دَوْرُ المَرْأَةِ فِيْ نَجَاحِ الثَّوْرَةِ أَوْ فَشَلِهَا

سلسلة المفاهيم الكربلائية
(5)
دَوْرُ المَرْأَةِ
فِيْ نَجَاحِ الثَّوْرَةِ أَوْ فَشَلِهَا
الشيخ علي فقيه
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
لبنان/بيروت
هاتف: 895869/03
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
قال الله تبارك وتعالى في سورة الحجرات(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
وقال في سورة آل عمران(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى)
لو دقّقنا قليلاً في أوامر القرآن ونواهيه لأدركنا حجم المسؤولية التي تحملها المرأة في هذه الحياة، فهي كالرجل من حيث التكليف، لها حقوق وعليها واجبات أُسَرية وإجتماعية، ولا شك بوجود تفاوت في بعض التكاليف بين الرجل والمرأة، ويعود هذا الإختلاف إلى أسباب تكوينية، وليس إلى ما يظنه البعض من أنّ الرجل أفضل من المرأة فإن هذه المقولة ساقطة بالوجدان وباطلة بالضرورة، حيث قد تكون المرأة في أغلب الأحيان أفضل من رجال كثيرين، وفوله تعالى(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) شامل لكلا الصنفين، فإذا كانت المرأة صالحة كانت افضل من غير الصالحين، وهذا أمرٌ واضح لا يحتاج إلى بيانات زائدة وإثباتات أخرى.
المَرْأَةُ عَبْرَ التَّارِيْخ
كانت المرأة عبر الزمن مظلومة ومضطهَدة من قِبل ذويها على وجه الخصوص، ومن قبل المجتمع عموماً، إذ كانت مخلوقاً ضعيفاً لا شأن لها في المجتمع، ولا دور لها سوى الجلوس في البيوت لخدمة الذكور وإشباع رغباتهم، حتى وصل الأمر في وقت قريب من الرسالة الخاتمة إلى دفن البنت ساعة ولادتها، وكان ذلك من العادات السائدة التي حكمت المجتمع العربي فترة طويلة من الزمن بحيث إذا رُزق أحدهم بأنثى ولم يدفنها كان بنوا قومه يعيبون عليه رقة قلبه.
لقد كانت البنت تُباع وتشترى، وتُزوَّج لمن يشاء أبوها أو أخوها من دون أن يكون لها حق القبول أو الرفض، إذ لا رأي لها، ولا يحق لها أن تعترض على شيء، فلم تكن تحدد شيئاً من مصيرها، ولم يُسمح لها بأن تشق طريقها بنفسها وترسم حياتها بيدها، فلقد كانت تُزوج بمن لا تحب، وتُحرم ممن ترغب، وذلك عن طريق التهديد والوعيد والضرب والشتم والسجن والحرمان من الطعام والشراب.
لقد أشار القرآن الكريم إلى حالةٍ كانت عليها الإناث في حقبة من الزمن حيث قال تعالى واصفاً تلك المرحلة بقوله(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ)
وقد استفحلت هذه العادة السيئة وانتشرت بقوة في المجتمع العربي الجاهلي حتى أصبح الرجال يتباهون بكثرة البنات التي وأدوها، إلى أن جاء الإسلام الحنيف، أو تجدد انتشاره على يد خاتم الأنبياء محمد(ص) الذي كان رحمة للعالمين، حيث نقل المجتمع العربي من مجتمع جاهلي وثني إلى مجتمع راق ومثقف ومؤمن، وأعطى للمرأة حقوقها التي اغتُصبت منها عبر قرون من الزمن، فأصبحت المرأة بفضل الإسلام رقماً مميزاً في المجتمع الإسلامي.
لا يمكن أن يَعمر الكون إلا بالذكر والأنثى، وقد قال الله تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)
أما المجتمعات الحالية الشرقية والغربية فلا تختلف نظرتها للمرأة، وإنما يختلف أسلوب التعامل معها والطريقة التي يتعاطى بها الرجال مع النساء، والتي لا شك بأنها ضربٌ من ضروب الجاهلية في زمن التطور والإنفتاح وانتشار العلم بين جميع الطبقات.
ما الفرق بين نظرة الغرب إلى المرأة الذي يتباهى بأنه يعطي المرأة الحرية الكاملة، وبين الذين قمعوا حريتها في العصر الجاهلي، فلو لم تكن المرأة في زماننا الحالي سلعة تُباع وتُشترى، ويُستفاد منها في أغلب التجارات لتغيرت معاملة رجال الغرب لها ولعاملوها كما كانت تُعامَل في العصر الجاهلي، وهذا يعني أن المرأة في الغرب خصوصاً وفي المجتمعات العربية التي تقلّد الغرب ما زالت مظلومة ومضطهَدة ومغلوبٌ على أمرها، فالنساء اللواتي يناشدن بمعاملة المرأة كما في الغرب هنّ لا يعرفن شيئاً عن الحقيقة، هن يردن حقوقاً معينة تقليداً منهن للغرب، ولكن هذه الحقوق تكلّفهن الكثير من كراماتهن وشأنهن.
إن أجمل وأروع معاملة للمرأة هي التي دعا إليها الإسلام الحنيف الذي نزّه المرأة وكرّمها وجعلها نصف المجتمع وسمح لها بالعمل خارج منزلها بشرط أن تحفظ نفسها وتحافظ على كرامتها، وفرض لها على الرجل حقوقاً يضمن بها سلامة عيشها بشكل طبيعي.
الإسلام الحنيف يعطي المرأة ولا يأخذ منها، ولم يفرض عليها سوى ما فيه المنفعة لها على مستوى الدنيا والآخرة، بينما نجد رجال الغرب يأخذون من المرأة أكثر مما يعطونها، وينظرون إليها على أنها مجرد سلعة أو تسلية للرجل، ويضحكون على الناس بأنهم يعطونها الحرية الكاملة، وهم لا يفرّقون بين مفهوم الحرية ومفهوم الفلتان، هناك فرق كبير بين الأمرين، فلقد سمحوا للمرة بالفلتان تحت عنوان الحرية مقابل تنفيذ رغباتهم، أما الدين الحنيف فلقد أعطاها الحرية الحقيقية ونزهها عن الفلتان لأنه يريد أن يضمن حقها في الحياة ويحافظ عليها في ذات الوقت.
ولكن هناك نساء تتحكم فيهن عقدة نقص يجب الخلاص من تلك العقدة المدمرة لحياتها، وهنا أقول لكل امرأة وفتاة:لا تنظرن إلى معاملة بعض الشعوب العربية الرجعية لنسائهم، بل انظرن إلى معاملة الإسلام لها، فإذا كان بعض الرجال من الذين يدعون أنهم مسلمون قد احتقروا المرأة وقمعوا حريتها فهذا لا يعني أن الإسلام أمرهم بذلك، إن الإسلام بريء من كل سلوك فيه أذية لأي إنسان كائناً من كان.
إن للنساء المسلمات في تاريخ الإسلام قدوة حسنة أمثال السيدة الزهراء(ع) وابنتها زينب وامها خديجة، ووالدة أمير المؤمنين، وأم البنين والرباب، وغيرهن من النسوة اللواتي أعطين المرأة عزاً وكرامة لا تضاهيها كرامة في الوجود.
فبدل أن تنظر الفتاة إلى هذه وتلك من اللواتي لا يمارسن الإسلام في معاملاتهن، فعليهن أن ينظرن إلى النموذج الصالح من النساء اللواتي لم يخلُ زمن منهن منذ عهد حواء وإلى يومنا الحالي.
