موافقة المعجزة لأرقى فنون العصر

موافقة المعجزة لأرقى فنون العصر
مَا هِيَ المُعْجِزَة
المعجزة هي الحدث الخارق للنواميس الطبيعة، وبمعنى آخر: هي العمل الخارج عن نطاق المألوف للأنظمة التكوينية وللأذهان.
فليس من العادة أن تتحول العصا إلى ثعبان، وليس منها أن تتحول النار إلى برد، ولا منها أن تخرج ناقة من بين الصخر، ولا منها أن ينفلق البحر.
وقد حصر تعريف المعجزة معناها الحقيقي وذلك لعدم الخلط بينها وبين السحر من جهة ، وبينها وبين الكرامة من جهة أخرى.
مَا هُوَ السِّحْرُ
السحر مجرد فنٍّ ووهمٍ، ولا صلة له مع الحقيقة أبداً، غاية ما في الأمر أن الساحر يسحر العيون فيريك شيئاً على غير واقعه، ولكنك إذا أتيت إلى هذا الشيء ولمسته بيدك لكنت لمستَ شيئاً على حقيقته، فلو أنك كنت في زمن المواجهة التي جرت بين موسى والسحرة واقتربت من تلك الحبال ولمستها لكنت لمستَ حبالاً وليس أفاعي، أما لو اقتربت من ثعبان موسى لالتهمك ولم يبق لك وجود حتى بعد أن عادت العصا إلى حالتها الأولى، والدليل هو أن الحبال التي ألقاها السحرة ورآها الناس أفاعي قد التهمتها عصا موسى، ولذا فإنه عندما عادت العصا إلى طبيعتها الأولى لم ترجع الحبال إلى السحرة ولم يبق لها وجود، ولعل هذا هو الذي أثبت للسحرة أن ما أتى به موسى ليس سحراً بل أمر حقيقي مائة بالمائة من دون أي شك.
ومن هنا يظهر لنا الفرق بين السحر والإعجاز، فالسحر وهم من دون شك، والمعجزة حقيقة من دون شك.
الفَرْقُ بَيْنَ المُعْجِزَةِ وَالسِّحْر
يضطر الباحث لعقد مثل هذا الموضوع بسبب الأيدي الشريرة التي تحاول تشبيه المعجزة بالسحر بهدف زرع الشكوك في قلوب بعض الضعفاء، فلو لم يوجِّه المعاندون تهمهم الباطلة نحو المعجزة لما كان هناك حاجة لعقد هذا البحث من الأساس، ولكنهم عندما أشاروا إلى المعجزة بإصبع الإتهام أصبح لازماً علينا توضيح الأمر حذراً من أن تجرف تلك الأوهام بعض المؤمنين الذين لم يمكّنوا أنفسهم بسلاح العلم.
فلو لم يُتهم الأنبياء بالسحر لما اضطررنا إلى بيان الفرق بين السحر والمعجزة لأن الكفار والمعاندين قد أسسوا تلك الفكرة في عقول الناس بسبب وجود مشابهة ظاهرية بينهما، مع العلم أن السحر والمعجزة لا يشبه بعضهما بعضاً، ولكن الوهم قد لعب دوره بفعل أهل الضلال الذين صوروهما للناس أمراً واحداً.
والسبب في توجيه هذا الإتهام للمعجزة هو أن المعاندين رأوا نافذة على المعجزة واستطاعوا أن يتسللوا من خلالها إلى عقول البعض منا، وكانت تلك النافذة هي السحر الذي اعتاد الناس عليه من قبل فأصبح من الممكن لأصحاب الأغراض السيئة أن يزرعوا في عقول الناس تلك الفكرة التي لو بحثنا عنها قليلاً لما وجدنا لها واقعاً في عالم المعجزات كما أشرنا.
والنتيجة هي أن الساحر كاذب والنبي صادق، والسحر خيال، والمعجزة واقع.
دَوْرُ المُعْجِزَةِ فِيْ تَبْلِيْغِ الدَّعْوَة
لا يمكن لعاقل أن يشك في الدور الكبير الذي تلعبه المعجزة في عملية تبليغ الرسالات السماوية وإثبات صدق ما بُعث به الأنبياء من الكتب والشرائع، وكأن الله سبحانه وتعالى قد حسم الموقف بالمعجزات حيث لا يمكن للمتمتع بالقوة العقلية أن ينكرها إلا إذا كان معانداً فعند ذلك لا تنفعه المعجزة ولا غيرها من أساليب الإقناع لأنه لا يريد أن يؤمن، وهناك فرق كبير بين من لا يعرف ومن لا يريد أن يعرف.
فلو دققنا في حقيقة أمر من استمر على الكفر بعد أن رأى المعجزات لوجدناه معانداً.
إن الذين وقفوا في وجه الأنبياء وعرقلوا مسيرة الإيمان هم المعاندون الذين وجّهوا الإتهامات الباطلة لأنبياء الله ووضعوا في طرقهم العثرات والعراقيل، واتهموهم بالكذب مرة وبالسحر مرة أخرى من أجل إبعاد الناس عنهم حيث لم يكن من مصلحتهم أن يؤمن الناس بالله الواحد.
كانوا يستفيدون من كفر الناس ببيعهم الأصنام وأخذ الربا منهم والإتجار بأنواع كثيرة من المحرمات.
إن دور المعجزة في إثبات الحق كبير، يمكن لنا أن نثبت ذلك من خلال عجز البشر عن مواجهتها وإذعان كثير من الناس بها.
ثم إن الإقدام على قتل الأنبياء لَدليل قاطع على أهمية المعجزة لأنهم لو قدروا على الوقوف بوجهها لفعلوا ذلك، ولكنهم عندما عجزوا عن تكذيب الأنبياء وإنكار المعجزات عمدوا إلى قتلهم لظنهم بأن ذلك هو الطريقة الوحيدة للقضاء على ما زرعه الأنبياء في قلوب الناس وعقولهم.
وهذا ما يكشف لنا عن كون الإعجاز أكبر سلاح امتلكه الأنبياء، ولولاه لما أثمرت جهودهم.
سَبَبُ حُدُوْثِ المُعْجِزَة
ومن جملة الحقائق التي ينبغي كشفها حول المعجزة هو سبب حصول المعجزة، فإن الأنبياء لم يبادروا إلى المعجزة إلا بعد أن طلب الناس منهم ذلك، فهي تحصل بناءاً على طلب الناس.
وكانوا يعلّقون إيمانهم بالله على حصول معجزة معيّنة، ولكنهم كانوا في الغالب يصرون على كفرهم وعنادهم مع العلم بأن المعجزة حدثت نزولاً عند رغبتهم، كما صنع قوم صالح عندما طلبوا منه القيام بمعجزة تُثبت لهم صدق نبوته فأتى بمعجزة الناقة التي حدثنا عنها القرآن الكريم في أكثر من سورة وكانت النتيجة أنهم عقروها تحدياً منهم لرب العالمين الذي أنزل عليهم العذاب وجعلهم عبر للناس.
ومن الطبيعي أن يطلب الناس الإعجاز من أي شخص يأتيهم بشريعة، فغير الأنبياء سقطوا، أما الأنبياء فقد صمدوا واستمروا وبلغوا الرسالة، وكان للمعجزة دور بالغ الأهمية في إحقاق الحق.
الإِعْجَازُ عَلامَةٌ عَلَى النُّبُوَّة
من حق كل إنسان أن يطلب البرهان على أية دعوة تصدر من أي شخص مهما كان مستواه الديني والإجتماعي والأخلاقي بين الناس، ومهما كان تاريخه حافلاً بالمواقف الصادقة.
نعم.. قد ينفع هذا التاريخ كثيراً فيما لو أتى بالدليل القاطع على صدق دعواه، أما إذا لم يأت بالدليل فليس من واجب الناس أن يصدقوه أو يؤمنوا به لمجرد اجتماع تلك الصفات فيه، وهذا ضرْبٌ من ضروب النظام الحكيم المجعول لوظيفة النبوة
بل من الغباء أن ينجرف المرء وراء الوهم والهوى لمجرد أن صاحب هذه الدعوة أو تلك رجل جيد، والأشد غباءاً من ذلك هو أن ينكر المرء الدليل القاطع.
وبعد ذكر هذه المقدمة يمكننا القول بأنه ليس من واجب الناس أن يؤمنوا بأي شيء إلا بعد إقامة الدليل، ولا يمكن أن يكون الرجل نبياً إلا إذا قام بالمعجزة على اختلاف أنواعها لأنها الدليل الوحيد على كون الداعي نبياً، وبغير المعجزة لا تقوم الحجة على البشر.
فلقد كان كلما بُعث نبي إلى قوم من الناس سألوه عن الدليل، بغض النظر عن العناد الذي قد يصدر من البعض بعد إقامة الحجة، نحن نبين هنا المطلب الطبيعي لكل إنسان تصله الدعوة.
ويمكن القول بأن جميع الناس الذين عاصروا الأنبياء قد طلبوا مثل ذلك، فمنهم من آمن، ومن الطبيعي أن يؤمن الإنسان بعد المعجزة، ومنهم من أصر على الكفر لأنه لا يريد أن يؤمن.
الأَدْوَارُ التِي يَلْعَبُهَا الإِعْجَازُ
لقد حصر بعضهم مهمة المعجزة في موضوع كونها دليلاً على صدق الداعي، وقد بيّنا ذلك، وقلنا بأن المعجزة دليل على صدق ما أتى به الأنبياء.
ولكننا نقول: لا ينبغي حصر دورها في هذا الموضوع فقط، وذلك لإمكان انحلال هذا الدور إلى أكثر من واحد:
الدور الأول: وهو الموضوع المتفق عليه بين الجميع، فلا يمكن لأحد أن ينكر هذا الدور لها.
الدور الثاني: وهو أن المعجزة قطعت الطريق أمام المغرضين الذين ادعوا النبوة لأنفسهم ولم يأتوا بالمعجزات، كمسيلمة الكذاب الذي نُعت بذلك لأنه لم يأت بالمعجزة، فلو أتى بها لكان نبياً، ولكنه وُصف بالكذاب حيث لم يأت بالدليل المطلوب من كل نبي يرسله الله إلى مجموعة من الناس.
فلو لم تكن المعجزة علامة على النبوة لإدعى النبوة في اليوم الواحد ألف شخص، وقد حصل هذا الإدعاء من البعض في عصرنا فأصبحوا موضع سخرية عند الناس.
ولو أننا دققنا قليلاً في حقيقة استهزاء الناس لهؤلاء لوجدنا أن سببه عدم وجود المعجزة، وكأنه أصبح هذا الأمر من المسلمات لدى جميع البشر من مسلمين وغير مسلمين.
الدور الثالث: وهو أن المعجزة مصدرٌ للعبرة والموعظة والتذكير بالله عز وجل.
وعلى فرض أن أحداً ادعى النبوة ولم يأت بالدليل، وكان في الواقع نبياً، ولم نؤمن به، لم نكن مطالَبين بشيء يوم القيامة لأنه لم يأت بالبرهان، وهذا من الفروض المستحيلة لأنه لم يبعث الله نبياً من دون دليل.
الدور الرابع: وهو بيان القدرة الإلهية المطلقة، وكأن لسان حال المعجزة يقول: إن الذي خلق هذه المعجزة هو الذي خلقكم والذين من قبلكم، وهو الذي سوف يبعثكم أحياء في يوم القيامة.
مُوَافَقَةُ المُعْجِزَةِ لأرْقَى فُنُوْنِ عَصْرِهَا
لكي تكون المعجزة ذات أثر فعّال أمام إنكار أهل الضلال لا بد أن تفوق أرقى فنون عصرها وعصرهم فإن ذلك يساعد كثيراً في عملية إثبات صدق الأنبياء بشكل أسرع.
وقد توقع الأنبياء(ع) حدوث مواجهات مع الأطراف الضالة الذين سوف يدَّعُون تَفَوُّقهم على الأنبياء في فنونهم وتجاراتهم وصناعاتهم ليثبتوا بذلك ضعف الأنبياء.
لقد ظنوا ذلك لجهلهم بما أتى به الأنبياء من المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة والتي لم يعرف الناس غيرها، فأتوا بالمعجزات لتكون حجة على المعاندين.
لقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يُقطع الطريق أمام المغرضين المستفيدين من بقاء الناس على الضلال والمستفيدين أيضاً من انحراف المؤمنين عن الحق فأجرى الله تعالى على أيدي أنبيائه معجزات فاقت أرقى فنون عصورها بحيث لم يكن لأحد أن ينكر صحة الأمر أو يواجهه مهما كان ذال مال وجاه وسلطة لأن المعجزة تشكل قوة غير عادية فلا يمكن لأحد أن يقف في وجه هذه القوة.
ففي زمن كليم الله موسى(ع) اشتهر السحر الذي كان يعتبر الفن الأرقى والسلاح الأقوى في وجه أي خطر يهددهم، ولهذا السبب استعان فرعون بالسحرة رغم كثرة جنوده وقوته العسكرية، فأجرى الله تعالى على يد كليمه معجزة أشبهت السحر بظاهرها، ولكنها في الواقع تباينه وتغايره، فهي شيء، والسحر شيء آخر، ولذا فقد خضع السحرة لموسى بعد أن رأوا معجزته التي لم تكن سحراً، إذ لو كانت كذلك لما سجدوا لموسى وهم أعلم أهل زمانهم بهذا الفن.
وفي زمن روح الله عيسى(ع) اشتهر الطب فأجرى الله سبحانه على يديه معجزات فاقت أرقى مستويات هذا العلم مما كشف للناس عن حقيقة ما جاء به لأن الطب عاجز عن القيام بذلك.
وفي زمن حبيب الله محمد(ص) اشتهرت البلاغة والفصاحة فأتاهم بالقرآن الكريم الذي أعجز أهل البلاغة ببلاغته وأخرس ألسنة الفصاحة بفصاحته وقهر أهل الفكر بعمق معانيه.
ولقد كان لمشابهة المعجزة فنون عصرها أثر كبير على قلوب الناس الذين آمن منهم كثير لما رأوا ما عجز أعظمهم عن القيام بمثله.
ولا نعني بذلك ضرورة مشابهة المعجزة لفنون عصرها إذ قد تكون أجنبية عن ذلك كشق البحر وإخراج الناقة من الجبل، وهذه مصلحة يحددها الله تعالى.
الهَدَفُ مِنْ إِنْكَارِ المُعْجِزَات
لا يوجد هدف منطقي يدعو إلى رفض المعجزة وإنكارها، وإنما يوجد خلفيات سيئة نشأت بسبب أطماع أهل الكفر والعناد الذين جعلوا لكل قائم مائلاً ولكل حق باطلا.
ولا نعني بتلك الخلفيات ما هو خاص بالمعجزات فقط لأنه يوجد خلف كل إنكار للحق خلفية مثلها، وإنما خصصنا ذكر المعجزة هنا لكونها موضع كلامنا.
ولو تركنا الحكم هنا لأهل العقول المجردة عن كل عقيدة لحكموا على هؤلاء المنكرين بالخطأ والعقاب، وذلك لعدم وجود مبرر عقلي لهذا الإنكار الذي دلت القرائن والتصاريح على حقيقة خلفياته السيئة التي لا يراد منها سوى العناد الغير مبرَّر.
ولم تكن تلك الخلفيات موجودة في مجموعة دون أخرى أو في أمة دون أمة، بل كانت مسألة عامة لدى جميع الأمم عبر الزمن لأن سبب إنكار معجزات إبراهيم(ع) هو نفسه سبب إنكار معجزات موسى وعيسى وجميع الأنبياء قبلهم وبعدهم.
والقاسم المشترك بين جميع المنكرين هو الحفاظ على مواقعهم عند أقوامهم.
وإننا نعني بتلك المواقع المواقع السياسية والعسكرية والإقتصادية التي قام أكثرها على كفر الناس وانحرافهم.
فليس من مصلحة بائع الأوثان أن يؤمن الناس بإله واحد لأن هذا يعني وقف تجاراته القائمة على ثبات العقائد الباطلة واستمرارها، وهم على علم بعدم استحقاق الأوثان للعبادة، ولكن ليس من مصلحتهم أن يستغنوا عن تلك المعتقدات.
فمَنْ منّا يجزم بأن آزر كان مقتعاً بربوبية الأصنام؟ إن الشيء الذي اقتنع به هذا الرجل وأمثاله هو التجارة وكسب المال مهما كان طريق كسبه لأنهم لاحظوا النتيجة ولم يلاحظوا الوسيلة.
وليس من مصلحة بائع الخمر أن يَصدر حكم بتحريم شربه، وكذا الحال عند جميع أصحاب التجارات القائمة على الإنحراف.
ويمكن القول بأن أحداً لم يكن مقتنعاً اقتناعاً تاماً بربوبية الأصنام لأن العقل البشري لو خلي ونفسه لأدرك تلك الحقيقة التي لا يمكن أن تنكر بوجه من الوجوه.
وقد يكون سبب الرفض أمراً آخر، ولكن لا يمكن القول بأن نوعاً من الإنكار قد قام على أسس واضحة ومقبولة.
وهذا هو السبب الذي جعل بعض الناس يقتنعون بما جاء به الأنبياء بشكل سريع، ولعلهم كانوا ينتظرون الظرف المناسب لإعلان البراءة من الأوثان.
وبهذا تظهر لنا خلفيات إنكار المعجزات.
وقد ينكر الإنسان قولاً أو رأياً أو أمراً من الأمور الطبيعية، أما أنه ينكر أمراً خارقاً لنواميس الطبيعة فهذا ما لا يقبل به عقل سليم ولا يؤيده رأي سديد.



