مؤلفات

الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَة

سِلْسِلَةُ المَوْتِ وَمَا بَعْدَ
الجزء السابع

الْقَبْرُ
أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَة

الشيخ علي فقيه

القَبْرُ وَسُكَّانُه

القبر: هو المكان الذي ندفن فيه الموتى، وهو المقر الأول بعد انتقال الإنسان من دار الدنيا إلى دار الآخرة، لأن القبر أول منازل الآخرة، وهو ذلك المكان الموحش الذي يُدخل الرعب إلى القلوب، وهو بيت الوحدة والوحشة والدود والغربة كما عبّر عن ذلك أمير المؤمنين(ع) لدى عودته من صفين ومروره على مقبرة في ظهر الكوفة حيث قال(ع): : يا أهل الديار الموحشة والمحالّ المقفِرة والقبور المظلمة يا أهل التربة يا أهل الغربة يا أهل الوحدة يا أهل الوحشة أنتم لنا فَرَط سابق ونحن لكم تَبَع لاحق أما الدور فقد سكنت وأما الأزواج فقد نكحت وأما الأموال فقد قُسِمت هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أمّا لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أن خيرُ الزاد التقوى:
والقبر موعظة لنا، وتذكير باليوم الذي سوف ننتقل به من الدور والقصور فنصبح من سكان القبور، ننتقل من ضوء إلى ظلام، ومن سعة إلى ضيق، ومن أنس إلى وحشة، ومن بين الأهل والأحبة إلى الوحدة والوحشة، حيث لا حسيس ولا أنيس ولا جليس، وهو المقر الذي قال النبي(ص) فيه:إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده ليس أقل منه:
وقال(ص) :أول عدل الآخرة القبور، لا يُعرف وضيع من شريف:
وقال(ص) :ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه:
وهو البيت الذي قال فيه الصادق(ع):إن للقبر كلاماً في كل يوم يقول أنا بيت الغربة أنا بيت الوحشة أنا بيت الدود أنا القبر أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار:
ويقول الباقر(ع) واعظاً: أنظروا إلى هذه القبور سطوراً بأفناء الدور، تدانَوا في خِططهم، وقرُبوا في مَزارهم، وبَعُدوا في لقائهم، عمّروا فخربوا وأَنِسوا فأُوحِشوا، وسكنوا فأُزعجوا، وقطنوا فرحلوا:
وفي بيان القبر وأخذ العظة منه قال أمير المؤمنين(ع): يا ذَوي الحِيل والآراء والفقه والأنباء، فكأنكم بالنفوس قد سُلبت وبالأبدان قد عَريت، وبالمواريث قد قُسّمت، فتصير يا ذا الدلال والهيبة والجمال إلى منزلة شعثاء ومحلة غبراء فتُنَوَّمُ على خدك في لحدك في منزل قل زواره وملّ عمّاله حتى تُشقَّ عن القبور وتُبعثَ إلى النشور:
وقال علي(ع) : ضع فخرك واحطُط كِبرَك واذكر قبرك فإن عليه ممرك:
فالقبر هو المكان الذي سوف نوضع فيه عندما تخرج أرواحنا من أجسادنا، وما علينا أمام تلك الأوصاف له والمواعظ منه إلا أن نسأل عما يهوّن علينا وطأته وشدته، فنسرع للعمل حيث لا يؤنسنا فيه إلا عملنا الصالح، فإن للمؤمن في القبر حالة خاصة، وإن الله تعالى يخفف عنه، أما غير المؤمن فيا ويله ويا حسرته مما سوف يمر عليه من الشدائد في تلك المحنة، وفي هذه العاقبة قال(ص) : إذا حُمل عدو الله إلى قبره نادى من تبعه يا أخوتاه إحذروا مثل ما وقعت فيه إني لأشكوا إليكم دنيا غرتني حتى اطمأننت إليها صرعتني:

الإمَامُ عَلِيٌّ(ع) يَصِفُ أَهْلَ القُبُور

مهما حاولنا أن نصف لكم أحداث القبر والبرزخ فلن نصل إلى حقيقة الأمر لأنها من الغيب الذي اختص الله تعالى بعض الخواص بمعرفته، فلو اجتمع جميع علماء الأرض لمعرفة نظام واحد من أنظمة ما بعد الموت لما أثمرت جهودهم شيئاً.
ولكن الله تعالى منَّ علينا بأئمة عظماء كرام معصومين قد أرشدوا الأمة إلى الخير المطلق، وها هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) يعظنا عن طريق ذِكْرِ أحوال صرعى القبور فيقول:
: أُولئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ، وَفُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ، الَّذِينَ كَانتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزِّ، وَحَلَبَاتُ الْفَخْرِ، مُلُوكاً وَسُوَقاً، سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَخِ سَبِيلاً سُلِّطَتِ الاَْرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ، وَشَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لاَ يَنْمُونَ، وَضِماراً لاَ يُوجَدُونَ، لاَ يُفْزِعُهُمْ وُروُدُ الاَْهْوَالِ، وَلاَ يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ الاَْحْوَالِ، وَلاَ يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ، وَلاَ يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ، غُيَّباً لاَ يُنْتَظَرُونَ، وَشُهُوداً لاَ يَحْضُرونَ، وَإِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا، وَآلاَفاً فافْتَرَقُوا، وَمَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ، وَلاَ بُعْدِ مَحَلِّهِمْ، عَمِيَتْ أخْبَارُهُمْ، وَصَمَّتْ دِيَارُهُمْ، وَلكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً، وَبِالسَّمْعِ صَمَماً، وَبِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً، فَكَأَنَّهُمْ فِي ارْتِجَالِ الصِّفَةِ صَرْعَىسُبَات، جِيرَانٌ لاَ يَتَأَنَّسُونَ، وَأَحِبَّاءُ لاَ يَتَزَاوَرُونَ، بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَا التَّعَارُفِ، وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الاِْخَاءِ، فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَهُمْ جَمِيعٌ، وَبِجَانِبِ الْهَجْرِ وَهُمْ أَخِلاَّءُ، لاَ يَتَعَارَفُونَ لِلَيْل صَبَاحاً، وَلاَ لِنَهَار مَسَاءً. أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً، شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا، وَرَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا، فَكِلا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَة ، فَاتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ. فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَمَا عَايَنُوا، وَلَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ، لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ، وَسَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ، وَتَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ، فَقَالُوا: كَلَحَتِ الْوُجُوهُ النَّوَاضِرُ، وَخَوَتِ الاَْجْسَادُ النَّوَاعِمُ، وَلَبِسْنَا أَهْدَامَ الْبِلَى، وَتَكَاءَدَنَا ضِيقُ الْمَضْجَعِ، وَتَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ، وَتَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ، فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا، وَطَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا، وَلَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْب فَرَجاً، وَلاَمِنْ ضِيق مُتَّسعاً:

المَوْعِظَةُ وَنَتَائِجُهَا

كل إنسان في هذه الحياة يوجد لديه قابلية للعبرة والموعظة، فلقد خلقه الله كذلك ليستفيد الدروس والعبر من خلال بعض المسموعات والمرئيات والمحسوسات وبعض المشاعر الداخلية، فقد خلق الله تلك القوة في داخل كل إنسان لتستقيم حياته ويستمر عيشه بالشكل السليم، فمنهم من يُنمّي تلك القوة بداخله بحيث تصبح أكثر تأثراً وأسرع اعتباراً عند وجود الموعظة، وهذه الحالة النفسية لا تختص بفئة دون أخرى، فهي تعني الإنسان بما هو إنسان، وليس بما هو مسلم أو مسيحي أو مجوسي، ولذا نجد بعض النصارى يتأثرون بالموعظة بينما يوجد بعض المسلمين لا يتأثرون بها حيث ألغوا دور الموعظة في نفوسهم، فهم يسمعونها بآذانهم فقط، ولا تعيها قلوبهم.
والموعظة نوعان: نوع للدنيا ونوع للدين، أما النوع الأول: فهو كمن ينصح أحداً بمساعدة هذا الفقير أو هذا اليتيم فيساعده لأن قلبه تأثر بكلام الناصح من دون أن يراقب في ذلك مسألة الأجر والثواب والحساب والعقاب والجنة والنار، وأما النوع الثاني: فهو الذي يتعلق بأمر الآخرة وهو الأهم في مراحل الموعظة وهو الأنفع والأبقى للمتعظ لأن آثار الموعظة للآخرة تعود بالمنفعة الحقيقية الدائمة على صاحبها حيث تدعوه إلى تصحيح سلوكه في الحياة، والتقديم لما بعد الممات.
ولذا نجد فاقد هذا الإحساس منبوذاً لدى الناس الذين يعبِّرون عنه بالمتحجر أو قاسي القلب أو اللئيم المتشدد الذي لا رقة في قلبه ولا إنسانية لديه، وهذا يكشف لنا بوضوح أن إعمال هذه القوة هو من الصفات الإنسانية المحضة التي وجدت في الإنسان تكويناً، فلولا هذه المنة الإلهية لخسر جميع الناس أنفسهم يوم القيامة لأن أكثر العاملين إنما يعملون نتيجة لتلك القوة المسمات بالموعظة أو الإعتبار.
فإذا فقد هذه القوة أو أهملها فلن ينتفع بأية موعظة بعدها، وقد ورد في الحديث:من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ: والشواهد على هذه الحقيقة كثيرة وهي ليست خفية، فمثلاً: عندما نكون جالسين في محضر تُلقى فيه الموعظة، فإذا لم نكن مهيَئين لها فلن تؤثر فينا، فإذا كان الواعظ مثلاً يحدثنا عن حساب القبر، فإننا إذا لم ننتقل بقلوبنا وأذهاننا إلى تلك المراحل كان وجود الموعظة عندئذ كعدمها، لأن الواعظ يفتح لك الطريق أمام التفكر والتأمل والإتعاظ، فإذا لم تحرك أنت مشاعرك ومخيلتك فلن تتعظ مهما كان الواعظ ضليعاً في فن الوعظ والإرشاد، وهذا هو المشار إليه في الحديث المذكور، ثم نقرأ حديثاً آخر حول الموعظة، فقد ورد أنه :من كان له من نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ: وهنا لا بد من ترتيب الفكرة حتى تكون أنفع وأثمر، ففي المرحلة الأولى تسمع المعظة أو تراها، وفي المرحلة الثانية تتفكر بها وتتأمل، وفي المرحلة الثالثة تحصل على النتيجة وتقطف الثمار، وذلك عندما تُلزم نفسك بما وعظتها، فإنك إذا وعظت النفس فقد أبعدتها عن الأخطار والشرور على صعيد الدنيا وعلى مستوى الآخرة، أما على صعيد الدنيا فإنك تنظر إلى الذين هلكوا من خلال بعض الممارسات التي أهلكتهم وأودت بحياتهم، فتخاف من ذلك المصير، فتمنع نفسك عن ركوب تلك الممارسات، وأما على صعيد الآخرة فإنك علمت عاقبة أهل التقوى والإيمان وعاقبة أهل الكفر والضلال والإنحراف، فسلكت طريق أهل الإيمان، وبهذا تكون قد حفظت نفسك من أخطار يوم الحساب.
ويبقى في المقام سؤال حول الطرق التي نكسب بها الموعظة؟ ففي اعتقادي أنه لا يوجد ميزان خاص لتلك الطرق، حيث أن لكل واحد منا طريقة في وعظ نفسه.
فمنهم من تكفيه الموعظة من الكلام، فهو يسمع آية أو حديثاً أو موعظة خاصة فيتعظ ويعمل بما فرضته عليه الموعظة، ومنهم من لا يؤثر به الكلام ولكنه يتأثر بالنظر، فينظر إلى الأشياء التي من شأنها أن تعظ الآخرين كالموتى والقبور فيتعظ بذلك، ومنهم من يتعظ عن طريق المنامات، ونحن نعرف كثيراً من الأخوة والأخوات قد التزموا دينياً نتيجة لبعض المنامات التي رأوها أو سمعوا بها، ومنهم من يتعظ عن طريق النظر والتأمل في المخلوقات كالذين حدثنا عنهم القرآن بقوله(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ومنهم من يعظه الفعل، ورغم كثرة المواعظ يبقى الموت أهم موعظة وأكبر عبرة للأحياء لما ورد في الحديث:كفى بالموت واعظاً:

القَبْرُ أَنْفَعُ المَوَاعِظ

تارة نقول بأن الموت هو من أنفع المواعظ للبشر، وأخرى نقول بأن القبر كذلك، ولا خلاف وإن تعدد التعبير، لأن الهدف واحد، والمعنى من تلك التعابير موحد، حيث أن المقصود بتلك العبارات هو الموت وما يحدث أثناءه وما يأتي بعده، ولكننا كثيراً ما نذكر القبر ونقصد به بالموت لأنه أول موضع للإنسان بعد مفارقة روحه الحياة، وقد يكون ذكر القبر مؤثراً في النفوس أكثر من ذكر الموت، لأن الموت كموتٍ هو إسمٌ لحالةٍ تعتري الإنسان فتنقله تلك الحالة من مرحلة إلى مرحلة أخرى، أما المنفعة من القبر فهي أكبر لأننا نرى القبر ونلمسه ونزوره، ومن هنا فقد كثرت المواعظ المؤثرة حول القبر لأنها أكثر تأثيراً من غيرها على قلب الإنسان، وهنا سوف أعمل على نقل بعض المواعظ الخاصة بالقبر قبل الحديث عن سؤاله وضغطته وبرزخه وما يرى الإنسان فيه.
فقد سأل رجل رسول الله(ص) فقال يا رسول الله من أزهد الناس؟ فقال(ص) : من لم ينس القبر والبلى: فمهما حاولنا أن نتصور هول القبر، ونصول ونجول في أفكارنا، فما هو موجود فيه أعظم مما تصورناه، وهذا ما يدعو أهل الموعظة إلى التمهيد والعمل الذي يخففون به عن أنفسهم في ذلك البيت المظلم والضيق الذي يخافه كل الخلق، فلقد وعظنا الإما السجاد في هذا المقام فقال:فمن يكون أسوأ حالاً مني إن أنا نُقلت على مثل حالي إلى قبر لم أمهده لرقدتي ولم أفرشه بالعمل الصالح لضجعتي: وقد ورد أن أول ما يكلم ابنَ آدم هو القبر فيقول له:أنا بيت الدود وبيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الظلمة، هذا ما أعددت لك فماذا أعددت لي:
وقال أبو ذر الغفاري رضوان الله عليه: ألا أخبركم بيوم فقري..يوم أوضع في قبري: وكان الإمام الصادق(ع) يأتي القبور في الليل ويقول:ما لي إذا دعوتكم لا تجيبون، ثم يقول حيل والله بينهم وبين الجواب وكأني أكون مثلهم ثم يستقبل القبلة إلى ما شاء الله:
وكان بعضهم يخاطب أهل المقابر فيقول: أيها المقبور في قبره والمتخلي في القبر بوحدته والمستأنس في بطن الأرض بأعماله ليت شِعري بأي الأعمال استبشرت وبأي إخوانك اغتبطت ثم يبكي حتى يبل عمامته ثم يقول إستبشرَ والله بأعماله الصالحة واغتبط والله بإخوانه المتعاونين على طاعة الله:
وقال آخر: من مر بالقبور ولم يتفكر لنفسه ولم يدعُ لهم فقد خان نفسه وخانهم:
وكان بعضهم يقول: يا أماه ليتك كنت عقيماً إن لابنك في القبر حبساً طويلاً ومن بعد ذلك منه رحيلا:
وقال آخر: يابن آدم دعاك ربك إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه..إن أجبته من دنياك واشتغلت بالرحلة إليه دخلتها وإن أجبته من قبرك مُنعتَها: يعني إذا أطعت الله في الدنيا فزت أما إذا أردت أن تطيعه وأنت في القبر فلن يقبل منك(كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
وكان بعضهم إذا مر أمام القبور قال:ما أحسن ظواهرك إنما الدواهي في بواطنك:
وكان بعضهم يخرج إلى القبور في الليل ويقول:يا أهل القبور متم فواموتاه وعاينتم أعمالكم فواعملاه:
وكان بعضهم يقول:من أكثر ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار:
وكان أحدهم يعظ نفسه بموعظة قلَّ من يعمل بها، كان يحفر لنفسه حفرة ويضطجع فيها ما شاء الله ثم يقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ثم يجيب نفسه فيقول يا فلان قد أرجعتك فاعمل…
وقال أحدهم:
تناجيك أجداث وهن سكوتُ وسكانها تحت التراب خفوتُ
أيا جامع الدنيا لغير بلاغة تجمع الدنيا وأنت تموت
وقد وجد على أحد القبور عبارة هي: يأيها الناس كان لي أمل قصرني عن بلوغه الأجل ما أنا وحدي الذ خُصصت به، كلٌ إلى مثل ذا سينتقل فليتق الله ربه رجل أمكنه في حياته العمل:
وقال رسول الله(ص) : زوروا موتاكم وصلوا عليهم وسلموا عليهم فإن لكم فيهم عبرة:
وقال علي(ع) :جاور القبور تعتبر:

مَوَاعِظُ مِنْ وَحْيِ القُبُور

هناك أشخاص ابتعدوا عن العبرة ولم يعملوا بالعظة فنظروا إلى ظواهر القبور وأحجارها وألوانها وأشكالها، ولم يفكروا يوماً في أحوال سكانها، بل لم يفكروا فيما يجعل تلك الدور روضة من روضات الجنان وفيما يجعلها جزءاً من النيران، فراحوا يهتمون بالمظاهر ويحسنوها من باب اللياقة بأوضاعهم الإجتماعية حيث لا يليق بهم وهم أصحاب أموال كثيرة ومراكز عالية أن تكون قبورهم على الطراز القديم، فصرفوا الأموال الهائلة على بنائها وتزيينها وزخرفتها من باب المفاخرة والإستعلاء، وهم بهذا السلوك يزيدون أجواف قبورهم شدة وظلمة ووحشة وقبحاً.
فلو أنهم زينوا الداخل باكتساب المواعظ وبالعمل الصالح لكان ذلك خيراً لأنفسهم في الدنيا وجميع منازل الآخرة، ولو أداروا مسامع قلوبهم للموعظة كان خيراً من أن يديروها إلى كلام الناس وتجريحهم البعيد كل البعد عن الموازين الدينية والشرعية والأخروية، فلا تدر سمعك وقلبك للناس، بل اصنع ذلك مع ربهم وخالقهم، وأطعه وزيِّن جوف قبرك بالطاعة، وافرشه بالعمل الصالح.
ورد عن رسول الله(ص) أن القبر يقول للميت عندما يوضع فيه:ويحك يابن آدم ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة وبيت الظلمة وبيت الوحدة وبيت الدود؟ ما غرك بي إذ كنت تمر بي مراراً؟ فإن كان صالحاً أجاب عنه مجيب للقبر فيقول:أرأيت إن كان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيقول القبر: إني إذاً أتحول عليه خضراء ويعود جسده نوراً وتصعد روحه إلى الله:
وقال بعضهم: ليس من ميت يموت إلا نادته حفرته التي يدفن فيها أنا بيت الظلمة والوحدة والإنفراد فإن كنت في حياتك لله مطيعاً كنت عليك اليوم رحمة وإن كنت لله عاصياً فأنا اليوم عليك نقمة أنا الذي من دخلني مطيعاً خرج مسروراً ومن دخلني عاصياً خرج مثبورا:
وقال آخر: بلغني أن الميت إذا وضع في قبره احتوشته أعماله ثم أنطقها الله فقالت:يا أيها العبد المنفرد في حفرته انقطع عنك الأخلاء والأهلون فلا أنيس لك اليوم غيرنا: وقال رسول الله(ص) لقيس بن عاصم التميمي وإنه لا بد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت….الخ
وقال آخر: إذا وضع العبد الصالح المطيع لربه في القبر احتوشته أعماله الصالحة مثل الصلاة والصيام والحج والصدقة، قال ويجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه فتقول الصلاة إليكم عنه فلا سبيل لكم عليه فقد أطال بي القيام لله تعالى، فيأتونه من قبل رأسه فيقول الصيام لا سبيل لكم عليه فقد طال ما أظمأه لله في دار الدنيا، فيأتونه من قبل جسده فيقول الحج إليكم عنه فقد أتعب بدنه وأنصب نفسه وحج لله فلا سبيل لكم عليه فيأتونه من قبل يديه فتقول الصدقة كفوا عنه فكم من صدقة خرجت من هاتين اليدين حتى وقعت في يد الله ابتغاء وجهه فلا سبيل لكم عليه، ثم تأتيه ملائكة الرحمة فتفرش له فراشاً من الجنة ويفتح له من قبره مدُ بصره:

القَبْرُ وَالغَيْب

لقد ركز القرآن الكريم على دعوة الناس إلى الإيمان بالغيب لأنها الأساس في امتحاننا، بل هو أساس في موازين يوم الحساب، فمن أنكر الغيب فقد أنكر الإيمان كله، لأن أكثر ما يجب أن نؤمن به إنما هو من الغيب، كالملائكة والبرزخ والقيامة والحساب والجنة والنار، قال تعالى(ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) فقد وصف أهل التقوى بصفة الإيمان بالغيب فمن لم يؤمن به لم يكن من أهل التقوى، ومن لم يكن من أهل التقوى لم يستق ولن يستحق الرحمة في يوم الحساب.
والحديث عن الغيب أمر حساس ودقيق وهو فوق ذلك من أهم البحوث التي يتعرض العلماء لذكرها حيث تتوقف عليها أمور لا عداد لها في مجال العقيدة.
نحن نؤمن بأن علم الغيب منحصر بالله وحده فهو الذي إن أراد أطلع بعض خلقه على بعض غيبه لحكمة منه سبحانه، وقد ركز القرآن على انحصار الغيب في الله تعالى، ففي سورة آل عمران(مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) وفي سورة المائدة(لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وفي سورة الأنعام(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) وقد قلنا في البحوث المتقدمة إن الحديث عن الموت وما بعده لا يمكن أن تدركه العقول من حاقها، بل لا بد من الرجوع إلى النصوص الصحيحة الواردة لبيان هذا الغرض، فلا يجوز لنا أن نتكلم من دون علم ودليل، لأننا مسؤولون عند الله تعالى عن كل كلمة نتفوه بها.
لقد تحدثنا عن القبر وحقيقته وعما يجري فيه على الميت، ولكننا اعتمدنا في حديثنا النص القرآني وبعض النصوص الواردة عن النبي وآله(ص) وأقول بعضها لأن أكثر الروايات التي تُذكر في هذا المقام وغيره لم تصدر عنهم، وإنما هي من صنع الوضاعين الذين يحاولون إخفاء الحقائق وطمس الدين ومعالمه لغايات وضيعة وأهداف ساقطة لا تمت إلى الإنسانية بصلة.
يوجد في القبر أحداث كثيرة تجري على الميت، كسؤال القبر وضغطة القبر وقعدة القبر، فلو تركنا هذه العناوين على حالها من دون أن نبين للناس واقعها الصحيح لاختلف الناس فيما بينهم حيث لا تؤخذ هذه الأمور الغيبية على إطلاقها، فهي عناوين أولية تنسجم مع عملية التخاطب والتفهيم مع الناس، ولكن المعاني المرادة منها قد تكون أعمق منها، إذ قد يكون العنوان بسيطاً ولكن معانيه عظيمة والبحوث الواردة في شأنه كثيرة، كمسألة القبر الذي يظنه البعض بأنه مأوى الجسد الذي سيتحول عما قريب إلى جيفة تأكلها الدود ولا يبقى لهذا الجسد أي أثر، هذا قد يكون صحيحاً، ولكن لا ينبغي أن نحصر أفكارنا في الجسد المادي، بل لا بد من الدخول إلى الأسرار التي تتعلق بالروح التي اتخذت هذا الجسد موضعاً وظرفاً لها في الحياة، الأمر لا يتوقف عن المواد المحسوسة، بل الأمر أعظم من ذلك بكثير، فهناك حساب قبر، ومناظر سوف يراها ساكنه، وأحداث سوف تمر عليه، والأمر هنا أكبر من بيت حجري.
نحن ندعي العلم والمعرفة والفهم وإدراك الموت وما بعده من دون أن نعتمد على أدلة وبراهين، وهذا ادعاء فارغ من المضمون وخالٍ من المحتوى.
إن عقولنا قاصرة عن إدراك الغيب، فضلاً عن كونها قاصرة عن إدراك الكثير من المحسوسات، لأننا لم نؤتَ من العلم سوى القليل، وهذا معنى الخطاب القرآني القائل(وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) نحن عاجزون عن إدراك بعض ما نرى ونسمع ونلمس، فكيف نجرأ على ادعاء معرفة الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، ما زلنا قاصرين عن إدراك بعض أنظمة الأرض فضلاً عن أنظمة الفضاء، فكيف يمكن أن تطال عقولنا نظام الآخرة من دون الرجوع إلى القرآن والسنة المطهرة.
فالقبر من الغيب، والحديث عنه لا يصدر عن الذوق والإستحسان والقياس، بل لا بد من وجود الدليل والنص الخاص الذي يعوَّل عليه في المقام، وإلا كان السكوت أفضل، إن الحديث عن الموت وما بعده ليس تسلية نتسلى بها في سهراتنا، بل هو واقع غيبي يجب السؤال عنه، والسؤال يجب أن يطرح على أهل الذكر، وليس على بعضنا البعض إذا لم نكن من أهل العلم والمعرفة. ولا تأخذوا إلا بقول العالم الموثوق بعلمه، وهناك فرق بين العالم ومرتدي زيّ العلماء.

سُؤَالُ القَبْر

مما يجب الإيمان به في مراحل ما بعد الموت مسألة سؤال القبر، وهذا ما يطرحه الملكان الموكلان بذلك على كل إنسان، وهما منكر ونكير، فهما يأتيان المرء عندما يدفن، ويسألانه عن ربه ودينه وكتابه ونبيه… قال رسول الله(ص) في قوله تعالى(يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) : في القبر إذا سُئل الموتى:
فالمؤمن يثبته الله، ويعينه على الجواب، وعلى اجتياز باقي المراحل، فإذا كان القبر على الإنسان هيناً كان ما بعده أهون منه، أما إذا كان القبر شاقاً فما بعده ليس بأقل منه، وهناك العديد من الأسئلة التي تُطرح على الإنسان في قبره والتي يجب التهيؤ لها في دار الدنيا عبر طاعة الله تعالى والإشتغال لأمر الآخرة، فقد قال الإمام علي بن الحسين(ع) : كأن قد أُوفِيت أجلك وقبض الملَك روحك وصرت إلى منزلٍ وحيدا فرُدّ إليك فيه روحُك واقتحم عليك فيه ملكان منكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك، ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده، وعن نبيك الذي أرسل إليك وعن دينك الذي كنت تَدين به وعن كتابك الذي كنت تتلوه وعن إمامك الذي كنت تتولاه، ثم عن عمرك فيما أفنيته ومالك من أين اكتسبته وفيما أتلفته فخذ حِذرك وانظر لنفسك وأعدّ للجواب قبل الإمتحان والمساءلة والإختيار:
وقال الصادق(ع) :إذا مات المؤمن شيّعه سبعون ألف ملك إلى قبره، فإذا أدخل قبره أتاه منكر ونكير فيقعدانه ويقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول ربي الله ومحمد نبيي والإسلام ديني فيفسحان له في قبره مد بصره ويأتيانه بالطعام من الجنة ويُدخلان عليه الرَّوح والريحان:
وقال رسول الله(ص) : إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قَرع نعالهم إذا انصرفوا أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا النبي محمد؟ فأما المؤمن فيقول:أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له:أنظر مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة:

ضَمَّةُ القَبْرِ وَمَسْأَلَةُ القُعُودِ فِيْه

قبل أن نباشر بالكلام عن ضمة القبر وعذابه، نتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء وطلب العون والرحمة والتخفيف عنا في ذلك الموقف الرهيب والمخيف الذي لا ينجينا منه سوى التوجه الصادق إلى الله تعالى والإستشفاع بالنبي وآله(ص) فإن هناك مواضع لا بد أن نعرّج عليها ونمر بها، وهي لوحدها تكفي أن تكون عذاباً، فهناك من جملة أنظمة القبر والبرزخ مصير سوف يلقاه الجميع، سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين، غير أن للمؤمنين شفاعة تخلصهم من تلك المطبات، ونحن في قرارة أنفسنا نرى بأننا لا نستحق تلك الشفاعة، أو هي بعيدة عنا بسبب ارتكابنا لبعض الأخطاء، وهذا سر خوفنا من المصير الذي أوَّلُه ضمة القبر، وهي عبارة عن ضغطة قوية وحَدَثٍ لم نشعر به في الحياة الدنيا رغم كثرة آلامها ومخاطرها، ولذا نجد بأن النبي(ص) كان يقوم بأمور لبعض الموتى بغية أن يخلصهم الله تعالى من ضمة القبر وبعض عذابه، كما صنع مع المرأة الجليلة فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين(ع) فإنها عندما ماتت كفنها الرسول بقميصه، ومشى حافياً في تشييع جنازتها، وكبّر عليها في الصلاة عليها سبعين تكبيرة، واضطجع في قبرها قبل أن يدفنها، ولقنها الشهادة بنفسه، وبعد أن أهيل عليها التراب جعل الرسول يقول لها : إبنك إبنَك لا جعفر ولا عقيل إبنك إبنك علي بن أبي طالب: قيل يا رسول الله فعلت فعلاً ما رأينا مثله قط؟ فقال(ص) : أما التأني في وضع أقدامي ورفعها في حال التشييع للجنازة فلكثرة ازدحام الملائكة، وأما تكبيري سبعين تكبيرة فإنها صلى عليها سبعون صفاً من الملائكة وأما نومي في لحدها فإني ذكرتُ في حال حياتها ضغطة القبر فقالت واضعفاه فنمت في لحدها لأجل ذلك حتى كفيتها ذلك:
وأنا هنا أقول: لقد وجدت فاطمة بنت أسد من يدرأ عنها ضغطة القبر، فلمن نلجأ نحن؟ فإننا إذا سلكنا طريق النبي وآله كما أمرنا الله تعالى فسوف يكونون معنا في الظروف الصعبة والمحن الشديدة، فهم الآن معنا، يطلعهم الله على أحوالنا، فلنجتهد لأن تكون صورتنا عندهم جميلة حتى نستحق منهم الشفاعة يوم لا شفاعة لغيرهم.
وكذا عندما ماتت رقية إبنة رسول الله(ص) دعا لها وقال: إني لأعرف ضعفها وسألت الله عز وجل أن يجيرها من ضمة القبر:

سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِير

نأتي الآن إلى مسألة منكر ونكير عندما يأتيان إلى الميت في قبره من أجل السؤال عن ربه ودينه ونبيه وإمامه فتقول الروايات يقعدانه كما في قول أمير المؤمنين(ع) :حتى إذا انصرف المشيِّع ورَجَع المتفجع أُقعد في حفرته نجياً لبهتة السؤال وعَثرَة الإمتحان:
فهل استعمال لفظ القعود هنا حقيقي أو مجازي؟ يعني هل يقعد الميت في القبر وتلجه الروح للحظات السؤال؟ أم أن استعمال لفظ القعود كان مجازياً؟ فهو كناية عن توجيه السؤال للروح؟ ويكون القعود بمعنى الإنتباه والإِشخاص، أي أن الروح تكون منتبهة لِما يطرح عليها من قبل الملكين في القبر؟ هناك احتمالات كثيرة في المقام، فلا يوجد نص صريح يقول بأن الروح تعود إلى الجسد في القبر، بل وجد ما يقول بأنها لا تعود إليه إلى يوم القيامة، وأن الملكين في القبر لا يخاطبان الجسد ولا يقعدانه، وإنما يخاطبان الروح التي كانت في الجسد، ولكن التعبير بالجسد عن الروح صحيح لكونه كان ظرفاً لها، وهذا ما عليه الناس عندما يبكون موتاهم فإنهم لا يرون الروح ولا يخاطبونها، بل يتوجهون إلى الجسد ويخاطبونه ويودعونه وكأن الروح ما زالت فيه، وأنا هنا لا أنفي مسألة رجوع الروح إلى الجسد كلياً إذ لعله يوجد نظام خاص لتلك المرحلة، خصوصاً وأن هناك أحاديث ترشد إلى وقوع هذا الأمر كقول الإمام علي بن الحسين(ع): كأن قد أوفيتَ أجلك، وقبض الملَكُ روحك، وصرتَ إلى منزلٍ وحيداً، فرُدَّ إليكَ فيه روحُك، واقتحم عليك فيه مَلَكاكَ منكر ونكير لمساءلتك، وشديد امتحانك، ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده، وعن نبيك الذي أُرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تَدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاه، ثم عن عمُرك فيما أفنيته، ومالِك من أين اكتسبته وفيما أتلفته، فخُذْ حِذرك وانظر لنفسك، وأعدّ للجواب قبل الإمتحان والمساءلة والإختبار:
فسؤال منكر ونكير للإنسان أمر حتمي الحصول، وهو أحد الأنظمة الأخروية التي حدثنا عنها الكتاب العزيز والسنّة المطهَّرة، فلا يجوز إنكاره بوجه من الوجوه.

مَعْنَى البَرْزَخِ فِي اللّغَةِ وَالدِّين

البرزخ في اللغة هو الفاصل بين شيئين، قال تعالى(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ) وقال تعالى(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا) وفي المفهوم الأخروي هو المرحلة الفاصلة بين الدنيا والآخرة، وهو مرحلة تبدأ من القبر وتنتهي عند النشور يوم يقوم الناس لرب العالمين.
والمراحل التي يمر بها الإنسان قبل وجوده في الدنيا وبعد رحيله عنها هي ست مراحل: عالم الذر، وعالم الأصلاب، وعالم الأرحام، وعالم الدنيا، وعالم البرزخ، وعالم القيامة، ونلاحظ بأن البرزخ من المراحل الأساسية، وهذا ما يدفع بنا نحو بيان ما يتعلق بهذا العالم القريب منا، والذي لا ندري في أية لحظة نصبح منه.
فقد يكون البرزخ طويلاً، وقد يكون قصيراً، ولكن عند الإنسان هو قصير جداً، لأنه لو مكث في البرزخ سنة أو ألف سنة فإنه عندما ينتشر بين يدي الله للحساب يحسب بأنه لم يمكث في الدنيا والبرزخ سوى ساعة واحدة، وقد تحدث القرآن عن هذه الحقيقة فقال(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) وقال(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) وقال(قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)
والبرزخ عالم أرواح لا تحكمه أنظمة المادة فلا يوجد فيه مواد كالمواد المخلوقة في الدنيا وربما يكون هناك أجسام شفافة كما ورد في بعض النصوص وهذه الحالة خاصة ببعض المؤمنين الذين يريد الله تعالى أن ينعمهم في البرزخ، ولعل قوله(بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) ناظر إلى هذا المعنى.
ويمكن لنا أن نشبهه بالمنامات التي نشاهدها أثناء النوم، غاية ما في الأمر أن البرزخ نوم لا يستيقظ منه الإنسان إلا في يوم القيامة، وهذا يعني أنه شبيه بالنوم مع وجود تلك الفوارق العديدة والتي منها عدم الجسمانية.
ففي البرزخ يوجد أرواح المؤمنين والكفار ولا شك بأن أرواح المؤمنين فيها سعيدة لأنها تعيش في تلك المرحلة ومعها البشرى بالنعيم تلك البشرى التي أتته بها ملائكة قبض الروح، أما الكافر أو الظالم فإن روحه تكون مستاءة وتعبة وتتمنى ان تستيقظ فلا يتحقق لها ذلك حتى تستيقظ في يوم الحساب لشر كان البرزخ أمامه عيشة هنية.
ويمكن للأرواح أن تلتقي في البرزخ بل يمكن للروح أن تزور أهلها وتنظر إليهم متى أرادت ذلك لأن الله تعالى لا يخيب طلب عبده المؤمن وهذا الكلام لا يحتاج إلى البحوث المطولة لأنه في غاية من الوضوح قد لا يختلف اثنان فيه. وقد ورد أن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.
وقد حدثنا القرآن الكريم عن تلك المرحلة الفاصلة بين الدنيا ويوم القيامة فقال(حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) يعني تستمر تلك المرحلة إلى يوم البعث ولا يوجد مرحلة غيرها سوى يوم القيامة فعلى الذين يجتهدون في إثبات مراحل غير البرزخ بعد الموت وقبل القيامة فليوفروا كلامهم لأنه مخالف لظواهر القرآن الكريم.

حَقِيقَةُ البَرْزَخ

ما هو البرزخ؟ البرزخ: هو المرحلة الفاصلة بين الدنيا ويوم القيامة، فهي تبدأ لحظة دفن الإنسان وتنتهي عند يوم القيامة يوم ينفخ في الصور فتنتشر الخلائق كالجراد المنتشر والفَراش المبثوث، وقد ذكر لنا الكتاب المجيد هذه المرحلة في موضع واحد حيث قال(وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي من بعد الموت توجد هذه المرحلة التي تحتوي حالياً على أعداد هائلة لا يعلمها إلا الله تعالى لأن أرواح الناس كلها موجودة في البرزخ، وربما أرواح المخلوقات التي سبقت عهد آدمنا(ع) لأن الحساب سوف يكون للجميع من الأولين والآخرين، ونقصد بالأولين الذين سبقوا عهد آدم، وبالآخرين الذين ربما يأتون بعدنا، فهذا أمر لا يعلمه إلا الله، فمثلاً نحن نتحدث عن يوم القيامة ونقول بأنه عندما يموت جميع الخلق فسوف تقوم القيامة، أليس من المعقول أن يفصل بيننا وبين يوم القيامة عشرات المراحل كمراحل الجنس البشري؟ نحن نقول لا مانع من ذلك، حيث حصل هذا الأمر قبل آدم عندما أهلك الله سكان الأرض عندما أفسدوا فيها واستخلف آدم عليها من جديد، أما الحديث عن أن هؤلاء قامت قيامتهم، فهذا بحث آخر، ولكن الأرجح هو أن القيامة لم تقم حتى الآن، حتى وإن سبق عالمَنا هذا ألف ألف عالَم، كل هذه التصورات قابلة لأن تكون في مرحلة التطبيق في علم الله تعالى.
ولكن الذي نركز عليه نحن هو ما يتعلق بأمرنا نحن بني آدم الذي لم يتجاوز عمره حتى الآن العشرة آلاف سنة كما ينص التاريخ.
وقد حدثنا النبي وآله(ص) عن البرزخ فقال الإمام زين العابدين في قوله تعالى(ومن ورائهم برزخ…) : هو القبر وإن لهم فيه لمعيشةً ضنكاً، والله إن القبر لروضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار:
وقال الصادق(ع) :البرزخ القبر، وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة:
وقال(ع) :والله أتخوف عليكم، قلت وما البرزخ؟ قال القبر منذ حينِ موته إلى يوم القيامة: وقال أمير المؤمنين(ع) : سلكوا في بطون البرزخ سبيلاً سُلطت الأرض عليهم فيه فأكلت لحومهم:
وقد ذكر أبو بصير الأرواح عند الإمام الصادق(ع) أرواح المؤمنين، فقال: يلتقون قلت يلتقون؟ فقال نعم ويتساءلون ويتعارفون حتى إذا رأيتَه قلتَ فلان:
وقد خص القرآن أرواح المؤمنين في البرزخ فقال(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربه يرزقون) أي في مكان خاص أعده الله لهم من أجل أن ينعمهم فيه قبل يوم القيامة وهو زيادة في الرحمة واللطف الإلهي.
وقيل إن أرواح المؤمنين في البرزخ مقرها وادي السلام في النجف الأشرف لقول أمير المؤمنين(ع) :يابن نباتة إن في هذا الظهر يعني النجف أرواحَ كل مؤمن ومؤمنة في قوالب من نور على منابر من نور: ولعل تلك القوالب هي الأجسام الرقيقة التي أشير إليها في السابق.
وأما أرواح الكفار في البرزخ فهي كما قال الصادق(ع) : في حجرات في النار يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها:
وإلى هذا النوع من العذاب البرزخي يشير القرآن بقوله(وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) فقوله (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) دلالة على كون هذا العذاب ليس في يوم القيامة.

تَعْظِيمُ مَا بَعْدَ المَوْت

إنّ جميع بحوثنا ومواعظنا وتحليلاتنا وكل البيانات التي قدمناها لا تساوي كلمة واحدة من كلام أمير المؤمنين وسيد المتقين علي بن أبي طالب(ع) الذي لم يترك أمراً ظاهراً أو خفياً إلا وأشار إلى حقائقه وخفاياه وأسبابه وكل ما يتعلق به، وذلك بطريقته الرائعة وأسلوبه الجذاب الذي كان وما يزال نهجاً للبلاغة والفصاحة، بل هو نهج للحق إلى يوم القيامة، ونهج البلاغة كتاب جمع فيه الشريف الرضي مقاطع من خطب الإمام ووصاياه وحِكمه، فلو وصلت إلينا تلك التعاليم كما صدرت لكنا في حالة أفضل من حالتنا هذه، ولكن ما ورد على اختصاره فقد أنار لنا ظلمات الحياة وعرّفنا على طرق الحق ورسم لنا دروب السعادة التي نربح بها الدنيا والآخرة في آن واحد، وقد ركّز الإمام(ع) في خطبه على تذكير الناس بالموت وما بعده لعلمه(ع) بمدى الفائدة التي تعود من وراء الموعظة لأهل الإتعاظ.
ففي تعظيم ما بعد الموت قال(ع) :فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ، وَسَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ، وَلكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا، وَقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ! وَلَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَأُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ، وَهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ، وَبِحَقٍّ أَقَولُ لَكُمْ: لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ العِبَرُ، وَزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ، وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللهِ بَعْدَ رُسُلِ السَّماءِ إِلاَّ البَشَرُ:
وفي هذه الموعظة الصادرة عن أمير المؤمنين علي(ع) نقاط يجب الوقوف عليها لنفهم المراد منها، لأن كلامه(ع) في غاية العمق، فلا يجدر بنا التعامل مع النصوص الواردة عنه كما نتعامل مع كلام غيره من الناس العاديين وإن كانوا علماء، فإن العلماء أمام علم علي نقطة في بحره، فهو(ع) عَبَر البحر الذي لم يصل العلماء حتى الآن إلى شاطئه، حيث سبقهم منذ أربعة عشر قرناً، ولن يسبقه منهم أحد، لأنه نهل من العلم الإلهي عبر الوحي الذي كان ينزل على ابن عمه الأعظم(ص) حيث كان الوحي يعلّم محمداً وكان محمد يعلّم علياً حتى قال(ع) :علمني رسول الله ألف باب من العلم: ولأجل ذلك يجب أن نتعاطى مع نصوصه بشكل خاص فإنه كلما أعرنا جماجمنا لنصوصه كلما اكتشفنا فيها المزيد من النفع والفائدة.
النقطة الأولى: موضوع المعاينة التي أشار إليها بقوله المبارك: فإنكم لو عاينتم ما قد عاين من مات منكم: هي معاينة الإنسان لملك الموت وأعوانه الذين يأتون لقبض روحه، وربما معاينة كل المراحل التي يمر به الإنسان من لحظة حضور الملائكة عنده وإلى يوم القيامة.
النقطة الثانية: الحث على اكتساب الموعظة مما عاينه السابقون والذي سوف نعاينه نحن عما قريب، وكأنه(ع) يريد أن يقول لنا مهدوا بأعمالكم الصالحة لما سوف تعاينوه عند الموت وبعده فإن ما عند الموت عظيم وما بعده أعظم، ولذا قال: لجزِعتم ووهِلتم وسمعتم وأطعتم:
النقطة الثالثة: حجب تلك المعاينة عنّا، لأن وقتها يبدأ عند حضور ملك الموت، ولكن الإنسان الفذ هو الذي يتعاطى مع الدنيا كما يتمنى أن يتعاطى معها مَن عاين منازل الآخرة ومُنع من الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحاً، فإن تلك المعاينة وإن كانت محجوبة عنا بالوقت الحاضر إلا أنه لا مانع من أن نشعر بها ونتعظ ونعتبر ونعمل لها ونقدم لآخرتنا، فلو لم تكن تلك المعاينة محجوبة عن البشر قبل حلول أجلهم لما كفر من الناس أحد، ولكن المؤمن يرى بقلبه ما لا تستطيع عينه أن تراه، ومن أخلاق المؤمن أنه يرى الأمور بقلبه، ورؤية ما يراه الميت وإن كانت محجوبة عن العيون غير أنها ليست محجوبة عن العقول والقلوب والأرواح.
النقطة الرابعة: وهو أنه وإن لم نعاين ما عاينه من مات إلا أن تلك المعاينة ليست ببعيدة، لأنه مهما عمّرنا في دار الدنيا فإن مصيرنا إلى الموت الذي نعاين عنده ما عاينه من مات قبلنا، وكل آت قريب وإن أتى بعد عشرات السنين أو القرون، وإلى ذلك أشار الإمام بقوله: وقريبٌ ما يُطرح الحجاب:
النقطة الخامسة: أنه(ع) يبين لنا الحجة، فقد جاءنا النذير وأنذرنا وألقى بيننا تعاليم ربنا وأحكامه، وهذه حجة علينا في يوم الحساب، فلا عذر ينفع عندها، ولا ندم ولا بكاء، إذ لا ينفع هناك إلا من أتى ربه بالقلب السليم: ولقد بُصِّرتم إن أبصرتم وأُسمعتم إن سمعتم وهُديتم إن اهتديتم بحقٍ أقول لكم لقد جاهَرَتكم العبر وزُجرتم بما فيه مزدجَر:

الحَثُّ عَلَى العَمَلِ قَبْلَ حُلُولِ الأَجَل

لقد منّ الله علينا بأئمة علماء حكماء أطهار أبرار سادة في الدنيا وسادة في الآخرة، وقادة لنا نحو خير الدنيا وثواب الآخرة، فلولا أئمتنا لم يكن لوجودنا أدنى قيمة، ولا لهذه الحياة أية أهمية، فقد ملؤوا الأرض علماً وأخلاقاً وأدباً وحِلماً حتى انتشرت فضائلهم بين الناس فكانت الكنز الأكبر والزاد الأوفر، وفي موضوع الموت وما يعقبه وما ينبغي العمل به قبل حلول الأجل قال أمير المؤمنين(ع): أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ، وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلاَعٍ، أَلاَ وَإِنَّ الْيَوْمَ المِضْمارَ، وَغَداً السِّبَاقَ، وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ، وَالْغَايَةُ النَّارُ; أَفَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ ! أَلاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ أَلاَ وَإِنَّكُمْ في أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ في أَيَّامِ أَمَلهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ; وَمَنْ قَصَّرَ في أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ، أَلاَ فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ، أَلاَ وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَلاَ كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، أَلاَ وَإنَّهُ مَنْ لاَيَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ البَاطِلُ، وَمَنْ لايَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى يَجُرُّ بِهِ الضَّلاَلُ إِلَى الرَّدَىْ، أَلاَ وَإِنَّكُمْ قَد أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ، وَدُلِلْتُمْ عَلى الزَّادَ. وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخافُ عَلَيْكُمُ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الْأَمَلِ، تَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً”
إنها كلمات مؤثرة وعبارات جذابة هي قمة في البلاغة وروعة في الفصاحة، وعظيمة في المحتوى، إذ ليس همه(ع) بيان الفصاحة وإبراز البلاغة بل همه وعظ الناس وإرشادهم وحثهم على التزود والإكتساب قبل أن يأتي يوم تتوقف فيه مراحل العمل وتبدأ عنده مرحلة الحساب، وقد اشتملت هذه الفقرات على أمور لا يجدر بنا أن نتهاون بها أو نؤخر معرفتها، فإن في التعرف عليها نفعاً لنا، إذ هي تحث على الإسراع بالعمل قبل حلول الأجل فإذا جاء الأجل انقطع العمل.
الأمر الأول: بيان قصر عمر الدنيا وأنها في تقدم مستمر نحو الزوال والفناء، وأن كل لحظة تنتهي من الدنيا تدنينا من الآخرة، وهو معنى قوله(ع) آذنت بوداع:
الأمر الثاني: وهو قرب الآخرة، فإنها وإن بعدت عنا سنوات أو عشرات السنين أو مئات السنين فهي في نظر الله عز وجل قريبة جداً، وبما أن الموت قريب من الإنسان وهو باب الآخرة، فمعنى ذلك أن الآخرة أقرب شيء لنا ومنّا.
الأمر الثالث: المضمار: وهو الزمن الذي يُسمح فيه بالعمل، وهو الفرصة الإلهية التي فتحها الله لعباده في دار الدنيا فهي الأولى والأخيرة فمن استغلها بالطاعة والعمل الصادق كُتب من أهل الفوز والنجاة، ومن أهملها حتى خانته وفلتت من يديه فقد خسر نفسه في الدنيا والآخرة.
الأمر الرابع: هناك شيئان في يوم الحساب وهما الأساس والغاية فإما الجنة لمن عمل لها وإما النار لمن أهمل العمل واتبع هواه.
الأمر الخامس: الدعوة إلى التوبة قبل أن يأتي وقت لا تُقبل فيه لأنه إذا عاين الموت فقد أغلق باب التوبة وعندما يغلق هذا الباب لم يعد بإمكان الإنسان أن يصحح شيئاً أو يتدارك الأخطاء التي أبرمتها عليه المعاينة.
الأمر السادس: الحث على العمل في أيام الأمل لأنها الميزان للمرء في يوم القيامة فمن استغل أيام أمله وتحضّر لحلول الأجل بصالحاته فقد نجا من أهوال القبر وما بعده.
الأمر السابع: الحث على التزود وهو حث قرآني مستمر وحثيث لأن كل إنسان في هذه الدنيا بحاجة إلى زاد لذلك السفر الطويل(وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)

مُبَادَرَةُ الآجَالِ بالأَعْمَال

على العاقل في هذه الحياة أن يختار من الأشياء أدومها، فلو خيّرك أحدهم بين حديد يبقى وذهبٍ يفنى، فإذا كانت موازين عقلك مستقيمة وسليمة فلا بد وأن تختار ما يبقى وإن كان قليلاً على ما يفنى وإن كان كثيراً وثميناً، هذا هو المعيار العقلائي الصحيح في عملية اختيار الأشياء، وهذا إمامنا الأكبر علي بن أبي طالب(ع) يحثنا على اختيار الأكثر الأبقى والزهد فيما لا يبقى فيقول في نهج البلاغة:
” فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ، وَتَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ، وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ، وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهمْ فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا; فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلاَّ الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ. وَإِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِالْمُدَّةِ، وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ ”
ففي هذه الموعظة الكريمة يدعونا أمير المؤمنين إلى مبادرة الأجل الذي لا بد من حلوله بالعمل الصالح الذي كان خير حافظ للإنسان في آخرته، وينصحنا بأن نشتري الآخرة بالدنيا لأن تلك الجنة التي نتمنى الحصول عليها ونرغب بالفوز بها لها ثمن في الحياة الدنيا وهو الطاعة وهو ثمن زهيد مقابل ما سوف يحصل عليه المؤمن في يوم الحساب من النعيم الدائم في الجنة التي لم يخطر جمالها على قلب إنسان مهما حاول أن يستقرب الصورة.

إِنْتِهَازُ الفُرْصَةِ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَان

يوجد في الحياة الدنيا فرص كثيرة، منها فرص عمل، ومنها فرص علم، ومنها فرص نجاح في مجالات مختلفة، والرابح في حياته هو المستغل لأدنى فرصة أمامه، لكونه يؤمن بضرورة استغلالها وأن الفرصة لا تتكرر، وموضوع عدم تكرر الفرصة ليس دقيقاً فإن الفرص المتعلقة بأمر الدنيا قد تتكرر بوجوه أخرى، أما الفرص المتعلقة بأمر الآخرة فهي نوعان: نوع يمكن تكرره واستغلاله، ونوع لا يتكرر أبداً، أما النوع الذي يتكرر، فهو مثل بعض المستحبات التي تفوت الإنسان ثم يستدركها في وقت آخر، ولكن هذا النوع أيضاً يمكن أن لا يتكرر إذا حل الأجل، والنوع الذي لا يتكرر مرة أخرى هو هذه الحياة الدنيا التي فتحها الله لعباده فهي مرة واحدة، ومن وراء هذه الحياة تبدأ مرحلة البرزخ، فإذا لم يستغلها الإنسان في الإيمان والعمل فسوف يخسر كل شيء، ولا يمكن له التعويض بأية وسيلة ممكنة حتى لو افتدى بملئ الأرض ذهباً فلن يقبل منه، وبناءاً عليه ينبغي الإسراع بالعمل وطلب التوبة قبل فوات الفرصة، قال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ) وقال سبحانه(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)
ولهذا يعظنا أمير المؤمنين(ع) فيقول(حتى إذا أنِس نافرها، واطمأن ناكرها، قمصت بأرجلها، وقنصت بأحبُلِها، وأقصدت بأسهمها، وأعلقت المرءَ أوهاقَ المنية، قائدةٌ له إلى ضَنكِ المضجع، ووَحشة المرجِع، ومعاينة المحل وثوابِ العمل:
وبهذا الكلام يحذرنا الإمام من الإطمئنان للدنيا التي تخدع أهلها وتجعلهم يطمئنون لها، حتى إذا اطمأنوا لها أهلكتهم وغدرت بهم فلا يستفيقون من تلك الغفلة إلا عندما يرون ملك الموت أمامهم قد أتى ليقبض أرواحهم.

الإَعتِبَارُ بِمَا نَزَلَ فِي السَّلَف

القرآن الكريم كتاب الحق والهدى والعلم، وهو كتاب رسم للبشرية طرق سعادتها وحذرها من العروج في طرق الشقاء موضحاً لها كلا الطريقين، وهو في نفس الوقت كتاب العبرة والموعظة حيث اشتمل على كمية كبيرة من الدروس والعبر على أمل أن يأخذ الناس بعبره فيتغير حالهم من السيء إلى الحسن، فلو قرأنا سور هذا الكتاب لاستوقفتنا آيات العبرة في كل سورة تقريباً، ففي سورة الممتحنة قال سبحانه بعد حديثه عن الأمم السالفة(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) وفي سورة الأحزاب(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) وفي سورة الحشر يدعونا القرآن بشكل صريح إلى أخذ العبرة مما رأينا وسمعنا واعتقدنا فيقول(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) وبعد أن تحدث القرآن الكريم عن عاقبة الأمم السابقة التي تكبرت وكفرت ذكر لنا تعالى شيئاً من ذلك بغية أخذ العبرة مما نزل بهم والإستفادة من تلك العاقبة التي قد تكون لنا إذا سلكنا سبلهم الضالة وطرقهم المنحرفة فقال سبحانه(وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ولأجل ذلك زادنا أمير المؤمنين وعظاً وبياناً لتكون العبرة أوضح والإعتبار بها أيسر، فقال(ع):لا يزدجر من الله بزاجر ولا يتعظ منه بواعظ، وهو يرى المأخوذين على الغِرّة حيث لا إقالة ولا رجعة كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون فغيرُ موصوف ما نزل بهم:

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى