مؤلفات

مَوَاضِعُ الخَلْق

مَوَاضِعُ الخَلْق

لكل إنسان في هذه الحياة وضعه الخاص، فمنهم القوي والضعيف ومنهم الغني والفقير ومنهم الرئيس والمرؤوس، ومنهم العالم والجاهل والمؤمن والكافر والمطيع والعاصي، ولكل فرد من البشر درجة خاصة في هذه الحياة ، إما أن تكون درجة في المال أو في السلطة أو في العلم، فالكبير له وضعه وشأنه والصغير له وضعه وشأنه، فلا غنى للكبير عن الصغير ولا العكس، وهذه هي سنة الحياة، ولا شك بأن الإنسان هو الذي يختار الوضعية التي يريدها وذلك من خلال تفكيره وسعيه واختياره لأي شيء، فمنهم من رضي من الحياة بما هو عليه من الفقر والجهل والضعف رغم قدرته على التغيير، ومنهم من سعى إلى شيء فوصل إليه.
هذا التفاضل أو هذا الإختلاف في الدرجة لم يكن بين الناس العاديين فقط وإنما جرى في ساحات النبوة فإن هناك أنبياء أعلى بالدرجة من باقي الأنبياء، فلا أحد يشك بأن خاتم الأنبياء(ص) هو أعلى درجة من كل نبي سبقه، ولا يشك أحد بأن إبراهيم الخليل أعظم درجة من لوط، وهكذا الحال بين الجميع، وهذا ما صرح به القرآن الكريم حيث قال سبحانه(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)
وقد أخبرنا القرآن أيضاً بأن الله تعالى يرفع درجات من يشاء من عباده، ولكن هذه الرفعة لا تكون إلا بعمل الإنسان واختياره فلا يرفع الله الجاهل ولا الظالم ولا الكافر وإنما يختار من خلقه أشخاصاً يمتعهم بهذه الدرجة العليا من الرفعة والشأن، قال تعالى(وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)
وقال تعالى(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقال سبحانه(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)
أما أهل التقوى فهم في الدنيا أهل المَكرمات والفضائل حيث ميزهم ربهم بالتقوى وفضّلهم على من سواهم وجعلهم ذوي كرامات خاصة لأن أكرم الناس عند الله تعالى هم الأتقياء كما أشار القرآن الكريم حيث يقول(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
فرغم المواضع المختلفة في أحوال البشر، ورغم سعي الكثيرين منهم للوصول إلى الأعلى يبقى المتقين سادة البشر رغم فقر بعضهم ودنو مستواه المعيشي أو الإجتماعي لأن الله تعالى يرفع أهل الإيمان وإن كانوا فقراء.
والله تعالى رفع المتقين لأنهم أرادوا أن يكونوا أتقياء وسعوا إلى ذلك عبر خشية ربهم والإلتزام بأوامره ونواهيه فإن التقوى لا تأتي بالتمني والخيال فقط بل لا بد فيها من العمل فإذا لم يعمل المرء لم يكن تقياً بل لا يمكن له أن يبلغ هذه المنزلة العالية والرتبة السامية والموضع الرفيع المتصل بعزة الله عز وجل.
ونصيحتي لكم أن تضعوا نَصب أعينكم قوله تعالى(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى