن الأمور التي تُرضي عنه خالقه وعن الأمور التي تجلب له الغضب واللعنات فيفعل الأولى ويترك الثانية وبهذه الطريقة يفوز فوزاً عظيماً.
ومن أهم الأمور المحصنة للإنسان والمبعدة له عن السخط فريضة الصوم إذا أُتيَ بها على الوجه الصحيح بمعنى أن يقع الصوم خالصاً لله فلا يدخل إلى نية القربة إلى الله غيرها من النوايا التي تفصل بين العبد وإتمام أجره على العمل، فالصوم كما ورد جُنة من النار أي وقاية للصائم من العذاب في يوم الحساب، وعندما يعلم المؤمن بأن هذه العبادة تزحزحه عن النار فلا يسأل بعد ذلك عن جوع وعطش مهما طال أمده لأن المهم عنده حينئذ هو الوصول إلى تلك الغاية النزيهة وهي الخلاص من النار وهي الهدف الذي خلقنا الله لأجله لأنه تعالى خلقنا ليرحمنا لا ليعذبنا.
قال رسول الله(ص) عليك بالصوم فإنه جنة من النار وإن استطعت أن يأتيك الموت وبطنك جائع فافعل:
وفي موضع آخر قال(ص) الصوم جنة من النار: وقال: الصوم جنة ما لم يخرقها:
نفهم من هذا الحديث أن الصوم يحصّن الإنسان إذا وقع لله تاماً كما أراد الله أما إذا دخله الرياء والإهمال وعدم المبالات بأحكامه وعدم مراقبة ما يتممه وما يفسده فعند ذلك لا يكون للصوم هذا الأثر العظيم، فيجب أن يسعى الإنسان جاهداً لأن يُبقي صومه فعالاً ومانعاً من السخط كيلا يكون من الذين لم يرجع عليهم الصوم سوى بالجوع والعطش.