نِسَاءُ كَرْبَلاء قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ لِنِسَاءِ العَالَم
لقد صنعت المرأة في كربلاء مدارس كبرى لنساء العالَم حيث أعطين لهنّ دروساً قيِّمة للدين والحياة، إذ أنّ دورها في تلك المرحلة كان كبيراً جداً حيث شكّل دور المرأة فيها سبب إنجاحها واستمرارها فكانت نساء الطرف الحسيني صدمة للطرف الآخر حيث خرجن عن الصورة التي كانت مأخوذة عن المرأة في ذلك الزمان.
لقد اعتاد الناس أن يروا المرأة مخلوقاً ضعيفاً اقتصرت وظيفته على إدارة شؤون المنزل والأسرة، وأنها تحفظ أولادها من أي مكروه يمكن أن يطرأ عليهم، ولكن تلك النظرة تبدلت عندما رأى الناس كيف كانت المرأة تشجع زوجها وابنها وأخاها على الدفاع عن الإمام الحسين(ع) وقضيته، وكانت الأم تعطي السيف لولدها والأخت تسرج الفرس لأخيها والزوجة تشجع زوجها على المضي قدماً في نصرة الحق.
وأما هذه الحالة، ولكي نفهم دور المرأة في إنجاح الثورة أو إفشالها وجب البحث في نوعين من النساء عاصرن تلك المرحلة.
النوع الأول: النساء الضعيفات:
إن ثورة الإمام الحسين(ع) كبيرة وعظيمة ومستمرة، ولكنها كانت قابلة لأن تكون أكبر وأعظم لولا تصرفات بعض النسوة الخائفات الضعيفات اللواتي اشترين مرضاة المخلوق بسخط الخالق.
نحن نشعر بمشاعر المرأة تجاه أولادها أو زوجها أو أخيها أو والدها، ونحترم تلك الأحاسيس التكوينية، ولكننا في بعض الأحيان ننظر إلى تلك المشاعر بعين السخرية والإنتقاص، وذلك عندما تُفضَّل تلك المشاعر على الواجب وتؤثَر على الكرامات، فلا قيمة لتلك المشاعر عند زوال الدين وهدر الكرامة.
فلقد خرج الإمام الحسين(ع) من المدينة المنورة قبل استشهاده بما يقرب من سبعة أشهر، وقد علم أكثر المسلمين المنتشرين في بقاع الأرض بسبب هذا الخروج لأنه(ع) صرّح به قبل خروجه ليلقي الحجة على جميع المسلمين والمسلمات.
وكان كلما دخل منطقة أو خرج من منطقة يخبر الناس بسبب خروجه ويبين لهم مدى الخطر الذي بات محدقاً بالإسلام والإنسان في ذات الوقت حتى وصل صدى صوته إلى كل أمة ومجتمع ومدينة وقرية وقبيلة وشارع وبيت.
وهناك كان دور المرأة الضعيفة التي منعت زوجها وابنها وأخاها من الخروج مع الإمام الحسين(ع) الذي يريد أن يدافع عن كرامة الأمة، فكانت المرأة الضعيفة تقول لولدها أدخل إلى دارك فما لنا وللدخول بين السلاطين: فلم تقف المرأة الضعيفة عند حدود منع ولدها من الجهاد، وإنما وصفت إمام الكون بالسلطان، وهو وصف صحيح لأن الإمام المعصوم سلطان، ولكن وصف المرأة الضعيفة للإمام الحسين بهذا الوصف حمل معنى مغايراً لما ذكرته، فلقد شبّهت الحسين بالحكام الظالمين، وذلك من باب تشجيع الرجال على البقاء عندها.
وأنا أقول بأن عدد النساء الضعيفات كان كبيراً جداً بدليل أن مئات آلاف المسلمين وصل إليهم نداء إمامهم ومع ذلك لم يلبوا النداء، فما هو السبب في عدم تلبية النداء؟ إنه النساء الضعيفات حيث ذكر لنا المؤرخون أحداثاً كثيرة من هذا النوع، فلقد كان الشاب المسلم يحمل سلاحه ويستعد للخروج إلى الإمام الحسين إلا أن أمه الضعيفة أو أخته الضعيفة أو زوجته الضعيفة كانت تستعمل معه أساليب ضعيفة تمنعه من الخروج، ولا حاجة إلى بيان تلك الأساليب لأنها معلومة لدى كل الرجال والنساء أيضاً.
وجود هذا النوع من النساء أثّر سلباً على الإسلام قبل أن يقرر الإمام الحسين(ع) الخروج من المدينة، فلو كانت تلك النسوة قويات الإيمان لشجعن أولادهن ورجالهن على محاربة الظلم قبل معركة كربلاء، ولكن الشيطان كان محكماً سيطرته عليهن حيث استعملهن وسيلة لتنفيذ مآربه في تلك المرحلة.
إن عدداً كبيراً من النسوة اللواتي منعن أولادهن من الخروج للجهاد قد خسرن أولادهن بألف سبب وسبب، ولكن من دون أن ترجع عليها منفعة من وراء موت ابنها أو زوجها، فبدل أن يموت بشرف وكرامة فقد مات بذل وهوان، وهنا أذكّر نفسي وكل المسلمين بقوله تعالى(وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)
لقد أرادت المرأة أن تحافظ على حياة ابنها وزوجها فجعلته يرتكب ذنباً كبيراً ففرّ بسببها من الزحف، وهو من كبائر المحرمات، فكانت النتيجة لهذه الضعيفة أنها خسرت الدنيا وما ربحت الآخرة.
بعض الذين حافظت عليهم أمهاتهم وزوجاتهم قد ماتوا بسقوطهم في حفرة أو لسعة حية أو بسبب مرض قاتل، وما أكثر أسباب الموت الرخيص في هذه الحياة.
النوع الثاني: النساء الصالحات:
مع الأسف الشديد لم يكن عددهن يوم المعركة كبيراً، ولكن آثار إيمانهن طغى على العدد، حيث كانت المرأة الواحدة الصالحة كألف ألف امرأة ضعيفة.
لقد صنعت النسوة في كربلاء معجزات ثورية وإنسانية حيث صدر منهن هناك ما لم يكن بالحسبان، وكان ما صدر عنهن درساً لكل امرأة في الحياة، وبالأخص المرأة المسلمة، فقد علّمت نسوة كربلاء نساء العالَم دروساً في الإباء والإيثار والصبر وتحمُّل الأذى ومواجهة الأخطار بالفعل لا بالحزن والضعف، حيث كانت الواحدة منهن تسرج خيل الشهادة لأبيها أو أخيها أو ابنها أو زوجها، وهي عزيزة النفس أبية، كما صنعت الحوراء زينب(ع) عندما قدّمت جواد المنيّة لأخيها سيد الشهداء، وقد استغربت فعلها متعجبة قائلة:أي أخت تقود إلى أخيها جواد المنيّة؟ إن الذي حرّك النسوة في تلك المرحلة وحلّاهن بالصبر والثبات إنما هو الإيمان الصحيح والوعي والفهم وحب الحياة العزيزة لأنهن آثرن الترمّل والثكل واليتم على العيش الذليل، وأبرز شاهد على ما كانت تشعر به النسوة هناك هو قول السيدة زينب(ع):القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة: بهذه الكلمات واجهت السيدة زينب محنتها وقاومت بها حزنها وخصوصاً في قصر يزيد الذي أبدى أمام زينب كل شماتة بالحسين حيث كان يضرب شفتي الرأس المقطوع ويتكلم بكلمات من شأنها أن تُفقد السامع صوابه، غير أن زينب(ع) العالِمة الصابرة المجاهدة كانت رابطة الجأش من أجل المصلحة الإسلامية العامة حيث كان لها دور بارز في إنجاح ثورة أخيها فخرجت عن كونها مجرد أخت استشهد جميع أخوتها وأولادهم، وتحوّلت بفضل إيمانها العميق إلى أمّة في امرأة لأنها علمت بحجم دورها في تلك المرحلة وأن الضعف هناك سوف يرتد سلباً على أهداف الثورة، وبالتالي على المصلحة العامة التي استشهد من أجلها أخوها الإمام(ع).
هناك أسئلة كثيرة طُرحت حول بعض أحداث الثورة الحسينية كان الغرض منها تشويه سمعة الثورة وقائدها، ولكن الإجابات كلها حاضرة عندنا لأننا تعلمنا من أئمتنا(ع) كل شيء حول تلك الثورة المجيدة.
لقد طُرح علينا كمؤمنين بالحسين الكثير من الأسئلة التي ممن شأنها أن تزعزع الثقة بين أي طرفين، ولكن إيماننا بالحسين وثورته، واعتقادنا بكونه لا يتصرف إلا بما علّمه جده وأبوه لم تؤثّر بنا تلك الأسئلة سلباً بل أعطتنا قوة إلى قوتنا.
فمن جملة الأسئلة التي طُرحَت في المقام سؤالٌ يتعلق بوظيفة النساء والأولاد الذين أخرجهم معه الإمام(ع) إلى كربلاء، ولكي نجيب على هذا السؤال بشكل واضح ووافي فلا بد من التحدث حول عدة أمور تكوّن بمجموعها الجواب المطلوب.
الأمر الأول: يتعلق بسلوك المعصوم، فلا بدّ من حمل جميع أفعاله وأقواله وحركاته وسكناته على المحمل الحسن، فلا يجوز الشك في أي تصرُّف من تصرفات المعصوم، لأن الطعن به يعني الطعن بالقدرة الإلهية التي سددته بقوة العصمة، فالمعصوم لا يخطئ بأي شيء، لا بتفكير ولا بفعل ولا بقول، بل إن قوله وفعله وتقريره يُستفاد منهم حكمٌ شرعي.
هناك تصرفات صدرت من الإمام الحسين(ع) يحسبها الجاهل مخالفة للعقل والشرع وربما لبعض العادات والتقاليد، ولكننا عندما نبحث عن الهدف من وراء هذا الفعل الغريب في نظرنا فسوف ندرك حقيقة الأمر فلا يبقى بعدها أي مجال للشك.
الأمر الثاني: هو النظر في أهداف المشككين بأفعال الإمام الحسين(ع) فإذا دققنا قليلاً في ممارساتهم ضد صاحب الثورة لأدركنا من خلال نفسياتهم الوضيعة أن ما قام به الإمام الحسين كان صواباً ولكن هؤلاء الشياطين صوروا لنا الحادثة على أنها غير لائقة، ومعلوم عن هؤلاء الكذابين الوضّاعين أنهم يتحيّلون اية فرصة للإنقضاض على الحق فيتسللون إلى عقول الناس من خلال تصرفات تحمل أكثر من وجه وتفسير كتلك التصرفات التي صدرت من الإمام الحسين(ع) قبل المعركة وعند المعركة، والتي كانت كلها تصب في مصلحة الإسلام والمسلمين.
الأمر الثالث: إخراج بعض النساء والأولاد إلى ساحة المعركة:
فمن جملة تلك التصرفات التي صدرت من الإمام الحسين(ع) قبيل خروجه من مدينة جده(ص) أنه أخرج معه نساءه وبناته وأطفاله وبعض النساء والأطفال لأخوته وأصحابه، فما هو السبب في إخراج هؤلاء بعينهم.
أنا شخصياً وبحسب خبرتي المتواضعة حول الثورة الحسينية رأيت أن هناك سببين أساسيين لهذا التصرّف.
السبب الأول: وهو أن الإمام(ع) كان مدركاً للوسائل التي سوف يستعملها الطرف اليزيدي للضغط عليه، وكان أول ما يمكن أن يفعلوه هو اعتقال نسائه وأولاده ليساوموه في شأنهم، فكان الحل لهذه القضية هو أن يخرجهم معه فيتخلص من هذه القضية.
طبعاً فالجهات المعادية استثمرت هذا الفعل للتشويه بسمعة الحسين فقالوا إنه قد أخرج النساء والأطفال ليحتمي بهم، فلو كان الإمام(ع) خائفاً من يزيد لتخلّص من هذا الخوف بكلمة واحدة ليزيد لأن المطلوب من الإمام كان إعلان المبايعة ليزيد، فأجابهم بقوله الشهير:ومثلي لا يبايع مثله: فعلى المشككين الضالين أن يلعبوا غير هذه اللعبة التي باتت معالمها واضحة للقاصي والداني.
السبب الثاني: وهو أن الإمام الحسين(ع) كان يعرف ما سوف يجري عليه في مكان قفر لا يقصده المسافرون عادة، وأن الطرف اليزيدي يريد أن يرتكب جريمته في ذلك المكان من أجل أن يضيع فيه دم الحسين وأولاده، وبالتالي تضيع قضيته التي بذل روحه وأرواح أولاده من أجلها، فأخرج معه النساء والأطفال ليكونوا وسيلة إعلامية تنقل الأخبار إلى جميع البلاد، وهذا ما حصل بالفعل عندما راحت السيدة زينب(ع) ومن معها من النساء والأطفال يبينون الحقيقة لأهل كل قرية أو مدينة مرّوا بها مما أحدث ضجة إعلامية كبرى قلبت الموازين رأساً على عقب وتسببت بزوال الحكم الأموي الغاشم.
فالإمام الحسين(ع) لم يصرّح بتفاصيل خطته لدى خروجه من المدينة كيلا تنكشف للطرف اليزيدي، ولكن غاية ما قاله عندما سأله بعض المحبين عن سبب خروجه: شاء الله أن يراني قتيلاً: وهذا ما تعلمه من جده وأبيه، بل هذا هو علم الوحي الذي كان ينزل على جده(ص)، وأما ما قاله في شأن إخراج النساء معه:شاء الله أن يراهن سبايا:
معنى ذلك أن قضية الثورة الحسينية تتعلق بالإرادة الإلهية مباشرة، ولا يحق لنا أن نتدخّل بتفاصيلها الغيبية، إن هناك خصوصيات في المعصوم لا يمكن لغيره أن يفهم واقعها كما يجب.
فالنساء الصالحات اللواتي أخرجهن معه الإمام إلى كربلاء لعبن دوراً هاماً في إنجاح الثورة قبل المعركة وعند المعركة وبعدها.
أما قبلها: فإنهن لم يترددن بالخروج، ولم يمنعن رجالهن وأبناءهن وأخوانهن من المسير في الركب الحسيني المبارك، بل على العكس رُحن يشجعن الرجال على الخروج وعلى نصرة إمامهم.
وأما عند المعركة: فإنهن لم يبدين ما يُشمت بهن الأعداء، ولم يتصرفن بشيء مخالف للخطة الأساسية التي رسمها القائد العظيم، بل كنّ يشجعن الرجال على النزال والقتل، ومنهن من حملن الحديد وهجمن على الأعداء واستشهدن في ساحة القتال.
وأما بعدها: فلقد شكّلت تلك النسوة العامل الثالث من عوامل إنجاح الثورة، وهو عامل الإكمال والمتابعة، وتلك الكلمات والخطب التي صدرت منهن في مجالس الأعداء لا يمكن ليتيمة أو ثكلى أخرى أن تأتي بمثل هذا الكلام البليغ والمركَّز الذي صدر منهن وأحدث ضجة كبرى في الأوساط الإسلامية.
وإليكم بعض النماذج عن تشجيع النساء الصالحات على القتال:



