مؤلفات

إِسْتِغْنَاءُ اللهِ تَعَالَى عَنْ خَلْقِه

إِسْتِغْنَاءُ اللهِ تَعَالَى عَنْ خَلْقِه

قال الإمام علي(ع) في مقدمة الخطبة التي وصف فيها المتقين:
: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لاَِنَّةُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ :
قبل البدء بالحديث عن صفات المتقين تجدر الإشارة إلى المقدمة العظيمة التي افتتح بها الإمام كلامه والتي تشتمل على أكثر من مبدأٍ عقائدي.
أما موضوع الخالقية المشار إليها في كلام الإمام فإن جميع العقلاء يعتقدون بخالقية الله عز وجل للأشياء لأنهم مفطورون على هذا الشعور الذي قال الله فيه(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) فلم يسمع البشر عبر تاريخهم بأن إلهاً غير الله قد بعث الأنبياء إليهم وأرسل الرسل إلى الأمم مبشرين ومنذرين، هذا الأمر لم يقم به سوى الله عز وجل الذي أرسل رسله بالتعاليم السماوية وسددهم بالمعجزات كعلامة على صدق ما يدعون الناس إليه، وهذا من أكبر الأدلة على كونه تعالى هو الخالق وهو الواحد الذي لا شريك له، فلقد أوجد الله خلقه من العدم وهذه هي القدرة اللامتناهية الممنوعة عن الخلق بل المفقودة لديهم لأنها من صفات الخالق وليست من صفات المخلوق الفقير إلى خالقه والمحتاج إليه في جميع مراحل الحياة، ولقد بيّن الله لنا ضعف المخلوق عبر قوله المبارك في سورة الحج(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)
والله عز وجل غني عن خلقه، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا معاند، فإن الله هو الغني العزيز ونحن الفقراء إليه، وهو تعالى ليس غنياً عنا فقط بل غني عن عبادتنا له لأن طاعاتنا لا تنفعه بل تنفعنا نحن في موازين يوم القيامة لأنها معيار الفوز هناك أو الهلاك.
فطاعتنا لا تنفع الخالق، ومعصيتنا لا تضره مهما كانت كبيرة وكثيرة فهو آمِن من ذلك لا يطاله منا شيء بتاتاً.
فالمطيع ينفع نفسه، والذي يعصي يضرها، قال تعالى(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) غاية ما في الأمر أننا إذا أطعنا فإن الله تعالى يعلم ذلك ويثيبنا عليه بسبب رحمته الواسعة ولطفه الكبير ليس أكثر، قال سبحانه(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وقال(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى