محاضرات

دروس في الوعظ والإرشاد الدرس الرابع عشر

لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً

قال تبارك وتعالى(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا * إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا)
وقال سبحانه(وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا * وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا)
إنّ الموت أمرٌ عظيم، وحدثٌ جليل، ومرحلة إنتقالية يجتاز بها الإنسان من مرحلة الدنيا إلى مرحلة البرزخ، فهو حَدَثٌ يفصل الإنسان عن هذه الحياة وينقله إلى حياة أخرى، وهو خروج الروح من الجسد، وهو باب الآخرة كما عبّر عنه الإمام علي(ع).
لقد خلق الله الموت والحياة لحكمة كبيرة كشف عنها في قوله الكريم(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)
والموت قيامة الإنسا لأنه يقوده إلى القيامة، وقد قال رسول الله(ص): إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته فاعبدوا الله كأنكم ترونه واستغفروه كل ساعة:
وإن للموت آثاراً على البشر الأحياء، فهم يرونه ويرون الموتى، فالميت لا ينتفع بموعظة الموت الذي نزل به لأن حياته قد خُتمت وأُغلق ملفه، أما الأحياء فهم الذين يستفيدون من رؤية الموتى أو العلم بموت فلان وفلان، وقد أشار الإمام علي(ع) إلى بعض تلك الآثار المتولدة عن الموت حيث قال: إن الموت هادم لذاتكم ومكدّر شهواتكم ومُباعد طيّاتكم زائرٌ غير محبوب وقَرنٌ غير مغلوب وواترٌ غير مطلوب قد أعلقتكم حبائله:
وهذه هي الحقيقة التي عليها أكثر الناس تجاه الموت، فإنه بطريق مباشر أو غير مباشر يفعل فعله داخل الإنسان سواء أراد أن يتعظ أم لم يرد ذلك، فهو يذكّر الإنسان بنهايته القريبة ومصيره الحتمي مما يجعل الدنيا صغيرة في عينه، وشهواتها حقيرة في نظره، والموت يزور الجميع ولكنه زائر لا يرحِّب به سوى القلة لأنه مبغوض من قبل الكثيرين.
وهو في ذات الوقت غالب غير مغلوب إذ لا يستطيع أي مخلوق في الوجود أن يفر من الموت إذا حلّ أجله، ولقد قيّدت الأمر بقولي إذا حلّ أجله لأن الإنسان قبل ذلك يستطيع أن يفر من بعض أسباب الموت.
وعن علي(ع) أنه قال: إن لله ملَكاً ينادي في كل يوم: لدوا للموت واجمعوا للفناء وابنوا للخراب:
ويقول الرسول(ص): الموتَ الموتَ ألا ولا بد من الموت جاء الموت بما فيه جاء بالرَّوح والراحة والكَرّة المباركة إلى جنة عالية لأهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم، وجاء الموت بما فيه بالشِّقْوة والندامة وبالكرّة الخاسرة إلى نار حامية لأهل دار الغرور الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم…
ويقول زين العابدين(ع): أشد ساعات ابن آدم ثلاثُ ساعات، الساعةُ التي يعاين فيها ملك الموت والساعة التي يقوم فيها من قبره والساعة التي يقف فيها بين يدي الله تبارك وتعالى فإما إلى الجنة وإما إلى النار.

فلو فكّر الإنسان قليلاً في بدايته ونهايته لرجع إلى رشده، ولو فكّر في حقيقة نشوئه وأصل خلقته لاحتقر نفسه ونظر إلى الدنيا بالعين التي ينبغي النظر إليها فيها.
فلو جلس الإنسان بينه وبين نفسه للحظات لا يُشغله فيها شيء عن نفسه وربه، وتفكّر في تلك اللحظات بخَلقِه وخَلْق ما حوله من أنواع الحيوان والنبات والجماد لأدرك الواقع الذي لا بد من إدراكه، إن التفكر يوصلك إلى ما لا يوصلك إليه غيره لأن التفكر عبادة المخلصين الصادقين المحبين لله عز وجل الذين امتدحهم ربهم عندما ذكرهم في محكم كتابه العزيز قائلاً(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
أيها الإنسان.. إن ما ينتظرك عند الموت وبعده شديد للغاية، وموحش إلى درجة عالية، يصعب علينا وصفها، ويعجز اللسان عن بيانها، لهول المنظر وصعوبة الموقف، فهل نسيت أن أمامك عقبات لا يخلصك منها سوى رضا الله عنك؟ وأن رضا الله لا يُنال إلا بالطاعة والإخلاص؟ كيف يمكن لك أن تجتاز تلك الصعوبات ولم تدعم الموقف برضا الله عنك ورحمته لك حيث لا يخلصك من تلك المشاهد والمواقف سوى الرحمة الإلهية فقط إذ لا واسطات، ولا محسوبيات، ولا شيء تفتدي به هناك.
لا شك بأن الأمر حرج والموقف صعب، ولن نستطيع نحن بكلماتنا أن نصوّر لكم حقيقة ذلك الموقف، ولكن الإمام السجّاد(ع) صوّره لنا من خلال فقرات وردت في أشهر الأدعية الواردة عنه حيث يقول(ع): وَارْحَمْني صَريعاً عَلَى الْفِراشِ تُقَلِّبُني اَيْدي اَحِبَّتي، وَتَفَضَّلْ عَلَيَّ مَمْدُوداً عَلَى الْمُغْتَسَلِ يُقَلِّبُني صالِحُ جيرَتي، وَتَحَنَّنْ عَلَيَّ مَحْموُلاً قَدْ تَناوَلَ الاَْقْرِباءُ اَطْرافَ جَِنازَتي، وَجُدْ عَلَيَّ مَنْقُولاً قَدْ نَزَلْتُ بِكَ وَحيداً في حُفْرَتي، وَارْحَمْ في ذلِكَ الْبَيْتِ الْجَديدِ غُرْبَتي:
فمهما استبعد الإنسان قدوم الموت فإنه سوف يلاقيه، ومهما حافظ على نفسه من أسباب الهلاك فلا بد وأن تأتي لحظة يفارق فيها هذه الدنيا بسبب اعتيادي أو بسبب غير اعتيادي، والجميع موقنون بالموت وبحلوله ولكن الأكثرين منهم يظنونه بعيداً وهو أقرب لهم من أنفسهم.
قال الإمام علي(ع): إحذروا عبادَ الله الموت وقربَه، وأعدوا له عُدَّته، فإنه يأتي بأمر عظيم وخطب جليل، بخيرٍ لا يكون معه شرٌ أبداً، أو شرٍ لا يكون معه خير أبداً، فمن أقربُ إلى الجنة من عاملها، ومن أقرب إلى النار من عاملها:
وقال(ع): إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى:
وقال: من رأى الموت بعين يقينه رآه قريباً:
وقال: الرحيل وشيك: ولا غائب أقرب من الموت: وأوقات الدنيا وإن طالت قصيرة، والمُتعة بها وإن كثرت يسيرة:
إنّ أوضاع البشر عند الموت مختلفة، فمن كان مطيعاً لربه كان من أهل السعادة، ومن كان عاصياً لله ومنقاداً لما تمليه عليه نفسه الأمارة بالسوء فلا شك بأن وضعه عند الموت سوف يكون مختلفاً تماماً عن وضع المؤمن المخلص، فقد سُئل الإمام علي(ع) عن هذه الحالة فقال: على الخبير سقطتم، هو أحد ثلاثة أمور يَرِدُ عليه، إما بِشارة بنعيم الأبد، وإما بِشارة بعذاب الأبد، وإما تحزين وتهويل وأمرٌ مبهَم لا يَدري مِن أي الفرق هو:
وقد أشار الإمام الحسن(ع) إلى هذه الحقيقة عندما قال: أعظمُ سرورٍ يَرد على المؤمنين إذ نُقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد، وأعظم ثُبور على الكافرين إذ نُقلوا عن جنتهم إلى نارٍ لا تَبيد ولا تنفَد:
فالإنسان عند الموت إما أن يكون مطمئناً مستبشراً وإما أن يكون مشمئزاً حزيناً كئيباً.
وباستطاعة كل إنسان أن يرسم مصيره بيده من خلال التزامه بنهج الحق في هذه الحياة والإبتعاد عن معصية الله عز وجل.
وأمر البشر محيِّرٌ تجاه الموت، فمنهم من يحبه ومنهم من يكرهه، ومنهم من يخافه، ولكل واحد من هذه المشاعر سبب هو الذي دفع بصاحبه نحو تلك النظرة الخاصة تجاه الموت، فلا يجب على الإنسان أن يُحب الموت، بل يجب أن يستعد له ويمهد الطريق لنفسه أمام العقبات التي سوف تعترضه عند الموت وبعده، وأما الذي يحب الموت فينبغي أن نسأل عن سبب حبه للموت، هل أنه أحب الموت نتيجة يأسه من الحياة؟ أو هو حب لقاء الله والخوف من ارتكاب المعصية؟
وأما مسألة كره الموت فإن كثيراً من الناس يكرهونه حتى بعض المؤمنين.
فبعضهم يكره الموت لأنه سوف يحول بينه وبين متاع الدنيا.
وبعضهم يكره الموت لأنه سوف يفصل بينه وبين أهله وأولاده وأحبته وهو في نفس الوقت مستعد له قد عمل في دار الدنيا ما يخفف عنه عقبات الموت وما بعده.
وأما مسألة الخوف من الموت فهذا أمر طبيعي فلا يخرجه خوفه من الموت عن دائرة الإيمان لأن الطبيعة البشرية تفرض عليه الخوف من مثل هذه الأحداث التي سوف يرى فيها ما لم يره في دار الدنيا، وأسباب الخوف من الموت كثيرة، فمنهم من يخافه لخوفه من تبعات الذنوب التي ارتكبها في حياته، ومنهم من يخاف الوحدة والوحشة في ذلك البيت الجديد والمسكن الموحش، ومنهم من يخاف الموت لأنه عملية انتقال من مرحلة إلى مرحلة، ومنهم من يخافه لخوفه من النتيجة.
قال الإمام زين العابدين(ع) : لما اشتد الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب(ع) نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم، لأنهم كلما اشتد الأمر تغيرت ألوانهم وارتعدت فرائصهم ووَجبتْ قلوبهم، وكان الحسين(ع) وبعضُ مَن معه من خصائصه تُشرقُ ألوانهم وتهدأ جوارحهم وتَسكُنُ نفوسهم فقال بعضهم لبعض: أنظروا.. لا يبالي بالموت، فقال لهم الحسين(ع) صبراً بَنِي الكرام فما الموت إلا قَنطرةٌ تَعبُر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر:
وقد سُئل الإمام الجواد(ع) عن علة كراهة الموت فقال: لأنهم جهلوه فكرِهوه ولو عرفوه وكانوا من أولياء الله عز وجل لأحبوه، ولَعلِموا أن الآخرة خيرٌ لهم من الدنيا، ثم قال(ع) يا أبا عبد الله ما بال الصبي والمجنون يمتنع من الدواء المُنقّي لبدنه والنافي للألم عنه؟ قال لجَهلهم بنفع الدواء، ثم قال: والذي بعث محمداً بالحق نبياً إن مَن استعد للموت حقّ الإستعداد فهو أنفع له من هذا الدواء لهذا المتعالِج، أما إنهم لو عرفوا ما يؤدّي إليه الموتُ من النعيم لاستدعَوه وأحبوه أشدَّ ما يستدعي العاقلُ الحازمُ الدواءَ لدفع الآفات واجتلاب السلامات:
قال رسول الله(ص) : الموت ريحانة المؤمن: وقال: تحفة المؤمن الموت: وقال(ص): الموت كفارةٌ لكل مسلم…
وقال علي(ع): أفضل تحفة المؤمن الموت: وكأنه(ع) يريد أن يقول لنا إن المؤمن يستأنس بالموت أكثر من أي شيء آخر، والسبب في هذا الإستئناس هو معرفته للموت.
واعلموا أيها الأحبة بأنّ هذه الحياة مليئة بالمتناقضات والمتضادات في جميع مراحلها وعوالمها، ففيها العاقل وغير العاقل، وفيها المحسن والمسيء، والعالم والجاهل، والمؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، والقوي والضعيف، والعزيز والذليل، والغني والفقير، والصحيح والسقيم، والجميل والقبيح، والظالم والعادل، والقانع والطامع، وما لا يمكن حصرُه أو إحصاؤه.
إنّ موت الأبرار راحة للأبرار، ولكنه ليس راحة لأصحاب الضمائر الحية، ولذا ورد في الحديث عن علي(ع): موت الأبرار راحة لأنفسهم، وموت الفجار راحة للعالَم: وفي ذات هذا الشأن قال رسول الله(ص) : مستريحٌ ومستراحٌ منه، العبد المؤمن يستريح من نَصَب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب:
وعنه(ص) أنه قال: الناس اثنان، واحد أراح وآخَر استراح، فأما الذي استراح فالمؤمن إذا مات استراح من الدنيا وبلائها، وأما الذي أراح فالكافر إذا مات أراح الشجر والدواب وكثيراً من الناس:
فالكافر أو العاصي هو الذي يندم ندماً شديداً بعد الموت، وذلك عندما يدرك نهايته الوخيمة، ومدى العذاب الذي سيُلقى فيه، وهناك وفي ذلك الموقف الرهيب يتمنى الكافر لو أنه كان تراباً بدل أن يكون إنساناً، وهذا التمني لوحده يكشف لنا عن شدة الموقف في يوم القيامة.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى