أشْرَارُ النَّاس

مَنْ هُمْ شرُّ النَّاس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين
من اللازم على المؤمن خصوصاً أن يتعرف على طرق الحياة خيرها وشرها كيلا يقع في أفخاخ الشيطان الغوي فيركب الخطأ بشعور أو بغير شعور وهو يحسب نفسه بعيداً عن مواضع الخطأ فإذا ارتكب الإنسان هذه الممارسة الضالة والمنحرفة عن قوانين الإله وأنظمة الشريعة كان مصداقاً واضحاً لقوله تعالى(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) وهؤلاء نموذج من نماذج شر الناس وهذا ما يجب التنبه له والحذر منه كيلا تلازمنا هذه الوصمة التي نستحق عليها العذاب في يوم القيامة.
وشر الناس ليسوا منحصرين في فئة من الناس أو بأهل مذهب خاص وطائفة معينة بل هم موجودون في كل فئة ومنتشرون في بقاع الأرض من أقصاها إلى أقصاها وقد أشار القرآن الكريم إلى نموذج من نماذج عدم معرفة الخير والشر وهو يعني أن الذي يجهل هذين المفهومين ومواردهما قد يقع في الشر أو قد يصبح من أهل الشر حيث قال سبحانه في سورة البقرة(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)
فمن الناس من ينظر إلى موضوع القتال نظرة لا تتلاءم مع نظرة الشريعة له فهو يرى بأن القتال شر لأنه قد يصاب بجروح في المعركة أو قد يقتل، ولكن الله تعالى يخبرنا بأن هذا الأمر الذي نحسبه شراً ليس في الحقيقة كذلك وإنما هو الخير بعينه لأن آثاره على الناس في الدنيا والآخرة عظيمة وكريمة وهو أحد أكبر أسباب الحفاظ على الوجود والقيم والمبادئ والكرامات والمعتقدات والإقتصاد وغير ذلك مما يرغب الإنسان في تحقيقه.
ومن هذه النماذج أيضاً ما جاء في سورة آل عمران حيث يحدثنا القرآن عن البخلاء الذين يظنون بأن البخل سبب من أسباب الخير لهم ومن أسباب جمع الثروات وهو في الحقيقة شر كبير فقال تعالى(وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فالأمر يقاس بالنتيجة من وراء العمل أو السلوك فإذا كانت النتيجة خيراً كان العمل من الخير وإن كان ظاهره شراً وإلى ذلك يشير أمير المؤمنين(ع) بقوله: ما خير بخير بعده النار وما شر بشر بعده الجنة وكل نعيم دون الجنة فهو محقور وكل بلاء دون النار عافية.
الطريق إلى المعرفة
قال أمير المؤمنين علي(ع): إن الله سبحانه أنزل كتاباً هادياً بيّن فيه الخير والشر فخذوا نهج الخير تهتدوا واصدِفوا عن سمت الشر تَقصِدوا:
فمن أراد أن يعرف طرق الخير والشر ويميز بينهما فليرجع إلى القرآن الكريم الذي فيه خبر ما قبلنا ونبأ ما بعدنا فهو الفرقان بين الحق والباطل والخير والشر، ومن دون الرجوع إلى هذا الكتاب العظيم لا يؤمَن على الإنسان من الضياع والإنحراف عن جادة الطريق.
فإن الله سبحانه وتعالى أنزله كتاباً هادياً ومرشداً بهدف تعليمنا وتوجيهنا نحو ما فيه الخير لنا في الدنيا والآخرة فمن أخذ بالقرآن وسلك نهجه القويم فقد أفلح وفاز ومن تخلف عنه أو عن ىية واحدة منه فقد خسر خسراناً مبيناً لأنه النافذة الوحيدة التي نعبر من خلالها إلى الرضوان والخير المطلق.
ولكي نفهم أعماق وخفايا وأسرار هذا الكتاب لا بد من الرجوع إلى أهل العلم به وهم القرآن الناطق محمد وآله(ص) فهم الذين أعطاهم الله تعالى علم القرآن وهم أعلم خلق الله به على الإطلاق، وحديثنا هنا حول من هم شر الناس، فقد قال أمير المؤمنين علي(ع): إن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وضُل به: وهذه حقيقة نعيشها يومياً وفي كل لحظة من لحظات أعمارنا لأن الأرض منذ أن شهدت الجنس البشري لم تخل من هذا النوع المنتشر في جميع بقاع الأرض، وهذه حقيقة في غاية الخطورة لأن العالِم يؤثر على قلوب الناس فإذا كان العالم فاسداً أفسد كل من حوله في مقابل العالم الصالح الذي نلاحظ صلاح غالبية المحيطين به، ولهذا ورد في الحديث: إذا فسد العالِم فسد العالَم.
والسبب في ذلك أن خطأ العالِم ليس محصوراً في شخصه بل هو متعد لغيره فكل خطأ يرتكبه العالم يعادل جرمه جرم عدد الذين يعملون بهذا الخطأ، وقد اشتدت الخطورة في هذه الأيام لأن العلماء في الماضي كانوا قلة قليلة وما زالوا حتى اليوم قلة بل هم أقل عدداً من الماضي غير أن الذين ارتدوا زي العالم في هذه الأيام أصبح عددهم هائلاً لأن الناس لا يميزون بين العالم ومرتدي لباس العالم فهم يعتبرون أن كل من ارتدى هذا الزي أصبح عالماً مع أن أكثرهم جهال لا يميزون بين حرف الألف وقضيب الرمان وهؤلاء خطاؤون على شكل الدوام وهم منتشرون في كل بلدة ومدينة بحيث أصبحنا لا نحصي لهم عدداً وليس الجميع يحملون هدفاً نزيهاً فإن منهم من ارتدى هذا الزي من أجل أن يخرب الدين باسم الدين وهذا النموذج هو الأكثر انتشاراً من غيره لأن الأكثرين ارتدوا هذا الزي من أجل المصالح الخاصة ومن أجل أن يصلوا إلى أهداف لا يستطيعون أن يصلوا إليها إلا عبر التستر بهذا الزي النزيه الذي يعني الحجة والمسؤولية والنزاهة والدين والخير المطلق.
ولأجل ذلك كان هؤلاء المجرمون من شر الناس لأنهم استعملوا أنزه صورة لتنفيذ أبشع الأهداف، وهؤلاء ليسوا المسؤولين الوحيدين على الساحة فإن هناك جهتين عليهما المسؤولية الكبرى الجهة الأولى هي الجهة القيمة على الأمر فهم الذين يجب أن يحذروا الناس من هؤلاء، والجهة الثانية هم الناس أنفسهم فلا يجب أن نخضع لأي شخص يرتدي هذا الزي بل يجب أن نسأل عنه ونراجع الجهات المختصة للتحقق من أمره قبل أن نأتم به في الصلاة وقبل أن نعطيه الحقوق الشرعية ونزوجه بناتنا فقد وقع كثير من الناس في شباك هؤلاء وزوجوهم البنات وها هم اليوم نادمون لأنهم لا يعرفون عنهم شيئاً بسبب تركهم للبلد من دون إخبار أحد وهناك قضايا كثيرة من هذا النوع تأتينا بين الفترة والفترة.
فإذا أردتم أن تحفظوا أنفسكم وتحصنوها من هؤلاء فاسلكوا نهج النبي وآله وتعلموا منهم فإنهم الوسيلة الوحيدة للخلاص من شر الدنيا والآخرة.
ولأجل ذلك حذرنا الإمام(ع) من هذا النوع المجرم فقال: إن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وضُل به:
أشرار الناس أنواع مختلفة
الأشرار من الناس أنواع مختلفة ويعود سبب الإختلاف إلى كثرة وجوه الشر وأنواعه فإن كل واحد من الأشرار يلتزم نهجاً من مناهج الشر أو أكثر بحسب ما يوسوس له الشيطان وبمقدار ما يكون لديه القابلية للخضوع.
ورغم كثرة أبواب الشر وأنواعه نجد بأن أبواب الخير أكثر ولكن أهل الخير قلة لأن الناس كما يقول الإمام الحسين(ع) عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت به معايشهم:
ومع ذلك لا يبقى لراكب الشر أي عذر أمام ارتكابه للخطأ لأن الله تعالى سوف يحتج عليه يوم القيامة بكثرة أبواب الخير التي ملأت الكون والتي لم يحص لها عدد بسبب كثرتها، ومن هنا ورد في الحديث: الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق: وفي حديث آخر بعدد نجوم السماء:
وقد حدثنا القرآن الكريم عن كثرة طرق الخير وكثرة سالكي طرق الشر عبر الزمن لأنه لم تشهد البشرية يوماً كان أهل الخير فيه أكثر من أهل الشر ولذلك يخبرنا أمير المؤمنين(ع) عن قلة أهل الخير بقوله: لا تستوحشوا من طريق الهدى لقلة سالكيه: وفي هذا المجال قال سبحانه وتعالى(أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)
وقال تعالى(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)
وقال تعالى(وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)
وقال سبحانه(وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)
هذه بعض النماذج القرآنية التي تخبرنا عن كثرة أهل الشر، ونحن بدورنا يجب أن نعرف ونتعرف على وجوه الشر وراكبيه حتى نحذر منهم كيلا نقع فيما وقعوا فيه فنكون من الخاسرين.
ومن جملة شر الناس من ذكرهم أمير المؤمنين علي(ع) بقوله: شر الناس من يتقيه الناس مخافة شره:
وأنت أيها الإنسان تارة تحترم الشخص لإحسانه وأخلاقه العالية ولكونه أهلاً للإحترام وأخرى تبدي له الإحترام ولا أقول تحترمه لأن هناك فرقاً بين أن تحترم الشخص وبين أن تبدي له ذلك بسبب أمر ما، وأبرز نماذج هذا الإحترام إحترامك للظالم كيلا يؤذيك بقول أو فعل أو أي أسلوب آخر، وهذا النوع من الإحترام متبادل كثيراً في أوساطنا لأن كثيراً ممن يحترمهم الناس لا يستحقون في الواقع ذرة من الإحترام ولكن الناس مجبورون على احترامهم من باب دفع الضرر، وهؤلاء المحترمَون بهذه الطريقة ليسوا قلة بيننا بل هم كثيرون وهم الذين يحمقون لأي أمر يحصل أمامهم، وكلنا نقع في هذا النوع من الإحترام الذي في الواقع نحترم به أنفسنا لأننا عندما نتقي شر الشخص فإننا بذلك نقي أنفسنا من الكلام الجارح أو من الفعل القاسي.
وهؤلاء لهم درجة سفلى في نار جهنم وإن كانوا يصلون ويصومون ويحجون لأن الإسلام الحنيف نهى عن ممارساتهم الظالمة وواعدهم العذاب عليها لأن المؤمن يجب أن يكون هيناً ليناً ومجمعاً للمؤمنين فإذا انفض الناس من حولك بسبب أخلاقك الشرسة فاعلم بأنك مبغوض عند الله سبحانه وتعالى، وقد أشار الله عز وجل إلى هذه الناحية عندما مدح نبيه الأعظم بقوله(ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)
فقد يكون صاحب هذا الخلق مسلماً وفاعلاً للواجبات، ولكن الدين لا يكتمل بفعل الواجب فقط وإنما يكتمل بالترفع عن كل المحرمات والمكروهات أيضاً، فقد يكون صاحب هذا الخلق إمام جماعة أو إمام بلدة أو مدينة والناس يأتمون به وهم لا يثقون به مخافة شره لأنه لا يتحدث إليهم بالحكمة ولا بالموعظة الحسنة وإنما يواجههم بالكلام الجارح وبالضرب في بعض الأحيان كما يحصل في العديد من المساجد.
وهذا النوع من شرار الناس أشر من شرار الناس لأنهم بشرهم يرتكبون الجرائم الأخلاقية والدينية والإنسانية باسم الدين الذي يتوهمون بأنهم يمثلونه وهم في الحقيقة لا يصلحون لأن يمثلةا أنفسهم.
الحذر من طرق الشر
يجب على كل مؤمن أن يتقي طرق الشر ويعمل جاهداً للإبتعاد عنها كيلا ينحرف عن الصراط القويم ويقع في الأفخاخ التي رصدها الشيطان الرجيم للإنسان، فكما يجب عليك أن تصلي وتصوم وتأمر بالمعروف فكذلك يجب عليك أن تكون حذراً من سطوات الشيطان وخدعه ومكايده، فإذا غفلت عن الشيطان لحظة أوقع بك وأذهب لك أجر عملك الصالح وإن كان كثيراً فإن خطأً واحداً قد يذهب بجميع حسناتك، ومن هنا كانت الطاعة صعبة ومحفوفة بالمكاره، فقد ينقلك الشيطان بلحظة واحدة من مطيع إلى عاص ومن مؤمن إلى كافر ومن مظلوم إلى ظالم، والظالمون شرار بل هم من جملة شر الناس فقد قال أمير المؤمنين علي(ع) : شر الناس من يظلم الناس:
وظلم الناس لا ينحصر بنوع واحد من أنواع الظلم فإن أنواعه كثيرة الطرق ومتعددة الوجوه، وظلم الناس أمر خطير للغاية لأن تبعاته لا تزول إلى بطلب المسامحة من المظلوم فإذا أردت أن تتوب إلى الله تعالى فإن قبول توبتك متوقف على طلب المسامحة من الذين ظلمتهم بقول أو فعل أو إشارة، فقد يغفر لك ربك الشأن المتعلق به كما لو كنت تاركاً للصلاة ثم أردت أن تتوب وتقضي، أو كنت مستطيعاً للحج فلم تلب دعوة ربك وندمت على التقصير فتجد الله تعالى تواباً رحيماً، أما إذا كان لأحد الناس حق عليك مادياً كان أو معنوياً فلا تقبل منك التوبة إلا بعد أن تعتذر ممن ظلمتهم وتعيد إليهم حقوقهم، وقد أشار الإمام علي(ع) إلى هذه الناحية عندما كان يعلّمنا معنى الإستغفار الحقيقي حيث قال: وأن تعمد إلى حقوق المخلوقين فتعيدها إليهم ثم بعد ذلك قل أستغفر الله.
ومن نماذج هذا الظلم الغيبة فإنك إذا ذكرت مؤمناً فيما لا يحب أن يُذكر وأردت أن تتوب فيجب عليك أن تذهب إلى من اغتبته وتتاسمح منه فإذا لم يسامحك كانت تلك مشكلة كبرى عليك.
ومن هنا يظهر لنا بأن ظلم الناس شر عظيم ويجب أن نكون حذرين من ظلمهم إذا كنا نخشى الله ونذكر اليوم الآخر ونرتجف من الوقوف بين يدي الله تعالى للحساب.
والظلم قبيح بوجوهه الثلاث، ظلم الإنسان لربه زظلمه لنفسه وظلمه للآخرين، أما ظلمك لربك فقد تزول آثاره وتنمحي تبعاته إذا تبت إلى الله توبة نصوحاً، وكذلك الأمر في ظلمك لنفسك لأن مرده للأول فأنت عندما تظلم نفسك فهو يعني أنك تظلم ربك الذي له حق الطاعة عليك.
ولكن المشكلة الكبرى تكمن خلف ظلم الناس لأن المظلوم قد يتحجر قلبه تجاهك فلا يسامحك وهذا يقف حائلاً بينك وبين قبول توبتك فيجب عليك أن تحاول الإعتذار منه مرات ومرات وترجع له حقه حتى تحصل على المسامحة لأن الأمر في غاية الخطورة، فإما نعيم دائم وإما عذاب سرمدي، ومن هنا كان شر الناس من يظلم الناس.
غُشُّ الناس شرٌ كبير
إذا نظرنا إلى الأحكام الإلهية التي وردت في الكتاب والسنّة وتأملنا فيها ملياً نجد بأنها وردت كذلك من أجلنا من أجل أن نعيش بسلام وأمان واطمئنان فلا أحد يحق له أن يظلم أحداً بأي نوع من أنواع الظلم مهما كان حجمه كبيراً أو صغيراً لأن الإسلام وضع أجمل وأرقى أنواع المناهج للحياة السعيدة، ونقصد بالحياة السعيدة تلك التي تكون معبراً للسعادة الأبدية في يوم المحشر.
والتأسيس لحياة سعيدة له مقدمات صعبة وثمن كبير لأن الجنة التي نبغي الحصول عليها لا تدرك بالتمني ولا تنال بالخيال والوهم ومجرد الشوق لها فإذا لم يدفع الإنسان ثمنها لا يمكن أن يحصل عليها، وليس في هذه المعادلة ظلم للبشر فهذا عين العدالة، ودين الإسلام يتميز عن باقي الأديان بطريقته الخاصة في التعاطي مع المحسن والمسيء فهو لا يغلق الباب في وجه المسيء مهما تمادى في إساءته بل يبقي له المجال مفتوحاً حتى يعاين الموت فإذا تاب قبل أن يعاين الموت قبل الله منه التوبة، أما بعد المعاينة فالأمر مشكل وهو يعود إلى الله تعالى الذي إن شاء قبل التوبة أو ردها على صاحبها، وفي قبال هذا التعاطف وفتح المجال نرى بأن دين الإسلام متشدد حول أمور لا بد وأن نتشدد عليها من باب ردع المسيء عن الإساءة فهو لا يتعامل مع المسيء كما يتعامل مع المحسن بل هو ينظر إلى المسيء على أنه ظالم لنفسه ولغيره وأنه يجب أن نتعاطى معه بالطرق التي رسمها القرآن الكريم لننهاه عن المنكر إما باليد أو باللسان، وبمعنى أوضح إن الإسلام الحنيف دين الحق الذي قال الله فيه (إن الدين عند الله الإسلام) لا يضحك في وجه المسيء وإنما يؤنبه على إساءته ويحذره من البقاء على ما هو عليه بل ويتوعده إن استمر أو تمادى في الإساءة، ومن جملة الأمور التي نهى عنها الإنسان بشدة واعتبر فاعلها من شر الناس مسألة غش الناس وهو من الأمور المحرمة إنسانياً قبل أن تكون محرمة دينياً لأن الإنسانية السليمة بنفسها ترفض هذه الممارسة الشنيعة وتعتبرها اعتداءاً على حقوق الآخرين، ولذلك قال أمير المؤمنين علي(ع): شر الناس من يغش الناس: ونلاحظ هنا بأنه(ع) لم يخصص الأمر في فئة معينة فلم يقل من يغش المسلمين وإنما قال من يغش الناس وإن كانوا من غير المسلمين فإن المسلم لا يغش أحداً ولو كان عدوه في المعتقد.
وهذا الغش ليس محصوراً بالأمور المالية فقد يحصل الغش بالعلم والتوجيه والسياسة والأمن بل وفي كل شيء، وفي الجميع كان الغش محرماً وفاعله من شر الناس.
ولكن أكثر نوع من أنواع الغش انتشاراً في المجتمعات هو الغش المالي والتطفيف المذموم هو وفاعلوه على لسان القرآن الكريم الذي طالما نهانا عن الغش بجميع أشكاله ومراتبه، قال تعالى(وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)
وقال سبحانه(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
وهذا النهي عن الغش يعود إلى آلاف السنين فلقد نهى جميع الأنبياء أقوامهم عن ممارسة الغش لأنه أمر مبغوض عند الله سبحانه وتعالى وهو ضرب من ضروب الشر ومظهر من مظاهر الفساد الديني والأخلاقي والإجتماعي.
وقد اعتبر الفقهاء عملية الغش من كبائر الذنوب لأنها في الحقيقة كذلك فهي تغرب نفسية الإنسان وتفسد له دنياه وآخرته وتحطمه بين الناس وتبقى هذه الصفة ملازمة له وإن مات.
الإستهتار من الشر
هناك خصلة إذا وجدت في الإنسان حطمته ووضعته وأنزلته إلى مستوى لا يليق به أن ينزل إليه وهي الإستهتار بشكل عام والإستهتار بالذنب بشكل خاص، فهناك أشخاص فقدوا كراماتهم ورضوا بالذل لأنفسهم أمام الناس لأن همهم الوحيد هو أن يعيشوا ويأكلوا ويشربوا من دون أن يلاحظوا كيف يعيشون بعز وكرامة أو بذل وهوان وكيف ينظر الناس إليهم هل هم في نظر الناس من البشر أم أن الناس تعتبرهم حيوانات وعجماوات.
إن هذا الأسلوب في طلب العيش من دون مراعاة الآخرين أو من دون المبالات فيما يقوله الآخرون يجعل الإنسان من شر الناس فقد ورد عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: شر الناس من لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً:
فإذا اتصف المرء بهذه الصفة فقد أنبأ عن جوهر بعيد كل البعد عن الله سبحانه وتعالى لأن الذي لا يبالي بما يقوله الناس في ذنبه وإساءته معناه أنه لا يبالي بما قاله الله وأمر به أو نهى عنه، وهذا الذي لا يستحي من الذنب هم لا يستحي من الله سبحانه وتعالى وهو متجرؤ على ربه ومتهاون بالعقاب، وقد ورد أنه من أشد الذنوب ما استهان به صاحبه لأن الإستخفاف بالذنب يجعله من الكبائر وإن كان في الواقع ذنباً صغيراً.
فيجب على الإنسان أن يحترم آراء الناس فيه وأن ينقل إليهم عن نفسه صورة جميلة فإن من صفات المؤمن أن يحافظ على ماء وجهه بين الناس، فمن لم يبالي بالناس فلا يكون منهم.
ومن شر الناس أيضاً أولئك الذين لا يشكرون الخالق والمخلوق على صناعة الجميل والمعروف معهم، وهذا المنكر للجميل لو عرف ما في شكر النعمة لشكر المنعم، فإن شكر النعمة سبب في زيادة اتلعطاء والرزق، فقد قال سبحانه(ولئن شكرتم لأزيدنكم) وقيل وبالشكر تدوم النعم، وورد في الحديث أنه من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق.
وهذا يعني أنه يجب أن تبادر المنعم عليك بالشكر العملي أو الشكر اللفظي إذا عجزت عن القيام بالأول، أما إذا اعتبرت معروف المنعم عليك واجباً عليك فقد أخطأت وأسئت لأنه صنع معك معروفاً لم يكن من واجبه صنعه ولكنه أحب أن يخدمك إنسانياً ودينياً فكان من الواجب عليك أن تشكره لأن شكر النعمة صفة يحبها الجميع فهي تعوض على المنعم جزءاً من حقه وهو لا يريد منك أن ترد له الجميل، غاية ما في الأمر أنه يحب أن يسمع منك كلمة طيبة تشجعه على صناعة المعروف مع غيرك، أما إذا أصريت على عدم الشكر فقد تكون سبباً في منع المعروف.
قال علي(ع): شر الناس من لا يشكر النعمة ولا يرعى الحرمة: ورعاية حرمة الناس أمر هام للغاية في عالم الشرائع السماوية وهتك الحرمة أمر مبغوض ومحرم يجب تركه من دون قيد أو شرط.
الشر درجات
كما أن للخير مراتب ودرجات بحسب نوع الخير الذي يصنعه الفرد مع الآخرين فكذلك الشر فإن له مراتب ودرجات بحسب نوع الشر وحجمه ومدته، فهناك خير وخير منه، وهناك شر وشر منه، وهناك شخص شرير وشخص أشر ويعود سبب هذا التفاوت إلى نوعية الشر الذي يقوم به هذا أو ذاك، ومع ملاحظة الأحاديث الشريفة الواردة عن النبي وآله(ص) في شأن بيان الشر وأهله ندرك وجود هذا التفاوت، ومن جملة هذه الأحاديث قوله(ص): شر الناس من باع آخرته بدنياه، وشر من ذلك من باع آخرته بدنيا غيره:
ونحن لا نرى عجباً في وجود هذا السلوك السيء لأننا نرى ونسمع عن حالات كثيرة من هذا النوع وبالخصوص أولئك الذين يرتكبون الجرائم من أجل أن يرضى عنهم بعض الحكام والمسؤولون فهم على أتم الإستعداد لأن يرتكبوا أفظع أنواع الجرائم في سبيل أن ينالوا رضا الناس، وشر الناس من أرضى الناس في غضب الله عز وجل.
فقد يبيع الإنسان آخرته بدنياه فيترك الواجب ويفعل الحرام كمن يترك الصلاة ويفطر عمداً، وقد يبيع آخرته بدنيا غيره كما لو طلب منه الصديق أو الحبيب أن يشرب معه الخمر أو يرتكب معه نوعاً من أنواع الحرام فلا يستطيع أن يرفض طلبه فيقوم بما أمره به من دون أن يبالي بغضب الله عز وجل، وهذا النوع أشر من النوع الأول الذي باع آخرته بدنياه، فإن الذي يبيع آخرته بدنياه فقد ربح الدنيا وخسر الآخرة أما الثاني فقد خسر آخرته ولم يربح دنياه فهو أشد خسارة من الأول بل هو أشد ظلماً منه، فلو فكر الإنسان قليلاً في خطورة موقفه يوم القيامة لرجع إلى الصواب وادارك الأمر قبل أن يفوت الأوان لأن الفرصة موجودة طالما أنه على قيد الحياة فإذا أدركه الموت فقد خسر الدنيا والآخرة وعند ذلك يقتله الندم حيث لا ينفعه ندمه ولا عذره فيطلب من اله تعالى أن يرجعه إلى الدنيا مرة أخرى ليعمل صالحاً ويبتعد عن كل المحرمات فيأتيه الجواب الصارم من قبل الله عز وجل كلا إنها كلمة هو قائلها أي أنه لا مجال للعمل بعد ذلك لأن الدنيا هي دار العمل والإمتحان أما الآخرة فهي دار الحساب فلا عمل فيها ولا امتحان لأن الفرصة للإنسان هي الدنيا فقط، قال تعالى(حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ)
السعي بالإخوان
قال أمير المؤمنين(ع): شر الناس من سعى بالإخوان ونسي الإحسان:
كثير من الناس يتبعون الهوى ويتناسون الهدى ويرتكبون الأخطاء الجسيمة في حق أنفسهم بالدرجة الأولى وفي حق مجتمعاتهم أفراداً وجماعات بالدرجة الثانية، وهذه الأخطاء التي يرتكبونها إما أن تكون بهدف التدمير والتخريب وإما بهدف التسلية وإضاعة الوقت واللعب بأعصاب الناس كمن يزرعون الفتن ويختلقون الأكاذيب ويزرعون الشر في صفوف الناس فهم يحبون أن يروا الناس مشتتين ومتعادين يحقد بعضهم على البعض الآخر لأن هؤلاء لا يشعرون بالحياة إلا إذا رأوا الناس على تلك الحالة من الضياع والكراهية، وهذه الشريحة من الناس منبوذة ومقبوحة في نظر العقل والشرع لأن أخطر وأقبح أنواع الشر هو أن تلقي الفتن في صفوف الناس فإن آثار الفتن قد تكون أقبح مما يتصور صانع الفتنة، وربما يكون مازحاً في فتنته ولكن آثار فتنته لا تفهم المزاح فقد تودي بحياة الآخرين ومن هنا اعتبر القرآن الكريم بأن الفتنة أشد وأكبر من القتل لأنها تقتل النفوس والقلوب قبل أن تقتل الأرواح، قال تعالى في سورة البقرة(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) وفي نفس السورة قال سبحانه(وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)
وكثير من الناس لا يبالون بآثار الفتنة التي يحدثونها بين الآخرين فقد يكون ذلك من هواياتهم وأياً يكن السبب في إلقاء الفتنة فهو أمر فظيع وعمل إجرامي يعاقب فاعله عليه يوم القيامة، فهم يحدثون الفتنة والنميمة ويقعون في الغيبة وذكر الآخرين بما هو موجود فيهم وما ليس موجوداً وهو المعبر عنه بالبهتان في القرآن الكريم.
وهذا هو معنى السعي بالإخوان أي أن هذا الشخص الذي يعتبر من شر الناس يسعى لإلقاء الفساد بين الناس، وفي نفس الوقت فإن شر الناس من ينسى الإحسان، وترك الظلم والعصيان هو الإحسان بعينه لأن الإنسان يكتب محسناً ما دام لا يفعل القبيح.
وعلى هذه النوعية من الناس أن يخشوا الله تعالى ويعلموا بأن الله تعالى سوف يعذبهم عذاباً أليماً إذا لم يقلعوا عن تلك الممارسات ويخشوا ربهم في خلقه ويتوبوا إليه من ذنوبهم.
يجب أن يأخذ هؤلاء الموعظة ويعملوا بمضامينها كي ينجوا من العذاب ويربحوا الآخرة، أما إذا أصروا على ممارساتهم الظالمة فسوف يواجهون يوم القيامة من المخاوف والعذاب أشد مما يتصورون.
شر الناس مَن لا يُؤمَن شره
لسنا من هواة الإطالة في الكلام والإسهاب في البيان فإن خير الكلام ما قل ودل، ولكن الأمر المبحوث عنه هنا يحتم علينا الإطالة من باب الإحاطة بالفائدة، والكلام عن شر الناس بأصله يتفرع عنه البحوث تلو البحوث وذلك لكثرة الشر وأهله بل لشدة أثر الشر على المجتمع والفرد بل على البشرية جمعاء، والحديث عن الشر بشكل عام ليس حديثاً إسلامية فقط فهو غير موقوف على أهل دين بعينه بل هو من الأمور التي يستقبحها الجميع من مسلمين وغير مسلمين لأن صناعة الشر يعتبر من المحرمات العامة التي تَوَافق الجميع على قبحها فهي محرمة عقلاً وإنسانياً قبل أن تكون محرمة في الشرائع السماوية.
ومن جملة تلك النماذج الشريرة قوم لا يؤمل منهم الخير ولا يؤمن شرهم، وهؤلاء ورد التحذير منهم عبر بيان أنهم شر الناس كما قال أمير المؤمنين(ع) شر الناس من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره:
وإن كثيراً من الناس قادرون على صناعة المعروف ونشر الخير على الناس وبينهم ولكنهم لا يقومون بالخير لأن الشيطان استحوذ على قلوبهم فأنساهم ذلك، ويا ليتهم لم يصنعوا الخير فقط وإنما لا يؤمن شرهم على الناس فهم بدل أن يكونوا مصدر خير للآخرين كانوا مصدر الشر لهم، والإنسان الذي لا يؤمل منه الخير ولا يؤمن منه الشر فهم من شر الناس وبطن الأرض خير له من ظاهرها لأن الإنسان يقاس بإحسانه وأخلاقه الفاضلة فإذا لم يكن الإنسان من أهل الإحسان بل كان من أهل الإساءة لم يكن إنساناً بل هو حيوان مفترس ينقض على فريسته من دون رحمة ولا شفقة، ونحن في أيامنا هذه نعيش وسط هذه المجموعات التي تحولت إلى أيدي شر وعبدة للشيطن الغوي فلقد عبدوا الشيطان وادعوا أنهم يعبدون الرحمن ولا صلة بينهم وبين الله بوجه من الوجوه لأن الممارسات التي يقومون بها لا يرضى بها رب العالمين تبارك وتعالى.
وهناك أشخاص مسيؤون ولكنهم في بعض الأحيان يمدون يد العون للناس وذلك في حالات خاصة يشعرون بها في اللحظات المؤثرة، أما شر الناس فلا يؤمل منهم الخير على الإطلاق ولا يؤمن شرهم على الإطلاق فهم يتحيلون الفرص وينتهزونها ويجهزون للإنقضاض على الضعفاء متى سمحت لهم الفرصة بذلك أمثال أولئك الذين يدعون الإيمان وهم يقتلون الناس يوميا بحجة أن قتل هذه المجموعة يدخلهم الجنة، وهناك عناوين أخرى يقتلون بها الأبرياء لا تصلح أن تكون حجة لهم في يوم الحساب، هؤلاء مفسدون في الأرض ويدعون بأنهم من أهل الصلاح وهم لا يعرفون الصلاح ولا الإصلاح على الإطلاق وهؤلاء هم أخبث وأنجس عصبة شهدها الوجود البشري لأن أقبح الناس هو الذي يستعمل غطاء الخير في فعل الشر، فكيف يؤمل الخير من أشخاص يقتلون الأطفال والنساء والشيوخ من دون سبب أو مبرر.
عدم العفو من الشر
من صفات أهل الإيمان العفو عن المسيئ وستر العيوب، فإن شر الناس من يفعل عكس ذلك، وقد ورد عن أمير المؤمنين(ع) قوله: شر الناس من لا يعفو عن الزَّلة ولا يستر العورة: وطالما حدثنا النبي وآله(ص) عن ضرورة العفو مع المقدرة لأنها تنبئ عن نفسية عالية وروحية جميلة في جوف المرء، ولطالما قرّبونا من مزاولة هذه الصفة لكونها تعطي الآخرين عنا صورة جميلة نوصل بها حقيقة الإسلام إليهم.
فقد ورد في أحاديث كثيرة أن من علامات المؤمن أن يعفو عمن ظلمه، وها هو إمامنا زين العابدين(ع) يحثنا على العفو فيقول في دعائه: اللهم إنك أنزلت في كتابك العفو وأمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا وقد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا فإنك أولى بذلك منا: ونحن عندما نعفو عن الآخرين فإننا لا نفعل ذلك ببلاش ومقابل لا شيء وإنما نعقد بذلك صفقة رابحة مع الله تبارك وتعالى لأننا إذا عفونا عن المذنبين فسوف يعفو الله عنا لأننا مذنبون، وإذا كان العفو منا محتملاً فإن العفو من الله تعالى أكيد ويقيني الحصول لأنه خير العافين وأعظم الغافرين، وإننا وإن كنا نطلب مقابل عفونا عفو الله عنا فلا يعني ذلك أننا مستبدون بل يعني أننا نرجو عفو الله تعالى وهذا هو عين الإيمان والخشية من الله عز وجل، وهذا ما يحبه الله تبارك وتعالى.
فإذا عفوت أيها الإنسان عمن ظلمك وكنت ظالماً لنفسك فتأمل العفو من الله لأنه أكرم منك بل هو أكرم الأكرمين بشرط أن يكون عفوك عن الناس قربة لله تعالى، أما إذا لم تكن هذه النية موجودة لديك حين العفو فلا يكون عفوك أمراً عبادياً، ولذلك ينبغي عليك أن تراقب ربك في كل ما تقول وتفعل وتعقد نية القربة إليه حتى يكتب لك الثواب المفروض على العمل.
فمن صفات المؤمن العفو عن المسيء، ومن صفات شر الناس عدم العفو، وهناك خصلة أخرى وجدت في أهل الشر وهي حب فضح الناس وكشف عيوبهم، ونلاحظ بأن الإسلام الحنيف قد نهى بشدة عن كشف عيوب الناس معتبراً ذلك من كبائر المحرمات، وقد شجعنا رسول الله(ص) على ستر عورات الناس فقال:لو وجدت مؤمناً على عيب لسترته بثوبي: وفي حديث آخر لسترته بثوبي هذا: ولكننا نجد كثيراً من الرجال والنساء من المسلمين والمسلمات يعقدون مجالس الغيبة والنميمة وفضح الناس حيث أصبحت الغيبة فاكهتهم فلا يهنأ لهم بال حتى يكشفوا عورات خلق الله وهذا أمر فظيع للغاية وعليه عذاب شديد في يوم القيامة فلا تنفع معه صلاة ولا صوم ولا حج ولا صدقة ولا غيرها من العبادات لأنها ليست عبادات في الأصل طالما أن صاحبها يقدم على الحرام، ولكي تكون العبادة عبادة حقيقية يجب على فاعلها أن يقيمها بشرطها وشروطها، ومن أهم شروط قبول العبادة أن يكون العابد بعيداً عن الفحشاء والمنكر.
نصر الظالم
إن مزاولة الشر بشكل متكرر يجعله هيناً ليناً وخفيفاً في نظر فاعله، فالقيام بالشر في المرة الأولى يكون شديداً ولكن هذه الشدة تقل في المرة الثانية وما بعدها حتى لا يبقى لفعل الشر أثر في نفس فاعله فيصبح فعله عنده كشربة ماء بارد في الحر الشديد، وأكثر من ذلك أن هذا الشرير يتأقلم مع الشر فيصبح جزءاً من حياته ووجوده بحيث لا يهدأ له بال إلا إذا فعل الشر كما يحكى عن كثير من الملوك والحكام قديماً وحديثاً أنهم كانوا لا يشعرون بالراحة في يومهم إلا إذا ظلموا الناس.
ولو خُلي الإنسان ونفسه مستعملاً فطرته السليمة لما أقدم على الشر إطلاقاً ولكنه عندما يدير مسامع نفسه وآذان قلبه للشيطان الغوي فلا شك بأنه سوف يفعل القبيح ويقع في المحذورات الشرعية والخلقية والإنسانية لأن الشيطان الرجيم هو الشر المطلق ومن يمشي خلف الشيطان ويأتمر بأوامره فسوف يكون مثله في الظلم والغواية والضلال والإنحراف.
وهذه الحياة مليئة بالظلم ومحشوة بالشر، وأكثر الناس قد لاوموا الشر وابتعدوا عن الخير حيث وجدوا مصالحهم الخاصة كامنة خلف اتباع الشر ولم يفكروا في العاقبة الوخيمة فإنهم لو فكروا قليلاً لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق ولكنهم آثروا الهوى على الهدى وباعوا الآخرة بالأولى فكانوا شر الناس كما قال أمير المؤمنين(ع): شر الناس من يعين على المظلوم: فيجب على الإنسان بما هو إنسان، أي بغض النظر عن كونه مؤمناً أو غير مؤمن أو مسلماً أو غير مسلم أن يتحرك نحو نصرة المظلوم والوقوف في وجه الظالم لأن في ممارسة هذا الدور تعبيراً عن المشاعر السليمة التي يتمتع بها كل إنسان إذا لم يعمل بنفسه على تغييرها وتبديلها.
ولا مبررلعدم نصرة المظلوم فإذا كنت عاجزاً عن نصره فلا حول ولا قوة إلا بالله أما أن تكون يداً على المظلوم بدل أن تكون عوناً له فهذه هي الجريمة الكبرى التي يخلفها عقاب شديد وعذاب أليم، فإذا كنت قادراً على الدفاع عن المظلوم فيجب عليك أن تدافع عنه أما إذا كنت عاجزاً لسبب من الأسباب فيجب أن يكون قلبك رافضاً للظلم، وهذا يظهر لنا بكل وضوح شر الإعانة على المظلوم، ومن علامات المؤمن أنه يعين المظلوم على الظالم وليس العكس، والإعانة على الظلم حكمها عند الله تعالى كحكم الظلم وربما أشد لأن الظالم له من ظلمه هدف قد لا يستطيع تحقيقه إلا عن طريق الظلم، أما المعين على الظلم فهو أشد قبحاً من الظالم لأنه في الغالب يعين الظالم ليرضى عنه.
فكما كان صانع الخير والساعي له والراضي به شركاء في الأجر والثواب فكذلك فاعل الشر والساعي له والراضي به سيان عند الله تبارك وتعالى.
ويجب علينا أن نعمل بمقتضى ما ورد عن أئمتنا(ع) اللهم اجعلني للظالم خصماً وللمظلوم عوناً:
وقال أمير المؤمنين(ع) شر الناس من ادّرع اللُّؤم ونصر الظلوم:
مراقبة عيوب الناس
لقد أمرنا الله تعالى بالتعلم والسؤال قبل الوقوع في الخطأ والشعور بالندم فإن عدم الوقوع في الخطأ أولى من الندم بعد ارتكاب السيئة، فقد أمرنا ربنا بالسؤال من أجل أن نحصن أنفسنا ونجلب الرحمة لها في الدنيا قبل الآخرة، فلا عذر للإنسان في يوم الحساب إذا كان مقصراً في حياته فإن هناك فرقاً كبيراً بين القاصر والمقصر فإن القاصر هو الذي يريد أن يتعلم ولكن الظروف المحيطة به قد تكون مانعة له، أما المقصر فهو الذي تهيأت له الظروف والمقدمات ولكنه لم يسأل تقصيراً منه فهذا حكمه عند الله تعالى حكم المتعمد لفعل الخطأ.
قال تعالى(واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وهذا أمر واضح لا يقبل الشك ولا يرضى بالعذر، ولذا ورد أن المقصر يأتي يوم القيامة فيسأله ربه قائلاً عبدي لما لم تعمل فيقول إلهي ما علمت فيقول له تعالى لما لم تتعلم.
والسبب في الدعوة إلى السؤال وطلب العلم هو أن هناك أعمالاً وأقوالاً قد لا يلتفت صاحبها إلى كونها مبغوضة عند الله سبحانه وتعالى فيرتكبها وربما يأتيه الموت قبل أن يسأل عنها أهي حلال أم حرام، وربما يحيط به الخطر إذا كان مقصراً ومتهاوناً بمسألة السؤال عن حكم فعله وقوله.
وهناك أشخاص يراقبون أخطاء الناس ويعدون عليهم عيوبهم من باب التعيير والإستخفاف وهم في الوقت نفسه يرتكبون نفس الأخطاء أو ما هو أعظم من أخطاء الآخرين، وإن نفس مراقبة أخطاء النس بهذا الهدف هو عمل محرم ومبغوض، وهناك أشخاص يرون القشة في عيون الآخرين ولا يرون العمود في أعينهم وكأنهم في أنفسهم منزهزن عن الخطأ مع أنهم لو تأملوا قليلاً في ممارساتهم لوجودوها حراماً على حرام، ولكنهم فتحوا أعينهم على أخطاء الآخرين وأغمضوها عن أخطائهم فوقعوا فيما عبّر عنه الإمام علي(ع) بأنه شر حيث يقول: شر الناس من كان متتبعاً لعيوب الناس عمياً لمعايبه:
وهذا النوع من الناس منتشر في كل المجتمعات من دون استثناء فمنهم من يراقب عيوب الناس ليستعمل عيوبهم ذريعة لنفسه فيقول إذا وقع في نفس العيب ليس عليّ ذنب ألا ترون فلاناً المؤمن أو العالم وقع في هذا العيب، ومنهم من يراقب عيوب الآخرين بهدف الإستنقاص والتعيير كما قلنا في البداية، ومنهم من يراقبهم هواية، وفي جميع الأحوال فإن مراقبة عيوب الناس وانشغالنا عن عيوب أنفسنا أمر قبيح عن الله تعالى وهو الشر بعينه كما أخبرنا الإمام(ع).
ومن جملة شر الناس من يحب الغوائل في الناس ويعشق نزول المصائب عليهم، فقد قال أمير المؤمنين(ع) شر الناس من يبتغي الغوائل للناس:
الخشية من الناس دون الله تعالى
في البداية نسأل الله العلي القدير أن يجيرنا وإياكم من شر أهل الشر، وأن ينجينا من كيدهم وحقدهم والخطر المتوقع منهم، ونسأله تعالى أن يفتح بصائرنا كي نميز بين الخير والشر وكيلا تشتبه الأمور علينا فتكون العاقبة سيئة والنتيجة قاسية ووخيمة، فهناك أشرار كثر يحدقون بأهل الخير ويضمرون لهم كل كراهية ويحفرون لهم الحفر العميقة والمظلمة كي يقعوا فيها فلا يستطيعون الخروج منها بعد ذلك، وعدد الأشرار أكثر من عدد الشرور حيث قد يجتمع مئات آلاف من الناس على شر واحد ولكن كل واحد منهم يقوم به على طريقته الخاصة.
وهناك نوع من شرار الخلق يضعون على وجوههم أقنعة مزيفة يوهمونك بأنهم مؤمنون وأنهم يخشون ربهم سراً وعلانية ولكنهم في الحقيقة لا يخشون سوى الناس وهم مصداق لقوله سبحانه(فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) ولقوله عز وجل(أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ)
ولذلك قال أمير المؤمنين(ع): شر الناس من يخشى الناس في ربه ولا يخشى ربه في الناس: إنها عبارات معبرة ومفصحة عن الحق والواقع الذي عليه كثير ممن يدعون مخافة الله وهم في واقع الأمر لا يخافون سوى الناس، فلماذا يخشى الإنسان الناس ويحسب لهم حساباً مميزاً على حساب دينه ومعتقده فهو يخشى أن يبوح بما عنده كيلا ينفروا منه أو يعتبروه غريباً إن هو قال الحق وعمل به، فلماذا يخاف الناس فيما أمر الله به ونهى عنه ولا يخاف الله نفسه فيما أمره ونهاه.
وهذا النوع من شرار الخلق ليس نادر الوجود بل هو كثير الإنتشار حيث أنك تجده في كل زمان ومكان بل تجده بشكل كثيف، ويا ليتهم يخشون الله بالحجم الذي يخشون به الناس، بماذا ينفعكم الناس يوم القيامة إذا أوقفكم ربكم للحساب، وبماذا سوف تجبون ربكم إن سألكم عنهم، بالطبع لن تجدوا مبرراً ولن تعثروا على جواب مقنع فحينئذ تندمون ويحكَم عليكم بالعذاب لأنكم خشيتم الناس في ربكم ولم تخشوا ربكم في الناس، فإذا أردتم أن تغيروا المعادلة فاعكسوا الأمر واجعلوا كل خوفكم في الله ومنه وأن الأمر يرجع كله لله وحده.
فهناك العديد من الناس يخافون أن يراهم الناس على المعصية ولا يخافون أن براهم الله عليها، وإذا أردنا أن نفسر الأمر نجد أن الذي يدفع بهم إلى هذا الفعل إنما هو الضلال والإنحراف والإستخفاف بأمر الله عز وجل.
والإستخفاف بأمر الله تعالى ذنب لا كفارة له لأنه في نظر شريعة السماء جريمة عظمى لا تغفر إلا بالتوبة النصوح.
كيف نتهاون بأمر الله وهو خالقنا ورازقنا والعالم بأسرارنا وما سيكون من أمرنا، بل كيف نواجهه بالمعصية وهو يواجهنا بالإحسان بل كيف نعصيه وهو يرانا وكيف نعصيه ونحن نأكل من رزقه ونسكن بلاده أليس ذلك استخفافاً به؟
وأذكر هنا فقرة للإمام السجاد(ع) حيث قال: خيرك إلينا نازل وشرنا إليك صاعد:
وكذلك يوجد نوع من شرار الناس وهم الذين يرون أنفسهم أنهم خير الناس وأفضلهم وهذا عجب لا دواء له فيجب على المؤمن أن يستصغر نفسه ويتواضع ويتهم نفسه دائماً حتى يلزمها في إصدار الخير، قال علي(ع): شر الناس من يرى أنه خيرهم:
وقال أمير المؤمنين علي(ع) شر الناس الطويل الأمل السيء العمل:
فلقد وضع علي(ع) معياراً وميزاناً لهذا التعاطي بحيث لا يضر قصر الأمل بحياة الفرد كما لا يضر طول الأمل بدينه حيث قال(ع): إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كانك تموت غداً:
فيجب عليك كمسلم أن تعمل لدنياك وآخرتك معاً لا أن تهمل الدنيا فإن عليك واجبات تجاهها يجب أن تؤسس وتبني وتعمل وكأنك سوف تخلد فيها، وفي مقابل هذا البناء والتأسيس يجب عليك أن تشعر وكأنك ملاق ربك الساعة وهذا من شأنه أن يبعد الإنسان عن المحرمات لا أن يقعد به ويميت نفسيته كما يحاول البعض أن يصوروا واقع الأمر للآخرين.
ولقد أشار الإمام(ع) إلى كون طول الأمل المذموم هو الذي يدفع بصاحبه نحو العمل السيئ حيث قال: شر الناس الطويل الأمل السيء العمل: فإذا كان صاحب الأمل الطويل حسن العمل فهو صاحب الدين والإستقامة والخير.
ومن شرار الناس مَن وصفهم رسول الله(ص) بقوله: شر الناس فاسق قرأ كتاب الله وتفقه في دين الله ثم بذل نفسه لفاجر إذا نشط تفكّه بقراءته ومحادثته فيطبع الله على قلب القائل والمستمع:
وقال(ص) لمعاذ: ألا أنبئك بشر الناس؟ من أكل وحده ومنع رِفده وسافر وحده وضرب عبده، ثم قال(ص) ألا أنبئك بشرٍ من هذا؟ من يبغض الناس ويبغضونه، ألا أنبئك بشرٍ من هذا؟ من يُخشى شره ولا يرجى خيره، ألا أنبئك بشرٍ من هذا؟ من باع آخرته بدنيا غيره، ألا أنبئك بشرٍ من هذا؟ من أكل الدنيا بالدين:
وقال علي(ع): شر أخلاق النفوس الجور:
وقال(ع): جِماع الشر في مقارنة قرين السوء:
وقال: جماع الشر اللجاج وكثرة المماراة:
وقال: الشر كامن في طبيعة كل أحد فإن غلبه صاحبه بطن وإن لم يغلبه ظهر:
وقال(ص) تكلفوا فعل الخير وجاهدوا نفوسكم عليه فإن الشر مطبوع عليه الإنسان:
وقال(ص) إن كان الشر في شيء ففي اللسان:
وقال الصادق(ع) الغضب مفتاح كل شر:



