
الحسنات والسيئات
في الواقع إن الحديث عن الحسنات والسيئات في القرآن المجيد متعدد النواحي ومتنوع الجهات، حيث لم تخلُ سورة قرآنية من التعرّض إلى ذكر هذا الموضوع إما على نحو التفصيل أو على نحو الإجمال، وليس من المستغرَب أن يكون الحديث عن الحسنات والسيئات كثيراً ومنوعاً ومكرراً في القرآن، لأن الميزان الأول الذي جعله الله تعالى للبشر في هذه الحياة هو ميزان الحسنة والسيئة، وذلك أنّ الإمتحان الأساسي لبني البشر قائم على هذين الأمرين الكبيرين اللذين يجب أن نلاحظهما دائماً ونجعلهما أمامنا في جميع تحركاتنا العامة والخاصة كيلا نخرج عن الحدود المرسومة لنا في حياتنا الدنيا.
فهناك عدة نقاط حول الحسنات والسيئات قد تعرض القرآن لها من باب التنبيه والتعليم والإرشاد والتحذير، كل نقطة تصب في جهة خاصة، وينبغي علينا لكي نفهم الأمر أن نضع الإصبع على تلك الجهات لنخرج من البحث بالنتائج المرضية.
والإنسان بتكوينه الأول مفطور على الحسنة والسيئة، فهو قادر على فعل هذه أو ارتكاب تلك، وهو مخيّر في الدنيا بينهما، فمن جاء بالحسنة وجدها نوراً له في الدنيا والآخرة، ومن ارتكب السيئة ولم يتب منها وجدها ظلاماً وعذاباً في يوم الحساب إذ لا بد من أن تعود السيئة حسرة عليه في يوم القيامة، لأنها مخالفة للخالق القدير الذي تجب طاعته على كل حال وفي جميع الأحوال، فالحسنة لها أثر كريم على قلب فاعلها لأنها تجعل قلبه نيّراً مرتاحاً مطمئناً بسبب عاقبتها عليه، تلك العاقبة هي رضا الله عز وجل، وفي إثبات هذه الحقيقة قال رسول الله(ص):وجدتُ الحسنة نوراً في القلب وزَيناً في الوجه وقوة في العمل، ووجدت الخطيئة سواداً في القلب ووهناً في العمل وشَيناً في الوجه:
فقد يقترف الإنسان خطئاً أو جملة من الأخطاء الكبيرة والصغيرة، ثم تتحرك بداخله أنوار التوبة ومفاعل الأوبة فيقرر الرجوع عن الخطأ ويقرر أن يتركه من دون رجعة فيُحسن بعد الإساءة ويطيع بعد المعصية ويعمل صالحاً بعد أن كان مستهتراً بأحكام ربه، وبعد ذلك يجد اللهَ تواباً غفوراً لمن كانت توبته صادقة فيكتبه ربه من المحسنين، والإحسان بعد الإساءة له آثاره الخاصة التي حدثنا عنها القرآن وبينها لنا المعصومون(ع) ففي بيان الأثر الحسن للحسنة بعد السيئة قال سبحانه وتعالى في سورة النمل(إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
وهنا يستثني الله من عذابه أولئك الذين يغيرون سلوكهم من سيء إلى حسن وهذا يُظهر لنا بكل وضوح أن أكبر أثر من آثار استبدال السيئات بالحسنات هو الحصول إلى مغفرة الله عز وجل.
والكتاب المجيد مليء بالآيات التي تذكر موضوع الحسنات والسيئات:
منها قوله تعالى(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) وهنا تتجلى لنا الرحمة الواسعة بأبهى معانيها وأروع صورها، ويظهر لنا مدى اللطف الإلهي بعباده وهنا تأخذنا الدهشة حول عظيم الرحمة وجميل اللطف إذ كيف يمن الله علينا بأضعاف مضاعفة عند قيامنا بالحسنة، وكيف يُجزينا بالسيئة مثلَها مع وضع مجال للتغيير والتصحيح حيث جعلها قابلة للمحو إذا تاب فاعلها بصدق وإخلاص.
وإذا نظرنا إلى هذه الآية الكريمة وتأملنا في معانيها نجد بأن المضاعفة لا تقتصر على العشرة فقط لإمكان أن يكون المراد بهذا الرقم بيان الكثرة والمضاعفة على اعتبار أن تعود الحسنة على فاعلها بمئات الأضعاف كما تشير بعض الآيات التي وصل عدد المضاعفة فيها إلى سبعمئة ضعف كما في قوله تعالى(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) يعني أن الأمر قابل للزيادة إلى حد لا يعلمه إلا الله عز وجل.
والأمر هنا دقيق للغاية لأنه ليس عملية حسابات فالحسنات التي يدخل بها الإنسان الجنة لا يُنظر إلى أعدادها بل إلى فحواها وعدم تشويهها بالسيئات المانعة لها من القيام بدورها، فالحسنات تذهب بالسيئات إذا تاب فاعلها وسلك الطريق الصحيح وانتهج النهج القويم، قال تعالى(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) فيدل هذا السلوك الرباني الرحماني على مدى اللطف الإلهي الذي به ننال الرحمة وندخل الجنة إذ لا نتكل كما قال السجاد في النجاة على أعمالنا بل بفضل الله تعالى علينا ورحمته الواسعة بنا، وفي الآيات يبين الله تعالى حكمته لنا وفضله علينا بأن جعل محوَ الحسنات للسيئات ذكرى للذاكرين وعبرة للمعتبرين، فهذه هي القاعدة الأساسية وهي أن الحسنات تلغي السيئات ليس بشكل مطلق بل بشرط أن يكون المحسن تائباً ومصمماً على عدم ارتكاب المعصية فإنه كما كانت الحسنات ماحية للسيئات فهناك سيئات ماحية للحسنات، فالمؤمن الواعي يطمئن لفحوى هذه الآية من أن الله عز وجل يُمحي السيئات بالحسنات وفي نفس الوقت يبقى الخوف يشغَل حيّزاً كبيراً في نفسه، ومنشأ هذا الخوف هو الوقوع في بعض المعاصي التي تُعتير فاصلاً بين العبد وربه، ولسنا هنا بصدد بيان أنواع تلك السيئات ولكن يوجد هناك سيئات خطير إن لم نقل بأن جميع السيئات خطيرة، ووجه الخطر فيها ليس حجمها ونوعها بل هو فعلها مع الإستهتار بالإستغفار منها فالسيئات التي لا خطر منها هي التي يتوب فاعلها منها أما الخطيرة فهي التي يستهتر صاحبها بها فتُبرَم عليه تبعاتها.
ومن الآيات الحاكية عن الحسنات والسيئات قوله تعالى في سورة يونس(لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
وفي هاتين الآيتين تأكيد على كون الحسنة مضاعَفة، وبيانٌ لعاقبة المحسنين والمسيئين، أما المحسنون فجزاؤهم الجنة والعزة والكرامة والأمن والأمان، وأما المسيؤون فهم أصحاب النار لأنهم خالفوا مولاهم الحق وعصوه، وهنا تشبيه لوجوههم بقطع الليل المظلم لشدة الغضب عليهم.
ومن الآيات الحاكية عن الحسنة والسيئة قوله تعالى(وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ)
فعلى الإنسان الذي يخاف الله ويرجو ثوابه أن يدفع السيئة بالحسنة بمعنى أن يستبدل فعل السيئات بفعل الحسنات فهو أزكى له وأنفع، وفي هذا الصدد قال سبحانه في سورة المؤمنون(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) وفي مجال قريب من هذا المعنى قال تعالى(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)
ومن جملة الآيات التي تحكي عن عاقبة الحسنة والسيئة قوله سبحانه(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
وفي سورة القصص(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُون)
وفي سورة غافر(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)
وهناك عشرات الآيات التي تتحدث عن الحسنات والسيئات من جوانب عديدة…..



