كتُب

صِفَاتُ المُتَّقِيْنَ فِيْ القُرْآنِ الكَرِيْم

الشيخ علي فقيه

تَمْهِيْد

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول رب العالمين أبي القاسم محمد بن عبد الله، وعلى أهل بيته الأطهار الميامين، وبعد:

لولا كتاب الله العزيز لما عرفنا من العقائد شيئاً، لأنه كتاب الهداية الذي إذا عمل به الإنسان كان عند الله من الفائزين.
فوظيفته القرآن الأساسية هي هداية البشر عبر تلك التعاليم التي أنزلها الله تعالى فيه، وإلى هذا المعني يشير الله عز وجل بقوله(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)
فأنزل الله هذا الكتاب ليكون نوراً يُهتدى به في ظلمات الحياة، وليواكب البشر إلى يوم القيامة، وبالتالي فهو خاتمة الشرائع السماوية، التي فيها كل التعاليم التي تجعل من الإنسان إنساناً مؤمناً وصالحاً، وترسم له طرق الخير والشر ليسلك الطريق المستقيم ويصل من خلاله إلى الرضوان.
وقد أشار هذا الكتاب إلى علامات أهل التقوى من أجل أن نلتزم بها ونسلك طريق الهداية المتصلة بالرحمة والمغفرة والرضوان.
ومهما أطلنا الكلام وأسهبنا في الحديث عن مفهوم التقوى وآثارها الكبرى ودرجاتها العليا فلن نقدر على الإحاطة بتفاصيلها لأنها طريق واسع متعدد المفاهيم ومتشعب الأبواب، وإنّ عدم إدراك كل شيء عن التقوى أو عدم استطاعة البعض من الإحاطة بتلك التفاصيل لا يعني أن نهمل تلك الأشياء أو نلغيها من قاموس هذا المفهوم، ولا يعني أن نتجاوز الأمر وكأنه بحكم المعدوم، فإن ما يعنيه ذلك هو أعمق بكثير، بل هو مخالف لهذا المنطق الضعيف الخالي من الطموح ومن الأهداف السامية.
وإن عدم إدراكنا لتفاصيل التقوى لا يعني وجود تقصير في مصادر التشريع التي لم تترك أمراً إلا ووضعت له القوانين العادلة والعلاجات المناسبة حيث ورد أن الواقعة لا تخلو عن حكم، مهما كان نوع تلك الواقعة أو حجمها، والسبب في ذلك هو أن الإسلام الحنيف دين دقيق ومحيط بكل شيء تجاه البشر، بل إن هناك أموراً أهملتها أيدي الناس بسبب صغرها ولكن الإسلام لم يهملها بل حث على تطبيقها لما لها من منافع وفوائد إن لم يكن ذلك على مستوى الدنيا فهو على مستوى الآخرة التي هي الهدف الأسمى من سلوك المؤمن واعتقاده وعمله.
إذاً لا يوجد تقصير في مصادر التشريع بل إن التقصير مصدره هفوات الأنفس وشهواتها ورغبتها فيما كان للدنيا دون الآخرة.
وإن عدم معرفة البعض لتفاصيل التقوى لا يعني عدم وجودها، بل يعني عدم مبالاة الناس فيها، وهذه الحقيقة تُعتبَر منطلقاً أساسياً في عملية البحث عن تلك التفاصيل كيلا يوجّه أحد من الناس إصبع التهمة لمصادر التشريع، فما لم يذكره القرآن مفصلاً أو غير مفصَّل فقد ذكره الرسول الذي لا ينطق عن الهوى بل الذي أمرنا الله تعالى أن نأخذ عنه كل شيء، وهذا معنى قوله تعالى في سورة الحشر(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
فالتقوى ليست أمراً عابراً، ولا هي مفهوم هامشي، بل هي ركيزة أساسية في الحياة الإيمانية والرسالية إذ أن عدم التقوى يعني عدم الإيمان أو عدم الخير كله، لأنها هي الخير كله في الدنيا والآخرة، وهذا ما يظهر جلياً من خلال النصوص القرآنية التي تعرضت لذكر التقوى وما يثبِّتها وما يَذهب بها.
ونلاحظ بأنه لم تخل سورة من السور الطوال أو ما قاربها بالحجم من ذكر التقوى أو علامات أهلها أو الدعوة إلى هذا النور الساطع والضياء اللامع والمفهوم الواسع الذي شكّل محور الحياة بل الذي شكل الأساس الأول في سبب وجود هذه الحياة.
وتُعتبر التقوى من أهم الوظائف التي حملها أنبياء الله عبر التاريخ، وأبرز المفاهيم التي تضمّنتها الرسالات السماوية، فلقد ذُكرت التقوى وعلاماتها وطرقها في الكتاب العزيز ما يقرب من ثلاثمئة مرة، ولا يمكن حصرها في هذا العدد فقط لأن هناك آيات تحدثت عن علامات المتقين بغير استعمال لفظ التقوى كقوله تعالى(وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) وقوله عز وجل(كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)
ونحن من خلال بيان مفهوم التقوى وآثارها وعلامات أهلها لا نقصد مجرد بيان تلك المفاهيم أو ذكر تلك التفاصيل وإنما نهدف من خلال ذلك إلى أمر هو غاية الغايات من خوض مثل هذه البحوث وهو الدعوة الصادقة النابعة من القلب السليم إلى ارتداء لباس التقوى الذي كان وما زال خيراً مطلقاً للإنسان المؤمن بشكل وللمجتمع البشري بشكل عام، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم ودعا إليه من خلال الخطاب الإلهي القائل(يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)
فلا خير في معرفة تلك التفاصيل والمفاهيم ما لم يُنتفع بها، ووجه الإنتفاع الفعلي بها هو تطبيقها على النفس في دار العمل والإمتحان.
والميزة الأساسية في التقوى هي أنها جسم متكامل مركّب من أجزاء كثيرة تكوّن بمجموعها حيّز التقوى وهيكلها التام الذي يزيّنه اكتمال أجزائه ويعيبه نقصان جزء منها مهما كان هذا الجزء الناقص صغيراً لأن الجزء الصغير من التقوى هو عند الله كبير.

تَقْوَى اللهِ سُبْحَانَه

كثيراً ما نقرأ أو نسمع عن التقوى، ولكن قلَّ من يعرف حقيقتها وشرائطها وخصالها وما يثبّتها وما يزلزلها داخل القلب، وكثيراً ما يتعرض القرآن المجيد إلى ذكر هذه الصفة الفاضلة الزاكية النامية التي يعقبها راحة وسعادة وفوز عظيم وأجر كريم ونعيم مقيم.
والتعرف على جوهر التقوى هو أمر في غاية الأهمية، فمن الضروري للمتقي أن يعرف التقوى جيداً ليكون عند الله عز وجل من أهلها، وحتى تثبت في قلبه وتعانق روحه ما دام موجوداً في هذه الحياة، ومن اللازم على غير المتقي أن يعرف التقوى إذ لعلع بعد التعرف عليها يصبح واحداً من أهلها ويربح بها كرامة الدنيا والآخرة.
والتقوى لفظٌ استعمله الناس منذ البداية، أي منذ تاريخ وضع اللغة، فهو عند أهل اللغة العربية (الوقاية من الشيء) فيقال (فلان وقى نفسه) أي أنه صانها وحفظها من الأخطار والمكاره، وهذا أشبه بالمعنى القرآني لها لأنه الوقاية أيضاً، ولكنه بالمعنى القرآني وقاية من السخط والعذاب والغضب الإلهي أجارنا الله وإياكم من غضب رب العالمين الذي هو أشد من عذاب جهنم وآلم من لفحات النيران.
لقد ذكر القرآن الكريم لفظ التقوى في العديد من سوره المباركة وآياته الكريمة واستعمله في الدلالة على المعنيين اللغوي والشرعي، ولكن استعماله للفظ التقوى للدلالة على المعنى الديني أكثر من استعماله في معناه اللغوي لأن المعى الديني للتقوى هو الهدف الأساسي في الكتاب العزيز الذي بلغ فيه عدد استعمالات لفظ التقوى ومشتقاتها أكثر من مئتين وستين مرة موزعة على أكثر سوره حيث بيّن لنا القرآن الكريم معنى التقوى وآثارها الكريمة وعواقبها الحسنة على الإنسان في الدنيا وفي الآخرة.
وتركيز القرآن الكريم على أمر من الأمور وتكرار ذكره يشير بكل جلاء ووضوح إلى كونه من الأمور العظيمة الهامة التي يجب أن تنال اهتمام البشر، وهو دليل أيضاً على كون هذا الأمر المركَّز عليه تتعلق به تعاليم ومفاهيم كثيرة جداً، والتقوى كما سوف نلاحظ يتعلق بها العديد من المسائل والبحوث والطروحات والتشعبات.
وكل المؤشرات القرآنية حول التقوى وجميع الإستعمالات الواردة فيه حولها لدليل كبير على كونها من المسائل الضرورية التي ينبغي الإعتناء بها من جميع النواحي والخصوصيات كيلا يعزُب عنا ثمرة من ثمراتها أو بركة من بركاتها أو منفعة من منافعها التي لا تعد ولا تحصى على مستوى هذه الحياة التي نحن فيها وعلى مستوى يوم القيامة.
لقد مدح القرآن التقوى والمتقين، ونحن نعلم أن القرآن لا يمدح سوى الأمور العظيمة التي تستحق المدح والثناء فعلاً كالتقوى التي هي في واقعها مدح خاص لأهلها لأن المتقي ممدوح وإن لم يُصرَّح له بذلك وإن لم يسمع المدح بأذنه ولم يشاهده بعينه.
ومدح الله تعالى للتقوى لا يقف عند موضوع المدح فقط بل يوجد خلفه معان يجب أن نفهمها، ومن أهم تلك المعاني هو الدعوة الضمنية زيادة على الدعوة العلنية إلى التقوى التي لولاها لما كان لوجود البشر في الدنيا أي معنى.
وهذا الكلام حول التقوى من شأنه أن يفتح أمامنا آفاقاً واسعة وأبواباً كثيرة ندخل منها إلى عالَم التقوى الواسع والجميل والنيّر والكريم وما شئت فعبّر.
وعندما يعلم الإنسان بأن الأبواب المؤدية إلى العلم والمعرفة كثيرة إلى هذا الحد فلا يبقى له عذر في أي تقصير يصدر عنه.

حَقِيْقَةُ تَقْوَى اللهِ تَعَالَى

لا يوجد مفهوم من المفاهيم الإسلامية إلا وله معنى وجوهر وحقيقة، ومن ألطاف الله بعباده أنه تعالى أمرهم بالشيء وبيّنه لهم تبيناً واضحاً مزيلاً لأي غشاوة أو عذر أو وهم ليقطع الطريق بذلك على أهل الهوى والضلال وليلقي الحجة على الجميع حتى لا يقول واحد منهم في يوم الحساب إنني لم أعرف، فهذا العذر واهن وباطل ومرفوض أمام تلك البيانات والتعاليم الكثيرة التي بينها لنا رب العالمين تبارك وتعالى.
وإذا كان للمفاهيم حقائق وهي ليست بمنزلة التقوى فإن للتقوى حقيقة واضحة وجلية لا تخفى على أحد لأنها من أبرز مفاهيم القرآن والإسلام ومن أكثرها جلاءاً ووضوحاً.
لقد ظهرت حقيقة التقوى للجميع من خلال الحديث القرآني عنها وعن فضلها وعظمتها وشأنها الرفيع وآثارها الكبرى، ففي سورة الأعراف قال سبحانه(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ)
ففي هذه الآية المباركة إشارة إلى بعض الآثار الناتجة عن تقوى الله عز وجل وهي أنه تعالى يفتح للمتقين أبواب سمائه وأرضه ويُنزل عليهم الخير والبركات من السماء ويخرجها لهم من الأرض إن كانوا متقين.
وفي سورة البقرة قال تعالى(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) والملاحظ في هذه الآية أنه تعالى يشدد ويؤكد على كونه مع أهل التقوى ليزرع الطمأنينة في قلوبهم ويشجعهم على التزام هذا النهج العظيم الذي هو باب من أبواب الخير والسعادة والفوز.
فالتقوى عَلَمٌ بارز وأساس متين وحصن حصين ومصدر كل خير على مستوى الدنيا والآخرة، وهذا ما ظهر لنا بكل وضوح في تعاليم وتعابير النبي وآله(ص) الذين وصفوا التقوى بأعظم الأوصاف وكشفوا عن حقائقها بأحسن الوسائل وأعذب التعابير التي تدخل إلى القلب مباشرة وتستقر فيه مدى الحياة.
هناك كلمة مختصرة لرسول الله محمد(ص) يبيّن فيها أثراً عظيماً من آثار التقوى الكاشفة عن حقيقتها لأن التعرف على حقيقة التقوى ينبغي أن يتم عن طريق بيان آثارها، فقال(ص) : مَن رُزق تقىً فقد رُزق خير الدنيا والآخرة: وهذا هو بالفعل أثر التقوى الأول والأخير، وفي وصيته لأبي ذر يكشف عن كون التقوى أهم أمر في هذا الوجود حيث قال له: عليك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله: فقوله(ص) رأس الأمر كله يعني أنه الأساس.
أما أمير المؤمنين(ع) فلقد كشف لنا عن حقيقة التقوى بأكثر من كلام ومناسبة، فقال(ع):التقى رأس الأخلاق: وقال: عليك بالتقى فإنه خُلُق الأنبياء: وقال: التقوى أقوى أساس: وقال: لا يهلِك على التقوى سِنخُ أصل ولا يظمأُ عليها زرع قوم: وهذا من أجود التعابير التي يمكن استعمالها في بيان أثر التقوى فهي سبب في خلود ذِكر الإنسان واستمرار صلاحية أرضه، ولعله واله أعلم ليس المراد بذلك الحقيقة وإنما المجاز لأن التعبير بالمجاز في كثير من الأحيان يكشف عن الحقيقة أكثر ويبيّن الواقع بشكل أوضح وأبلغ، وفي بيان آثار هذا السلوك العظيم قال(ع): التقوى لا عوض عنه ولا خَلَفَ فيه:
وقال(ع) التقوى غايةٌ لا يهلِك من اتبعها ولا يندم من عمِل بها لأن بالتقوى فاز الفائزون وبالمعصية خسر الخاسرون:
وقال: إن من فارق التقوى أُغريَ باللذات والشهوات ووقع في تِيهِ السيئات ولزِمَه كبير التبعات:

وَصِيَّةُ اللهِ تَعَالَى بِالتَّقْوَى

قد يفتري بعضهم على أهل الحق، وقد يكذّب المكذبون أصدق الناس وأشرفهم عن طريق الدجل والوسوسة والخداع والمراوغة وغير ذلك من الطرق التي كثرت بجهد أهل النفاق والمصالح الخاصة والأغراض الشخصية.
فقد ينجح هؤلاء في تنفيذ بعضٍ من مخططاتهم ويستحوذون على قلوب البسطاء من الناس فيُرجَّح الأمر ظاهراً لمصلحتهم، ولكن هؤلاء ومن معهم ومن وراءهم لا يستطيعون أن يقفوا في وجه الله عز وجل ولا يستطيعون أن يعترضوا طريق إرادته، وهناك فرق بين أن يقول لنا الإنسان شيئاً وبين أن يقول لنا الله شيئاً، وقد قال الله لنا الكثير عن طريق أنبيائه ورسله والكتب التي أنزلها معهم.
وأما وصية الله عز وجل لنا بالتقوى فهي كثيرة، منها(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ) ومنها(وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) وهذه من أعظم الوصايا التي أوصى الله بها عباده، وكل وصاياه عظيمة، ولكننا ألقينا النظرة الكبرى على وصيته بالتقوى لأنها تشتمل في ضمنها على جميع الوصايا الأخرى.
ولقد أشار أمير المؤمنين(ع) إلى رفيع شأن تلك الوصايا وضرورة الإلتزام بها مخبراً بأن التقوى منتهى رضا الله عز وجل، ومعنى منتهى رضاه أنها من أعظم الأمور لديه فقال(ع): أوصاكم بالتقوى وجعلها منتهى رضاه وحاجتِه من خلقه فاتقوا الله الذي أنتم بعينه ونواصيكم بيده:
وقال(ع): إن التقوى منتهى رضى الله من عباده وحاجتِه من خلقه:

هَكَذَا تَكُوْنُ التَّقْوَى

لا يدعو الخالق عباده إلى التزام شيء إلا بعد أن يبيّن لهم أحواله ومعانيه وآثاره من باب تعريفهم عليه كيلا يخلطوا بينه وبين غيره، ولقد دعانا الله تعالى إلى التقوى وحببها إلينا وأمرنا بها مبيّناً ثواب المتقين عنده وقربهم من رحمته، ولكننا هنا سوف نبيّن لكم ما هي التقوى لنعرفها أكثر ونعشقها أكثر ونحافظ عليها بجفون عيوننا بل بأرواحنا لأنه إذا ذهبت منا التقوى فقد ذهب منا كل خير.
فخير أمر يوصي فيه الناس بعضهم بعضاً هو التقوى التي يجب أن نفضلها على ما سواها من سائر الوصايا وإن كانت نافعة فإنه مما لا شك فيه هو أن الوصية بالتقوى أنفع من باقي الوصايا مهما كان جوهرها عظيماً وذلك تسليم بكون التقوى أقوى أساس وأعظم أمر كما ورد عن رسول الله(ص)، وفي بيان ما هي التقوى قال علي(ع): أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها خير ما تواصى العباد به وخيرُ عواقب الأمور عند الله:
وهذه الآثار للتقوى من شأنها أن تدفع بالعاقل نحو الإهتمام بها والحفاظ عليها إذا كان يرجو ثواب ربه ويخشى عقابه لأنها إذا كانت من خير عواقب الأمور فهذا يعني أنها مصدر لنيل الرحمة الواسعة عندما يكون الإنسان بأمس الحاجة إلى ذرة من الرحمة بل إلى بصيص أمل بالنجاة من العذاب أولاً والفوز بالجنة ثانياً.
وقال(ع): أوصيكم عباد اله بتقوى الله التي هي الزاد وبها المَعاذ ، زادٌ مُبْلِغٌ ومَعاذٌ مُنجِح:
وهنا ينبغي أن نقف قليلاً على هذه الفقرات لنضمن الفائدة المرجوة منها ونبلغ الهدف من وراء بيانها لأن الهدف من ذلك هو توجيهنا نحو التقوى من قبل الإمام وحثنا عليها لنسير على خطاها ونبلغ بهذا السير منتهى رضى الله عز وجل، وهذا هو غاية الإنسان المؤمن الذي أطاع ربه طمعاً بثوابه وهروباً من عقابه الذي ليس كمثله شيء من العقاب.
فالتقوى هي الزاد بل هي خير زاد كما عبّر عنها القرآن الكريم في سورة البقرة حيث قال تعالى(وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) وهذا الزاد يُبلِغُك مرادك ويحقق لك أمانيك كلها لأن التقوى طريق الفوز والربح والسعادة، فهي تخفف عنك أهوال الموت وما يأتي بعده من الأهوال والمخاوف والمحطات التي يكون فيها الإنسان بأمس الحاجة إلى الطف الإلهي، والتقوى من أهم المصادر التي تجلب لصاحبها لطف الله عز وجل.
وقال(ع): أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها الزِّمام والقِوام فتمسكوا بوثائقها واعتصموا بحقائقها: يعني أن التقوى هي أهم الأمور للإنسان ولأجل ذلك فهو(ع) يحثنا على التمسك بوثائقها والإعتصام بحقائقها لأنها نافعة على كل حال.
وفي بيان ما هي التقوى قال(ع): أوصيكم بتقوى الله فإنها غِبطة الطالب الراجي وثقة الهارب اللاجي: التقوى موضع سرور الإنسان الذي يرجو رضا الله ومغفرته فهي موضع سروره لأنه يعرف حقيقتها ويدرك آثارها الطيبة، والهارب من العذاب ومن الشيطان يجد التقوى موضعاً آمناً له من جميع المخاطر أياً يكن مصدرها وحجمها ونوعها.
وفي كلام آخر يبين الإمام(ع) أن التقوى حق الله على عباده وأنه هي التي تضمن لنا حقوقنا في يوم الحساب حيث قال: أوصيكم بتقوى الله فإنها حق الله عليكم والموجبة على الله حقَّكم وأن تستعينوا عليها بالله وتستعينوا بها على الله… ألا فصونوها وتصوّنوا بها:

التَّقْوى خَيْرُ لِبَاس

الأثواب التقليدية متكاثرة ومتنوعة في أشكالها وألوانها وأنواعها، فمنها الفخم الجميل ومنها القبيح الرديء، وترى كثيراً من الناس يحرصون على اختيار أجمل الثياب ليظهروا على الناس بأناقة مميَّزة وصورة حسنة تلفت أنظار الآخرين إليهم، فالتزيّن أمر جميل حث عليه الإسلام الذي أمرنا بتحسين مظاهرنا واختيار أجود الثياب لأبداننا غير أن هذه الثياب سوف تبلى بعد فترة من الزمن أو يمل منها الناس مرة بعد مرة فتذهب بهجتها ويزول رونقها فلا تعود تحكي ما كانت تحكيه في أول الأمر، أما لباس التقوى فلا يبلى فإنه يتقدم ويتطور مع تطور الزمن وتقدمه، فلو رآك الآخرون بلباس التقوى ألف مرة لما نقص من صورتك عندهم شيء بل إن استمرارك بلباس التقوى ومزاولتَك له دائماً سوف يضفي عليك رونقاً لا يبلى ولا يهترئ ولا يمل الناس منه، لأنه أعظم ثوب وأجمل لباس وأطهر ساتر وخير زينة يتزين بها الناس في دنياهم، إن اللباس التقليدي لباسٌ للدنيا أما لباس التقوى فإنه للدنيا والآخرة، وقد أشار الله تعالى في محكم كتابه إلى هذين النوعين من اللباس مبيناً جودة الثاني وأفضليته على الأول حيث يقول تعالى في سورة الأعراف(يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)
فكما يعتني الإنسان بمظهره عبر اختيار الألبسة الجيدة والجميلة فعليه أن يعتني أكثر بلباس التقوى الذي عبّر عنه القرآن بأنه خير، يعني هو خيرٌ مطلق.
وفي تفسير هذه الآية الكريمة قال الإمام الباقر(ع): فأما الثياب فالثياب التي يلبَسون وأما الرياش فالمتاع والمال وأما لباس التقوى فالعَفاف لأن العفيف لا تبدو له عورة وإن كان عارياً من الثياب، والفاجر بادي العورة وإن كان كاسياً من الثياب، يقول (ولباس التقوى ذلك خير) يقول: العفاف خير: ولعل هذه الرواية إذا صح سندها ناظرة إلى أحد مصاديق التقوى لأن العفاف من التقوى إلا إذا اعتبرنا أن العفاف هو عفة النفس عن ارتكاب الحرام فيكون العفاف هو عين التقوى.
وقال علي(ع): ثوب التقى أشرف الملابس: وقال: من تَسربَل أثواب التقى لم يَبلُ سرباله:
فعلى كل إنسان عاقل أن يتشبث بثوب التقى ويحافظ عليه من أي خدش أو خلل لأن وجوده كإنسان مكرَّم من قبل ربه كائن على التقوى التي تزيد صاحبها شرفاً وثواباً وأجراً، وها هو أمير المؤمنين(ع) يوصينا بالحفاظ على هذا اللباس الذي إذا تعرينا منه فلن يسترنا لباس غيره أو أي سبب من أسباب الدنيا خصوصاً بعد أن عرفنا أن لباس التقوى خير لباس وأقوى ساتر وأفضل أساس وأحسن موضوع، قال(ع): من تعرّى من لباس التقوى لم يَستتر بشيء من اللباس: وفي حديث آخر: لم يستتر بشيء من أسباب الدنيا:
والتقوى تُحفظ بالعمل الصالح وملازمة الطاعة والإستمرار في التأمل والتفكر في خلق الله الموصل إلى الحقيقة لأن التفكر من أعظم العبادات بل هو يضفي على غيره من العبادات صفات كريمة وأنواراً مشرقة فيزيد في أجرها وثوابها عند الله عز وجل.
وبالتقوى يطرد الإنسان الشيطان من نفسه فيملِّكُها لمالكها الأول وهو الله عز وجل ولهذا قال علي(ع): أوصيكم بتقوى الله…وأشعروها قلوبكم وارحَضوا بها ذنوبكم.. ألا فصونوها وتصوَّنوا بها:

التَّقْوى حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَاد

إن أفضل من تحدث عن التقوى ووصفها بأوصافها بعد الله ورسوله هو خليفة الرسول الحق وسيد الوصيين وإمام المتقين علي بن أبي طالب(ع) الذي أكثر الحديث عن التقوى في العديد من خطبه وكتبه وحكمه ليشد الخلق نحوها ويحثهم على التزامها لأنها السبب الوحيد للنجاة من العقاب والفوز بالجنة، وها هو الكتاب العزيز يؤكد عليها ويبين لنا عاقبتها الكريمة في العديد من سوره وآياته، كما في قوله الكريم(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ) وكما في قوله(وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ)
ونحن بعون الله تعالى لنا وقفة طويلة مع حديث القرآن المجيد عن التقوى والمتقين، أما هنا فسوف نتحدث عن حقيقة التقوى في إحدى خطب الإمام علي(ع) في نهج البلاغة حيث قال: أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهَا حَقُّ اللهِ عَلَيْكُمْ، وَالْمُوجِبَةُ عَلَى اللهِ حَقَّكُمْ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللهِ، وَتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللهِ، فَإِنَّ الْتَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَالْجُنَّةُ، وَفِي غَد الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ، مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ، وَسَالِكُهَا رَابحٌ، وَمُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ، لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الاُْمَمِ الْمَاضِينَ وَالْغَابِرينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً، إِذَا أَعَادَ اللهُ مَا أَبْدَى، وَأَخَذَ مَا أَعْطَى، وَسَأَلَ عَمَّا أَسْدَى:
ما نفهمه من هذا الكلام هو أن التقوى واجبة على كل إنسان لأن الله عز وجل خلقنا من أجل أن نكون متقين لأنه أراد أن يرحمنا، ولكن بشرط، وهذا الشرط هو التقوى التي جعلها الله باباً إلى رضوانه، فهي حق الله علينا وفي ذات الوقت توجب لنا حقوقنا عند الله عز وجل فإذا كنا متقين حق لنا المطالبة بجميع حقوقنا، ولعل في هذا التعبير يوجد نوع من التسامح لأننا إذا كنا من أهل الخير فليس هناك حاجة إلى المطالبة بحقنا لأن الله تعالى سوف يعطينا هناك حقنا وزيادة.
ولكي نكون من أهل التقوى لا بد وأن نستعين بالله على ذلك لأن الأمر يحتاج إلى إعانة وتوفيق وتسديد ولذا قال(ع) وأن تستعينوا عليها بالله: فهي حرزٌ واقٍ من كل شر وهي كما يعبر الإمام جُنة والطريق إلى الجنة، أما طريقها فهي في غاية الوضوح، وأما سالكها فهو من الرابحين، وهي في متناول أيدي الجميع وإن باستطاعة كل إنسان أن يكون تقياً إذا سلك طريقها التي أوضحها القرآن وأهل البيت.
ثم يتابع الإمام(ع) بيانه للتقوى بشكل عام فيقول: فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا، وَحَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا! أُولئِكَ الاَْقَلُّونَ عَدَداً، وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)
فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا، وأكظّوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا، وَاعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَف خَلَفاً، وَمِنْ كُلِّ مُخَالِف مُوَافِقاً.
أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، واقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ، وَأَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ، وَارْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ، وَدَاوُوا بِهَا الاَْسْقَامَ، وَبَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ، وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا، وَلاَ يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا.

التَّقْوَى حِصْنٌ مَنِيْع

من أهم آثار التقوى أنها تشكّل حصناً منيعاً لصاحبها الذي هو بأمس الحاجة إلى ما يحصنه من أخطار الدنيا وأهوال الآخرة، والتقوى لها هذا الأثر فمن لازم التقوى وجد فيها هذا الأثر العظيم الذي هو غاية العقلاء.
ففي دار الدنيا تحصّنك التقوى من الوقوع في الحرام لأنك كلما اقتربت من المعصية وقفت التقوى بينك وبينها وجعلت بينكما حائلاً متيناً لا تخرقه كل المعاصي، وهذا الأثر ينشأ عن التقوى إذا أراد الإنسان أن يكون محصَّناً، أما إذا أراد الوقوع في المعصية باختياره فلا يرده عنها شيء، ومن هنا ورد في الأحاديث ضرورة أن تُشعر قلبَك التقوى لتعمل عملها.
وبالمناسبة نقول: إن الإنسان قادر على أن يخدش جسم التقوى ولكنه في نفس الوقت قادر على إصلاح ما أفسده وذلك عن طريق التوبة لأن المتقين قد يخطؤون ولكنهم لا يصرون على الذنب بل يتراجعون مباشرة ويستغفرون ربهم ويندمون على هذا التفريط الذي حصل منهم، وإلى هذه الحقيقة يشير القرآن الكريم بقوله(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)
وأما في الدار الآخرة فإن التقوى التي كنت تعمل بها في دنياك وتحرص على حفظها والعمل بمضمونها فإنها تحصنك من العذاب الأليم، هذا العذاب الذي تناساه كثيرون من الناس حيث لا ينبغي أن ننساه لأن ذكره المتواصل يشكّل لنا موعظة كبرى.
فالمتقي في يوم المحشر يسير نحو الجنة ويجتاز بتقواه كل خطر وعذاب حتى يصل إلى النعيم العظيم الذي أعده الله تعالى لعباده المتقين، هذا النعيم الذي ذكره القرآن الكريم في العديد من سوره من باب ترغيب الناس بالتقوى عبر بيان عاقبة المتقين، ففي سورة ص(وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ)
وفي سورة القلم(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) وفي سورة النبأ(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا) هذا بعضٌ مما أعده الله تعالى لأهل التقوى الذين استحقوا بمخافة ربهم كل خير وكل نعمة وكل سعادة.
إذاً إن التقوى أقوى أساس وأمنع حصن، ولذا قال(ص) من اتقى الله عاش قوياً:
وقال علي(ع) التقوى حصن حصين لمن لجأ إليه: وقال: التقوى حصن المؤمن: وقال: التقوى حرز لمن عمل بها: وقال: التقوى أوفق حصن وأوقى حرز: وقال: أمنع حصون الدين التقوى: وقال: فاعتصموا بتقوى الله فإن لها حبلاً وثيقاً عُروته ومَعقلاً منيعاً ذُروته:
وقال: إن التقوى في اليوم الحرزُ والجُنة، وفي غدٍ الطريقُ إلى الجنة مَسلكها واضح وسالكها رابح:

التَّقْوَى بَابُ الصَّلاح

عندما أرسل الله رسوله بشريعة الإسلام وبعد عمل مضني وجهد كبير لقيت هذه الدعوة إقبالاً كثيفاً من قبل الناس الذين لمسوا الرحمة والمحبة والتسامح في هذا الدين الجديد الذي كان وما زال رحمة للعالمين، فمنهم من اعتنق الدين ليحفظ آخرته ويضمن السعادة لنفسه ومنهم من اتخذه وسيلة للخلاص من ظلم الظالمين وكيد المتكبرين.
وهذا النوع الثاني استفاد من الإسلام على صعيد الدنيا حيث شكّل له حصناً منيعاً في وجوه المخاطر التي كانت تأتيه من هنا وهناك، وأما الذي اتخذ الإسلام ديناً له يتقرب من خلاله إلى الله عز وجل فهو الذي ربح الدنيا والآخرة معاً وهذا هو الفوز الكبير والعظيم على حد تعبير القرآن الكريم.
فالتقوى تُصلح جميع أمور الإنسان سواء كانت أموراً للدنيا أو للآخرة لأن التقوى كما ورد في العديد من الآيات والروايات باب الصلاح، قال تعالى(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) فعندما يريد الشيطان أن يوسوس للإنسان فقد يصمد أمام تلك الوسوسة وقد يضعف، ففي حال الضعف يتذكر المتقي بفعل التقوى ثواب الله وعقابه ورحمته ورضاه فيمتنع عن ارتكاب المعصية بسبب سيطرة التقوى على قلبه، وهذا من الآثار ذات الأهمية البالغة للتقوى، والمؤمن الحقيقي لا يريد من التقوى أكثر من ذلك لأن التقوى تعني الإتقاء من العذاب، والإنسان يتقي عذاب ربه عبر الطاعة الصادقة التي لا يشوبها أي خلل، وهنا يمكن لنا أن نصنف التقوى إلى صنفين:
الأول: أنها تعصم الإنسان من الوقوع في الخطأ.
الثاني: أنها تذكّر الإنسان بربه إذا ارتكب الخطأ فيستغفر ربه ويتوب إليه، وهو معنى قوله تعالى(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ) وبعد أن ذكرنا هذين الأثرين العظيمين للتقوى يتضح لنا أنها بالفعل كما وُصفت باب الخير وباب الصلاح وباب الفوز والنجاة وهي مصدر الخير المطلق لصاحبها.
وقد استفاضت الروايات في هذا الشأن، فورد عن علي(ع) مجموعة كبيرة من الأحاديث التي تؤكد لنا هذا المعنى وتكشف لنا عن هذه الحقيقة التي باتت جلية وواضحة بفضل تلك البيانات الواردة عن النبي وآله(ص) والتي شفت الغليل وأعطتنا الكثير من التعاليم السماوية وأزاحت الشبهات وحلّت كل الإشكالات.
فقد قال علي(ع): التقوى مفتاح الصلاح: وقال: ما أصلح الدينَ كالتقوى:
وفي موضع آخر وصفها الإمام بشكل أكثر وضوحاً وبياناً حيث قال: إن تقوى الله عِمارة الدين وعماد اليقين وإنها لمِفتاح صلاحٍ ومصباح نجاح:
وفي موضع آخر قال: إن تقوى الله مفتاح سَداد وذخيرة معاد وعِتقٌ من كل ملَكة ونجاة من كل هلكة بها ينجَح الطالب وينجو الهارب وتُنال الرغائب:
وقال(ع) إن تقوى الله حمَت أولياء الله مَحارمَه وألزَمَت قلوبَهم مخافتَه حتى أَسْهرَت ليالِيَهم وأظمأت هواجرهم فأخذوا الراحة بالنَّصَب، والريَّ بالظمأ واستقربوا الأجل فبادروا العمل:
فقد كشفت لنا هذه الأحاديث عن كون التقوى بالفعل هي باب الصلاح بكل المعاني والمراتب والصور والأشكال.

التَّقْوَى بَابُ الهِدَايَة

كثير من المؤمنين يدعون ربهم بالليل والنهار وبالسر والعلن وربما يتضرعون إليه أن يرزقهم الهداية، وهذا أسلوب كريم وعظيم لمن كان صادقاً في توجهه إلى ربه ودعائه له، فلو صرف الإنسان دهره في دعاء الله لمثل هذا الغرض ولم يكن عاملاً له ومستعداً لتقبُّل الهداية فلا ينفعه دعاؤه في شيء على الإطلاق، إن الله تعالى يهدي من يريد أن يهتدي، أما الذي لا يريد ذلك فلا تأتيه الهداية على طبق من فضة.
وقد اقتضت الحكمة أن تكون الأشياء كلها مقرونة بأسبابها وظروفها وأن لا تكتمل إلا بمقدماتها وشروطها، فالذي يريد أن يكون من المهتدين فعليه أن يبحث عن مواطن الهداية وأسبابها ومقدماتها ويعمل جاهداً لكسبها فحينئذ يصبح من أهلها.
والتقوى هي الباب الأول والأخير لنيل الهدى، وفيه يقول أمير المؤمنين(ع) من غرس أشجار التقى جنى ثمار الهدى:
نفهم من ذلك أن على الإنسان السعي والبحث عن أسباب التقوى التي هي الهداية في واقع الأمر، والقرآن الكريم مليء بتلك الأسباب فهو الكتاب الذي وصفه الله بقوله(هدى للمتقين) وهو الذي يهدي للتي هي أقوم، وهو الكتاب الذي ينير لنا الدرب لنبصر الأشياء على حقائقها فلا نخلط حينئذ بين الحق والباطل أو بين الخير والشر.
فلقد أصبح طريق الهداية في غاية الوضوع لا شَوب فيه ولا لُبس ولا خَلْط ولا أي وهم حيث ألقى الله الحجة علينا ببيان كل ما يرشدنا نحو الهداية، فأي إنسان يعيش على الضلال أو يموت عليه فهو المسؤول الأول عن هذا التقصير.
فبعد أن منّ الله علينا بالإسلام والقرآن والنبي والأئمة لم يعد لنا أي حجة نعتذر بها عن التقصير لأنه وكما قال(ص) حلال بيّن وحرام بيّن، فلم يعد الأمر خفياً على أحد.
وهنا نذكر بعض الآيات التي تدعم هذه الفكرة:
قال تعالى(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ)
وقال تعالى(أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ)
وقال تعالى(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)

التّقْوَى خَيْرُ دَوَاءٍ

إن من أهم وظائف العقل البحث عما ينفع والتخلي عما يضر سواء كان الضرر كبيراً أو صغيراً، ولهذا تجد العاقل باحثاً عما يجلب له المنفعة ساعياً لاكتساب ذلك، فهو يعرف جوهر الداء فيبحث عن أنفع دواء ليداوي به هذا المرض وذاك، والحالة هذه تشبه حالة المريض في جسده كيف ينتقل من مكان إلى آخر ومن بلد إلى بلد بحثاً عن طبيب حاذق يصف له الدواء المناسب لعلمه بأن الشفاء لحالته متوقف على هذا الدواء الفعّال، فتراه يصرف الكثير من الوقت والمال بهدف الوصول إلى النتيجة التي يبحث عنها.
والإنسان العاقل الذي يرجو ثواب ربه ويخشى عقابه يبحث عن دواء فعال للقضاء على أمراض النفس والروح والقلب، فإذا كان المرض الجسدي مؤدياً إلى الموت أو الإقعاد فإن المرض النفسي يؤدي إلى خسارة النفس في الدنيا والآخر، ومن هنا كانت أمراض الروح أخطر بكثير من أمراض الجسد لأن الأمراض المادية قد تزول بأيام إذا وُصف لها الدواء المناسب، أما أمراض الروح فقد لا يُوفَّق الإنسان لعلاجها إذا لم يكن ناوياً لعلاج روحه أو مريداً لذلك، فالدواء المادي ينفع متجرّعه وإن لم يكن يأمل بالشفاء أما الدوار الروحي فإن أحد أهم أسباب فعاليته هو أن يكون صاحب المرض طالباً للشفاء ومستعداً له، إن التداوي من الأمراض العادية دواؤها العقاقير والعلاجات المعهودة، أما الأمراض الروحية فدواؤها الإيمان والتقوى فهما أفضل دواء للتخلص من أسقام الأرواح الغارقة في بحور من المحرمات.
تعالوا نسمع معاً كلام أمير المؤمنين في هذا المجال فلقد قال(ع): أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهَا حَقُّ اللهِ عَلَيْكُمْ، وَالْمُوجِبَةُ عَلَى اللهِ حَقَّكُمْ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللهِ، وَتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللهِ، فَإِنَّ الْتَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَالْجُنَّةُ، وَفِي غَد الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ، مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ، وَسَالِكُهَا رَابحٌ، وَمُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ…. فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا، وَحَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا! أُولئِكَ الاَْقَلُّونَ عَدَداً، وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)…
أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، واقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ، وَأَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ، وَارْحَضُوابِهَا ذُنُوبَكُمْ، وَدَاوُوا بِهَا الاَْسْقَامَ، وَبَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ، وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا، وَلاَ يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا.
أَلاَ وصُونُوهَا وَتَصَوَّنُوا بِهَا، وَكُونُو عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاهاً، وَإِلَى الاْخِرَةِ وُلاَّهاً.
وفي مناسبة أخرى حدثنا الإمام(ع) عن فعالية التقوى فقال: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ، وَإِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ، وَبِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ، وَإِلَيْهِ مُنْتَهْى رَغْبَتِكُمْ، وَنَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ، وَإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ، وَبَصَرُ عَمَى أَفِئِدَتِكُمْ، وَشِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ، وَصَلاَحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ، وَطُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ، وَجِلاَءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ، وَأَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ، وَضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ.

وَظَائِفُ التَّقْوَى

التقوى أمر عظيم وخطبٌ جليل لها آثار كثيرة ومنافع عديدة لو التزمها المرء في دنياه لربح بها آخرته ونجا من العذاب الذي مَن زُحزح عنه كان من الفائزين، وهذه التقوى لها آثار كثيرة ووظائف كبرى كلها تحمل معها الخير للمتقين، وهنا ينبغي الرد على من يقول ماذا تفعل لي التقوى وبماذا تنفعني؟ فلقد ذكر لنا أمير المؤمنين(ع) بعضاً من تلك الوظائف أو الآثار من باب بيان حقيقة التقوى والترغيب في التزامها فقال(ع): فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ، وَبَصَرُ عَمَى أَفِئِدَتِكُمْ، وَشِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ، وَصَلاَحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ، وَطُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ، وَجِلاَءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ، وَأَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ، وَضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ.
إن أهم آثار التقوى زوال رواسب الذنوب من داخل القلوب حتى تصبح نقية من سواد المعاصي ومُضاءة بأنوار الهدى، فإذا بقي القلب مريضاً بقيت التبعات ملازمة لصاحبه، تلك التبعات التي هي سبب هلاكه وعذابه في يوم النشور، فمن الوظائف التي تقوم بها التقوى هي معالجة هذا القلب الذي خلق الله فيه قابليات منوعة فهو يقبل كل شيء ولكن صاحبه مسؤول عما دخل فيه فإن تقبّل الكفر كان عليه تبعات ذلك وإن تقبّل الإيمان كان من الناجين الفائزين.
ويعبّر الإمام(ع) عن التقوى بأنها بصر عمى القلوب لأنها في واقع الأمر كذلك فإن هذا القلب إذا لم تدخله التقوى بقي مظلماً مدى الدهر لا يعلم صاحبه ماذا يفعل وماذا يريد وإلى أين هو ذاهب.
وكذلك فإن التقوى شفاء لمرض الأجساد التي أهلكتها المحرمات، فعندما يجتنب المرء ما حرّم الله عليه فإنه بذلك يقي بدنه آثار كثير من المحرمات التي تنعكس سلباً على الجسد.
وكذا فإن التقوى تصلح فساد الصدور ومعناه تقريباً نفس معنى شفاء القلوب وقد تحدثنا عن هذا الأثر قبل قليل، والتقوى تحصّن النفس من الخضوع للهوى فتنقلها من مرحلة السوء وتجعلها نفساً زكية مطيعة لمولاها نابذة لهواها، وعندما يحصل ذلك للإنسان فقد أصبح في أعلى المراتب الإيمانية التي تعقبها السعادة الدائمة.
والتقوى تفتح البصيرة فيرى الإنسان المتقي بقلبه ما لا يمكن أن تراه العيون، فيعلم أن هذا حق وهذا باطل وهذا حلال وهذا حرام وهذا خير وهذا شر، وهذا ما يساعده على العمل الصالح لأنه عندما يميز بين الصح والخطأ يصبح بإمكانه أن يركب الصلاح بشكل هيّن، وكذا فإن المتقي يشعر بأمن دائم لعلمه بأن التقوى تحفظه من أي هلاك فإذا لم تُبعد عنه مخاطر الدنيا فإنها لا شك سوف تُبعد عنه مخاطر الآخرة.
وفي الإشارة إلى هذه الآثار أو الوظائف قال علي(ع): داووا بالتقوى الأسقام وبادروا بها الحِمام:
وفي حديث آخر: أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، واقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ، وَأَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ، وَارْحَضُوابِهَا ذُنُوبَكُمْ، وَدَاوُوا بِهَا الاَْسْقَامَ، وَبَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ، وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا، وَلاَ يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا.

بِالتَّقْوَى تُقْبَلُ الأَعْمَال

عندما خلقنا ربنا سبحانه رسم لنا طريق الهدى عبر أنبيائه وكتبه وكثير من التعاليم التي أنزلها إلينا عبر الرسل، وعندما صنع ذلك أمرنا بأن نؤمن ونعمل صالحاً، وقد استجاب له بعض عباده فآمنوا به وطمعوا بثوابه وخافوا من عقابه فراحوا يعملون الصالحات، والصالحات لها مظهر وجوهر، فقد ترى أحدهم يصلي أو يحج أو يصوم ولكن مظهره هذا قد يكون مخالفاً لجوهره فهو يأتي بتلك الوظائف كعمل شكلي أو كعادة اعتاد عليها بسبب البيئة التي نشأ فيها أو بأي سبب آخر، وهنا نقول له: إذا أردت أن يكون عملك مقبولاً وسعيك مشكوراً وتحرُّكُك مثمراً فما عليك سوى أن تتقي الله عز وجل لأن التقوى هي سبب قبول الأعمال بل هي التي تجعل العمل صالحاً بينما لو صدر هذا العمل عن غير المتقي لَما حمل معه صفة الصلاح.
وإلى هذه الحقيقة يشير القرآن الكريم بقوله(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)
وهنا حصر الله تعالى قبول أعمال العباد بالتقوى، وعليه يكون العمل من دون تقوى لا فائدة منه ولا ثمرة له، فكلاهما أي قابيل وهابيل قاما بنفس العمل وهو تقديم القربان إلى الله تعالى بغض النظر عن نوعية وكمية وجَودة هذا القربان فتقبّل الله قربان هابيل الذي كان من المتقين، بينما رفض قربان قابيل لأن جوهره لم يكن سليماً ولا نظيفاً، ولعل ذكر هذا الشاهد في القرآن ورد من أجل تشجيعنا على التزام التقوى التي يربح أهلها دائماً.
فالناس يعملون الأعمال الصالحة وغير الصالحة، ولكن كلامنا هنا هو عن الأعمال الصالحة كمن يساعد الآخرين أو يبني مستشفى أو يهتم بشؤون الناس فلا أحد منا ينكر صلاح هذه الأعمال، ولكنها إذا لم تصدر بنية التقرب إلى الله عز وجل فلن يكون لها أثر على موازين صاحبها في يوم القيامة لأن المطلوب في العمل قبل العمل هو التقوى ورجاء ثواب الله والخشية من عقابه والحذر من غضبه، ولذا ورد في وصية رسول الله(ص) لأبي ذر: يا أبا ذر كن للعمل بالتقوى أشدَّ اهتماماً منك بالعمل:
وهناك حديث لرسول الله(ص) يبين لنا فيه جوهر هذه الحقيقة التي وردت في الآية الكريمة وهو حصر قبول الأعمال من أهل التقوى فقط حيث قال(ص): كن بالعمل بالتقوى أشد اهتماماً منك بالعمل بغيره فإنه لا يَقلُّ عملٌ بالتقوى وكيف يقل عملٌ يُتقبَّل لقول الله عز وجل(إنما يتقبل الله من المتقين):
وعن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: كونوا بقَبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل فإنه لن يقلّ عملٌ مع التقوى وكيف يقل عمل تُقُبِّل:
وقال(ع) صفتان لا يقبل الله سبحانه الأعمال إلا بهما التقى والإخلاص:
وقال رجل للإمام زين العابدين(ع) يا أبا محمد إني مبتلىً بالنساء فأزني يوماً وأصوم يوماً فيكون ذا كفارةً لذا؟ فقال(ع) إنه ليس شيءٌ أحبَّ إلى الله عز وجل من أن يطاع ولا يُعصى فلا تزنِ ولا تصم، ثم اجتذبه الإمام الباقر(ع) فأخذه بيده وقال له: يا أبا زَنّة تعمل عمل أهل النار وترجو أن تدخل الجنة:

تَسْدِيْدُ اللهِ لِلْمُتَّقِيْن

لو علم الناس كيف ينظر الله تعالى لأهل التقوى لأسرعوا نحوها والتزموا بها مدى الحياة، ولو عرفوا مكانة المتقين في يوم الحساب لما تهاونوا بها لحظة واحدة، إنها درجة عالية ومكانة سامية يُغبط عليها أهلها، ويتمنى غير المتقين في يوم القيامة أن لو كانوا متقين في دار الدنيا وذلك عندما يرون المنزلة العالية التي سيدخلها كل من كان تقياً في الحياة الدنيا، فقبل أن نشعر بذلك بل قبل أن نندم على التقصير ينبغي علينا استدراك الأمر واستغلال ما بقي من أعمارنا في التقوى التي كانت وما زالت سبب كل خير.
فالذي يتقي ربه يجعل له ربه من أمره فرجاً ومخرجاً وينير له عقله وقلبه ويسهّل له العسير ويهوّن عليه الصعوبات، قال تعالى في سورة الطلاق(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ)
وها هو رسول الله(ص) يبيّن لنا ثمار التقوى وبعضاً من آثارها على هلها فيقول: خَصلةٌ من لزمها أطاعته الدنيا والآخرة، وربِح الفوز بالجنة، قيل وما هي يا رسول الله؟ قال التقوى، من أراد أن يكون أعز الناس فليتق الله عز وجل، ثم تلا(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)
ومن هذا الحديث الشريف نستفيد جملة من الفوائد الخاصة بالتقوى:
الفائدة الأولى: طاعة الدنيا والآخرة للإنسان المتقي: والسؤال الذي يطرح نفسه في المقام، كيف تطيعه الدنيا والآخرة وما هي حقيقة هذه الطاعة؟
نحن نعلم أن الإنسان إذا آمن بربه وعمل صالحاً كان له وضع خاص عند رب العالمين لأن الطاعة تنقل الإنسان من مستوى إلى مستوى آخر أكبر وأعظم، وقد ورد في الحديث القدسي عبدي أطعني تكن مَثلي أقول للشيء كن فيكون تقول للشيء كن فيكون: معنى ذلك أن الدنيا تنقاد للمؤمن فهو يتصرف بها كيف يشاء ولا خطر عليه لأن تقواه لربه تحصنه من كل سوء فلا يخضع لشهوات هذه الحياة بل هي تخضع له فهو يجعل منها موضعاً للطاعة والكسب والتزود ليوم القيامة، ويُرشدنا أيضاً إلى هذا المعنى الحديث القائل: إن لله رجالاً إذا أرادوا أراد:
وأما طاعة الآخرة للمؤمن فحقيقة ذلك أوضح من حقيقة طاعة الدنيا له لأن الله تعالى أباح الجنة للمتقين لهم فيها ما يشاؤون.
الفائدة الثانية: وهي أن تقوى الله عز وجل مصدر عز الإنسان العز الحقيقي الذي لا ذل معه لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والعز القائم على التقوى أساسه متين وقوي لا يتزلزل ولا يهترئ ولا يقع بتاتاً.
الفائدة الثالثة: وهي النتيجة الحتمية التي تعقب التقوى وهي الفوز بالنعيم الذي أعده الله تعالى للمتقين، وهذا ما نجده في كثير من سور القرآن المجيد التي حدثتنا عن عاقبة المتقين، والعاقل عندما يدرك هذه الفوائد من خلال التقوى فإنه ليس أمامه سوى أن يجعل من نفسه نفساً زكية وتقية لينال أجر المتقين.

مِنْ آثَارِ التَّقْوَى

إذا انسدت في وجهك جميع الأبواب وأُغلقت كل النوافذ وشعرت بضيق نفسي شديد ولم تجد لنفسك مخرجاً فما عليك سوى أن تتوجه إلى الله عز وجل بقلب سليم ونية صادقة وتُشعر قلبك تقوى الله فسوف تجد جميع تلك الأبواب مفتوحة أمامك وميسرة لك لأن التقوى باب الفرج للإنسان ومن يتق الله يجعل له من أمره مخرجاً كما أخبرنا القرآن المجيد في أكثر من سورة.
فمهما ضاقت عليك الأرض بما رحُبت، ومهما تضيّق عليك الخناق، فإن الحل بيدك وهو التقوى فهي باب الخير ومفتاح الفرج وهي مَذهبةٌ للهم والغم.
قال رسول الله(ص) لو أن السموات والأرض كانتا رتقاً على عبد ثم اتقى الله لجعل الله له منهما فرجاً ومخرجاً:
وقرأ(ص) قوله تعالى(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) فقال: من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت وشدائد يوم القيامة: معنى ذلك أن التقوى حصن مانع وسلاح متين في وجه الشر بجميع أشكاله وإن آثارها تظهر لصاحبها عند الموت عندما يأتيه ملك الموت فيقف بين يديه كما يقف العبد الذليل بين يدي مولاه وذلك بفعل التقوى التي كان يعمل بها في دار الدنيا، وكذا الحال في يوم القيامة فإن المتقي يتخلص من الشدائد والمحن والمخاوف لأن الله تعالى يَغمره بالأمان حتى يصل إلى درجته في الجنة.
والتقوى أيها المؤمنون والمؤمنات أفضل صفقة وخير تجارة يعقدها العبد بينه وبين ربه، فهي تجارة رابحة على كل حال إذ لم يتاجر أحد مع الله بصدق وإخلاص إلا كان رابحاً، وقليل الربح مع الله عظيم لا يعد ولا يحصى.
قال(ص): يأيها الناس اتخذوا التقوى تجارة يأتكم الرزق بلا بضاعة ولا تجارة ثم قرأ قوله تعالى(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)
وعندما أُخرِج أبو ذر إلى الرَّبَذة قال له الإمام علي(ع) يا أبا ذر إنك غضِبتَ لله فارجُ من غضبت له… ولو أن السموات والأرضين كانتا على عبد رتقاً ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجاً، لا يؤنِسَنَّك إلا الحق ولا يوحشنّك إلا الباطل:
وقال(ع) من اتقى الله سبحانه جعل له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً:
وقال: من أخذ بالتقوى عَزَبَت عنه الشدائد بعد دنوّها واحلَولَت له الأمور بعد مرارتها وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكُمها وأسهَلَت له الصِّعاب بعد إنصابها:
وقال الصادق: من اعتصم بالله بتقواه عصمه الله، ومن أقبل الله عليه وعصمه لم يبالِ لو سقطت السماء على الأرض وإن نزلت نازلة على أهل الأرض فشَمِلَهُم بَليّةٌ كان في حرز الله بالتقوى أليس الله يقول: إن المتقين في مقام أمين:
وقال الإمام الباقر: إن الله عز وجل يقي بالتقوى عن العبد ما عزُب عنه عقلُه ويُجلِّي بالتقوى عنه عماه وجهلَه، وبالتقوى نجا نوح ومن معه في السفينة وصالحٌ ومن معه من الصاعقة وبالتقوى فاز الصابرون ونَجَت تلك العُصَب من المهالك:

خَصَائِصُ المُتَّقِيْن

المتقون لهم علامات وخصائص ينبغي أن يعرفها الجميع لكي يحافظ المتقي عليها ويلتزمها عن جديد من لم يكن عالماً بها، فهناك سلوكيات معيّنة هي التي تجعل من المرء إنساناً تقياً، وهذا ما يحتّم علينا التعرض إلى ذكرها من باب إلقاء الحجة على أنفسنا قبل إلقائها على غيرنا فإن واجبنا هو أن نعلّم الناس كما علَّمَنا الناس.
ومع إلقاء نظرة سريعة إلى كتاب الله العزيز نعرف الكثير من تلك الخصائص، قال تعالى في سورة البقرة(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)
نفهم من هذه الآية الكريمة أن التقوى هي فعل الواجب وترك الحرام قربة إلى الله تعالى وخشية من عقابه وطمعاً بثوابه، فمن قام بهذه الأمور المذكورة في هذه الآية مع قيامه بباقي الواجبات فهو من المتقين، فالمتقي يؤثر ما عند الله عز وجل على كل ما في هذه الدنيا فلا يبخل بشيء بل يُنفق المال في سبيل ربه أي في المواضع التي يرضى الله تعالى الإنفاق فيها، والمتقي هو الذي يقيم الصلاة كما يجب أن تقام أي أنها يقيمها عبادةً ولا يأتي بها كعادة اعتاد عليها، ومن خصائص المتقي أنه يتجمل بالصبر ويعمل به ويواجه به المصائب ويصبر به على الطاعة، وفي ذات الوقت فإن المتقي يفي بالوعود والعهود والشروط فلا يخدع ولا يكذب ولا يخالف.
ومن خصائص أهل التقوى ما جاء في قوله تعالى(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)
وفي هذه الآيات الخمس أربع خصائص للتقوى:
الخصوصية الأولى: وهي أن الله تعالى بعد أن بيّن لنا عاقبة المتقين عنده أخبرنا عما كانوا يعملون في دار الدنيا حتى استحقوا تلك المكانة السامية عنده، فلقد كان المتقون في الدنيا محسنين، ولطالما أخبرنا ربنا في كتابه أنه يحب المحسنين وأنه معهم ومؤيدهم.
الخصوصية الثانية: أنهم ينامون قليلاً ويسهرون كثيراً بين يدي الله عز وجل بالتضرع إليه وبالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن الكريم.
الخصوصية الثالثة: وهي أن المتقين دائماً يستغفرون الله تعالى من قلوبهم وليس من ألسنتهم فقط فهم يداركون الأمر بالإستغفار كيلا تلازمهم تبعات بعض الأخطاء التي يمكن أن يرتكبوها.
وأما الخصوصية الرابعة في هذه الآيات: فهي إخراجهم للحقوق الشرعية من أموالهم، وربما ينفقون من أصل المال صدقاتٍ تقرباً منهم إلى الله عز وجل.

كَيْفَ تُسْتَجْلَبُ التَّقْوَى

بعد أن يتعرف الإنسان على عظمة التقوى وعلو شأن أهلها يرغب في معرفة أسباب كسبها فيسأل ما هي الأمور التي تورّث التقوى؟
فنقول: إن أسباب كسب التقوى كثيرة جداً لأننا نؤمن بكون الطرق المؤدية إليها ربما كانت أكثر من عدد نجوم السماء لاعتقادنا بكثرة طرقها وقلة سالكيها، فلا ينبغي لأحد بأن يتوهم أن قلة المتقين دليل على قلة طرقها أو صعوبة اجتياز تلك الطرق بل بالعكس فإن رحمة الله الواسعة اقتضت أن يكون السير في سبيل التقوى هيّن للغاية.
وأول أسباب كسب التقوى إتباع الصراط المستقيم لقوله تعالى(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) لأن الذي يتبع غير الدين فلا شك بأنه سوف يضيع ويخسر نفسه.
فاتباع الحق والتزام نهجه هو الذي يورّثك التقوى لقول علي(ع): التقوى ثمرة الدين:
ومن الأمور التي تجلب التقوى الحذر والإحتياط فإن الإنسان يترك المكروه كيلا يجره المكروه إلى ارتكاب الحرام، وفي بيان هذا الأمر قال رسول الله(ص): لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به بأس:
وهناك حديث قريب من هذا المعنى الذي ذكرناه وهو قوله(ص): إن المتقين الذين يتقون الله من الشيء الذي لا يُتقى منه خوفاً من الدخول في الشبهة: معنى ذلك أن المتقي لا ينبغي أن يكون مستهتراً بالأحكام بل يجب أن يراقبها ويتعلمها جيداً كيلا تشتبه عليه الأمور فيقع في المخالفة.
ومن الأمور التي تجلب التقوى محاسبة النفس لأن آثارها كريمة وعظيمة فهي تجعل من الإنسان رقيباً على نفسه، فإذا راقب نفسه ابتعد عن الحرام وهذا هو عين التقوى، قال(ص): في وصيته لأبي ذر: يا أبا ذر لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدَّ من محاسبة الشريك لشريكه فيعلمَ من أين مَطعمُه ومن أين مَشربُه ومن أين ملبسه أَمِن حِلٍّ ذلك أم من حرام:
وهنا نحن نعجب من الذي يدعي الإيمان والتقوى وهو لا يراقب مكسبه ولا يسأل عن حلية الطعام أو الشراب لأن هنه أن يشبع فقط، فإذا كان الإنسان كذلك كان بعيداً عن التقوى بعد الأرض عن السماء.
وفي مقابل تلك الأمور التي تجلب التقوى هناك أمور تُبعد الإنسان عنها، فلقد قال الإمام علي(ع) حرام على كل قلبٍ متولّهٍ بالدنيا أن تسكنه التقوى:
وقال(ع): والله ما أرى عبداً يتقي تقوىً تنفعه حتى يَخزِن لسانَه:
وقال الإمام العسكري: من لم يتق وجوه الناس لم يتق الله:

نِتَاجُ التَّقْوَى

عرفنا أن التقوى أمر عظيم وأساس متين وحصن حصين، وعرفنا كيف يمكن أن تُكتسب، وفوق ذلك كله فإن لها نتائج في الدنيا وعواقب حسنة في الآخرة، ومن نتائجها على صاحبها في الدنيا أنها تحفظه من المهالك، فالذي يتقي الله حق تقاته يحرسه ربه من كيد الكائدين وظلم الظالمين ويُبعد عنه كل ما يكره، قال تعالى(إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) لأن القاعدة هي أن الله تعالى ينصر عباده الصالحين ويؤيدهم ويحرسهم بحراسته فهو معهم أينما كانوا لأنهم معه.
وهذا الأثر لم يكن خاصاً بزمن النبي(ص) بل هو يشمل الأزمان السابقة لزمنه والتي أتت وسوف تأتي لأن القاعدة هذه عامة ومستمرة لا تتغير ولا تتبدل حيث قضى الله عز وجل أن يكون مع عباده الصادقين المتقين.
والقرآن المجيد كتاب أنزله الله تعالى ليواكب كل الأجيال وختم به الشرائع السماوية وجعله الخاتمة لجميع الكتب التي أنزلها لأنه اشتمل على محتوياتها وزيادة.
وقد أنزل الله تعالى هذا الكتاب لكل الناس وليس لمجموعة معينة منهم، ولا لزمان دون زمان، وهذا الأثر الذي نحن بصدد الحديث عنه لم ينشأ في زمن النبي الأعظم وإنما كان موجوداً منذ أن أوجد الله الخلق، فلقد أيّد الله المتقين في زمن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وكما حفظ الله المتقين في الماضي فإنه سوف يحفظهم في الحاضر وفي المستقبل ولم يتغير من واقع الأمر شيء بتاتاً.
ويكفي المتقين كرامة وفخراً أن خالقهم القدير معهم، هذا ما أخبرنا الله تعالى به حيث قال(إن الله مع الذين اتقوا) فهو معهم في جميع مراحل حياتهم وكذا هو معهم بعد خروج أرواحهم من هذه الحياة.
ومن نتائج التقوى الرزق الواسع الحلال الطيب لأن الله تعالى يتكفل برزق المتقي حيث يجعل له من جميع أموره مخرجاً فلا تنسد الطرق في وجهه، وإذا صادف أن انسد طريق فُتح له في المقابل طرق عديدة، فإذا وقع الإنسان في ورطة معينة فلا ينبغي أن ييأس بل ينبغي أن يلجأ إلى الله ويتحلى بالتقوى ويرتدي هذا اللباس الواقي وسوف يجد الحل لكل التعقيدات التي واجهته في حياته، فينبغي أن نضع نصب أعيننا قول الله تعالى(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)
فالمتقي لا ينبغي له أن يغتم لضيق العيش لأنه طالما هو مع الله فلن يتركه ربه، هذا ما يجب ن نثق به تماماً ونؤمن به جيداً وإن الواثق بربه يجد ربه حيث يأمُل.
ومن أهم آثار ونتاج التقوى حسن العاقبة وهذا ما يسعى له العقلاء الصادقون المخلصون الذين يعملون للآخرة وللنجاة من النار، قال تعالى(اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
وإن الله عز وجل يحب المتقين لإخلاصهم وصدقهم وخوفهم منه ورجائهم لثوابه، ولأنهم يحملون في داخلهم روحيات كريمة ويتحلَّون بخصال عالية، وقد أبدى الله لهم حبه لهم معبِّراً عنه في محكم كتابه حيث يقول(بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)
وفي سورة التوبة(فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) وفي السورة ذاتها(فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)
وحب الله تعالى لعباده المتقين هو نتيجة حبهم له لأن هذه العملية متبادَلة بينهما غير أن الهدف من حب المتقين لربهم غير الهدف من حب الله للمتقين فإن حبهم له إما خوفاً منه وإما طمعاً بما عنده من النعيم، أما حب الله لهم فهو بسبب طاعتهم له لأنه لا تضره معصة العاصين ولا ينتفع بطاعة المطيعين.
فتعبير المتقي عن حبه يتم عبر الطاعة والإلتزام بالأوامر والنواهي، أما تعبير الله تعالى عن حبه للمتقين فهو إعطاؤهم الخير كله والجزاء الحسن والثواب الكريم والنعيم المقيم.
وينبغي على المحب لربه أن يكون صادقاً في حبه له بمعنى أن يترجم هذا الحب عملياً إذ لا نفع من الحب المقتصِر على الشعور المجرد، إن المحب لمن أحب مطيع.
فمهما أحببت ربك وتجاهرت بهذا الحب وصرحت به في المجالس العامة والخاصة فإذا لم يدفع بك هذا الحب نحو الطاعة فلا يكون حباً بل هو أمر آخر يمكن تسميته بغير هذا الإسم، ومن نتائج التقوى على صاحبها قبول أعماله وطاعاته، ولقد حصر الله تعالى قبول العمل بالمتقين حيث يقول(إنما يتقبل الله من المتقين)
ومن آثارها البشارة بالجنة وهذه هي أمنية العباد الصادقين، قال تعالى(أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
وسوف ينجي الله أهل التقوى من النار، قال تعالى(وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)
ومن أهم آثار التقوى على المتقين في يوم الحساب هو الخلود في الجنة.

كَيْفَ نَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى

التقوى أعلى درجات الإيمان، وهي تُكتسب بالسعي والصدق والجد والإجتهاد، ويمكن لأي إنسان أن يصل إليها إذا سلك الطريق التي توصل إلى هذا المستوى الرفيع من مستويات الإيمان لأنها تشتمل على كل صفات الخير فهي الإيمان وترجمته في آن واحد، وما التقوى سوى فعل الواجب وترك المحرم من أجل نيل رضا الله عز وجل.
ففي المرحلة الأولى يؤمن الإنسان بربه وبكونه واحداً لا شريك له، ثم يسأل عن طرق الطاعة فيطيع ويتجنب المعاصي ويعيش مع الله عز وجل تلك الروح الإيمانية الصادقة وبذلك يصبح من المتقين.
ولقد دعا أنبياء الله أقوامهم إلى تقوى الله بعد أن بثوا الإيمان في قلوبهم وأرشدوهم إلى الخالق القدير وأبطلوا لهم ألوهية الأوثان والأشخاص، ولم تقف دعوتهم للناس عند هذه الحدود وإنما رسموا لهم الطريق القويمة من أولها إلى آخرها حيث عرّفوهم على أحكام دينهم وتعاليم ربهم وأسس التقوى التي بها ينجو الناجي ويفوز الفائز، وكذلك فعل الأئمة(ع) عندما ذابوا في حب الله وخدمة عباده فعلّمونا كل شيء عبر ثلاثة قرون من الزمن وقد بدأت هذه القرون بالبعثة النبوية الشريفة وانتهت بالغيبة الكبرى غيبة الإمام الحجة الذي سوف يُظهره الله في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
وكذلك فعل العلماء والصلحاء والمؤمنون لأن تعليم الناس أسس الإيمان وأحكام الدين لا يتوقف على الأنبياء والأئمة والعلماء فقط لأننا كلنا مسؤولون عن إحياء شعائر الدين ونشره بين الناس في كل بقاع الأرض.
والإنسان بفطرته يسأل عن حقائق الأمور وخفايا القضايا فلو أنك دعوت أحدهم إلى التزام التقوى لسألك عن الطريق إليها والأشياء التي تتكون منها.
ونحن بدورنا نشجع كل إنسان ونحثه على ارتداء ثوب التقوى لأنه خير لباس على حد تعبير القرآن فهو يحصّن صاحبه ويؤمّنه من المخاوف والأهوال ويجعل منه ملَكاً على صورة إنسان لأن التقوى طريق العصمة، وعندما فُرضت علينا التقوى فإنها فُرضت لنكون معصومين عن الخطأ وهو واجب كل إنسان في هذه الحياة.
وكما كنا مسؤولين عن دعوة الآخرين إلى التقوى فكذلك نحن مسؤولون عن تعليمهم وإرشادهم وبيان الطرق المؤدية إلى الرضوان وإلا فالدعوة إلى الله من دون بيان الطرق المؤدية إليه لا جدوى منها ولا ثمرة لها بل ولا تكون حجة على الآخرين.
فمن واجب كل داعٍ إلى الله أن يكشف للمدعوين عن الطرق والأساليب التي يتحقق بها الإيمان الصحيح، وها نحن ندعو إلى التقوى وإن من أولى واجباتنا أن نبيّن لكم الطرق التي تُنال بها التقوى، وقد أشرنا في عشرات البحوث السابقة إلى تلك الطرق، ونحن نعتبر أن تلك البيانات حجة علينا وعلى كل من عرفها لأن من عرف شيئاً أصبح مسؤولاً عنه أمام الله عز وجل وأصبح مطالَباً به عند الناس، ولأجل ذلك كانت مسؤولية المبلّغ حساسة ودقيقة إذ ينبغي عليه أن يبيّن لهم الحقائق كما يجب لأنه مسؤول عن أي تقصير أو إهمال.
فكيف نكون من أهل التقوى؟ نكون من أهلها عندما نلتزم بكل أوامر الله تعالى ونواهيه.

الدَّعْوَةُ إِلَى التَّقْوَى عَبْرَ التَّارِيْخ

لقد بدأت الدعوة إلى التقوى منذ أن أسكن الله تعالى خليفته آدم هذه الأرض لأن الوجود أو الحياة من دون تقوى أو من دون الدعوة إليها لا قيمة لها، فحياة من دون تقوى كجسد من دون رأس وزرع من دون ماء، ونحن هنا لا نستطيع أن نذكر جميع النماذج التي تُظهر لنا كون الدعوة إلى التقوى كانت موجودة منذ وجود الإنسان على الأرض ولكننا سوف نكتفي بذكر بعض النماذج من باب الإستشهاد على فحوى بحثنا.
فلقد ترجم ابنا آدم طريقي التقوى والشقاء حيث كان أحدهما تقياً والآخر شقياً وقد دار بينهما حوار دعاء فيه التقي أخاه الشقي إلى التقوى، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك الحوار حيث قال تعالى(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)
ومن تلك النماذج حوار نبي الله نوح مع قومه، قال سبحانه(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)
ومن تلك النماذج حوار هود مع قومه، قال تعالى(كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)
ومنها حوار صالح مع ثمود، قال تعالى(كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)
ومنها حوار لوط مع قومه، قال تعالى(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)
ومنها حوار شعيب مع قومه(كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)
وهكذا كان كلما أُرسل نبي إلى قومه دعاهم إلى تقوى الله عز وجل لأنها وسيلة النجاة وسبب الفوز والسعادة، وهكذا يجب علينا أن نعمل بسيرة أنبيائنا فنكون من المتقين ونعمل جاهدين لدعوة الناس إلى تقوى الله لأننا نريد الرحمة والسعادة للجميع.

التَّقْوَى وَصِيَّةُ اللهِ لِعِبَادِه

لقد عوّدنا ربنا عز وجل أن يوصينا بالأمور الهامة عنده والنافعة لديه، فلقد أوصانا بوصايا متنوعة وكثيرة، كلها تصب في مصلحة الإنسان وفي المجالات النافعة له على مستوى الدنيا والآخرة، ومن جملة تلك الوصايا التي أنزلها علينا ووصانا بها ما جاء في قوله الكريم(قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
فنلاحظ بأن جميع ما وصانا به يندرج تحت المصلحة الخاصة بنا، فالإبتعاد عن الشرك ينفعنا لأن الشرك يمنع الرحمة ويُبعد عنا المغفرة لأن الله تعالى لا يغفر أن يُشرك به، وكذا الإحسان للوالدين فإن له آثاراً في الدنيا والآخرة، وقد أشير إلى هذا الأثر بقوله(ص) بروا آباءكم تبركم أو يبركم أبناؤكم: فالوصايا التي أنزلها الله كثيرة ولكن أهمها وصيته لنا بالتقوى لأنها تجمع كل الخير، فإذا كان المرء تقياً كان فاعلاً للواجب وتاركاً للمحرم.
وأما وصيته تعالى الخاصة بتقواه فقد ذُكرت في قوله عز وجل(وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا)
وقد أشار أمير المؤمنين(ع) إلى توصية الله لنا بالتقوى حيث قال: أوصاكم بالتقوى وجعلها منتهى رضاه وحاجته من خلقه فاتقوا الله الذي أنتم بعينه ونواصيكم بيده.
وكذلك أهل البيت(ع) أوصَوا العباد بالتقوى لأنها خير عمل يقوم به الإنسان في حياته، فلقد قال علي(ع): أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها خير ما تواصى العباد به وخير عواقب الأمور عند الله:
وقال(ع): أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب الأمثال ووقّت الآجال:
وقال: أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش وأسبغ عليكم المعاش:
وقال: أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها الزمام والقوام فتمسكوا بوثائقها واعتصموا بحقائقها:
فلو لم تكن التقوى بهذا المستوى الرفيع لما أوصى الله بها عباده ولما أكد عليه النبي وآله بهذا الشكل الملحوظ الذي يُفهم منه أمور كثيرة حول التقوى، أهمها ضرورة الإلتزام بها في الدنيا لأنها النافذة المؤدية إلى الرحمة.

التَّقْوَى دَوَاءٌ نَافِعٌ

قد يصاب الإنسان بمرض في جسده فيُشخَّص له مرضه ويوصف له الدواء المناسب عبر جرعة معيّنة يتناولها فيذهب ألمه ويزول عنه مرضه، وقد اكتشف الأطباء والصيادلة والخبراء في مجال الطب عبر القرون الماضية وإلى هذا الزمان آلاف الأدوية التي تُعتبَر حالة ملحة لجميع الناس لأن الجميع معرَّضون للإصابة بأي مرض وبالخصوص في زماننا الحالي الذي أصبح فيه كل شيء ملوثاً بسبب ما يسمونه تطوراً وهو في الحقيقة فتك وظلم وجريمة.
ورغم كثرة تلك الأمراض وانتشارها في كل المجتمعات البشرية ورغم فتكها في الأجساد فإنها مداواتها تُعتبَر سهلة وخفيفة وهينة أمام مداواة القلوب والنفوس التي أصيبت بأخطر الأمراض الفتاكة، تلك الأمراض التي لا يقتصر أذاها على جسد الإنسان في دنياه بل على روحه في يوم الحساب لأن آثار هذه الأمراض السيئة تظهر في يوم القيامة عندما يأخذنا ربنا بتبعاتها.
إن قلوبنا مصابة بأمراض قاتلة، فإذا لم نداوها أوقعتنا في المهالك، ونحن هنا مخيرون بين أمرين إما أن نقتل تلك الأمراض وإما أن تقتلنا هي، وعلينا أن نختار.
وكما يسعى المرء لمعالجة جسده وكما يتنقل من مكان إلى آخر ومن مستشفى إلى مستشفى ومن طبيب إلى طبيب لمعرفة المرض وأخذ الدواء اللازم فكذلك يجب عليه أن يسعى لمعالجة نفسه الأمارة بالسوء، والعلاج لها واضح ومعلوم وهو التقوى.
وأكبر ما يمكن أن يوصل إليه المرض الجسدي هو الموت الذي قد يكون في كثير من الأحيان راحة للإنسان، أما ما توصلنا إليه الأمراض العقائدية والنفسية فإنه أسوأ من الموت بكثير لأن ما بعد الموت أدهى وأعظم كما هو معلوم للجميع.
وإذا كان الأطباء قد وجدوا الكثير من الأدوية للأمراض الجسدية عبر القرون الماضية وما زال أكثرها غامضاً لأن كثيراً من الناس يموتون بأمراض لم يتوصل العلم الحديث بعد إلى اكتشاف دوائها، فإن الإسلام قد وصف الدواء المناسب لأمراض القلوب منذ أربعة عشر قرناً.
فالإلحاد والشرك وارتكاب الذنوب كلها أمراض روحية، وكذا الغضب والأطباع الحادة والأخلاق السيئة، فجميع هذه الأمراض وُضع لها العلاج منذ بزوغ فجر الإسلام العظيم الذي جعل دواء الإلحاد الإيمان ودواء الشرك التوحيد ودواء الذنوب الإستغفار والتوبة ودواء الأخلاق السيئة التخلق بأخلاق الأنبياء والأئمة الذين جعلهم ربهم أمثلة عليا للبشر عبر التاريخ، ودواء الجميع تقوى الله عز وجل.
ولهذا قال أمير المؤمنين(ع): إن تقوى الله دواء داء قلوبكم وبصر عمى أفئدتكم وشفاء مرض أجسادكم وصلاح فساد صدوركم:
وفي موضع آخر قال(ع): أوصيكم بتقوى الله… أيقظوا بها نومكم واقطعوا بها يومكم وأشعِروها قلوبكم وارحضوا بها ذنوبكم وداووا بها الأسقام:

القرآن الكريم والإيمان بالغيب

القرآن الكريم هو المرجع الأول والمصدر الأساسي لمعرفة الأصول والفروع وجميع التعاليم الإلهية والإرشادات الربانية وبيان موارد الحلال والحرام وطريقي الحق والباطل والخير والشر.
وعلى كل حال فإن كتاب الله العزيز يهدي إلى الخير المطلق، وهذا من المسلّمات القرآنية بل من المعتقدات الأساسية في قلب المؤمن وعقله النيّر، وهذا ما أثبته القرآن نفسه حيث قال سبحانه(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) وفي بيان هذه الحقيقة أيضاً قال تعالى(ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) وهناك العديد من الآيات القرآنية وردت لإثبات هذه الحقيقة، فالقرآن كتاب هداية وإرشاد أنزله الخالق من أجل هذه الغايات السامية والأهداف الكبيرة والراقية.
وليس كتاب باطل وسحر وشعوذة وتبصير كما يعتقد بعض مَن زُلزلت عقائدهم وشَحّت نفوسهم واستسلمت لهتافات الشيطان الغوي.
وعلى بركة الله تعالى وتوفيقه الدائم نبدأ الحديث عن صفات المتقين في القرآن الكريم الذي هو الحُكم الفصل وأحسن الحديث وهو المعجزة الأكبر في هذا الوجود، وأعني بذلك أنه أكبر من كل معجزة سبقته في هذا الوجود.
ففي أوائل سورة البقرة وصف الله أهل التقوى بقوله الكريم(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)
فهنا ثلاث صفات من أولى صفات أهل الإيمان والتقوى.
الصفة الأولى: الإيمان بالغيب:
فلكي يكون الإنسان من أهل التقوى يجب عليه أن يؤمن بوجود الله وأنه واحد لا شريك له، وأن يؤمن بجميع صفاته الثبوتية والسلبية، وأن يؤمن بجميع الكتب السماوية وجميع الأنبياء وبالملائكة والبرزخ والحساب والصراط والعرش والميزان والجنة والنار، وأن يؤمن بجميع الأصول ويلتزم بجميع الفروع.
وهذا ما أثبته القرآن وأكد عليه حيث قال سبحانه(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا) وقال(لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) وهناك الكثير الكثير من الآيات التي أكدت لنا هذا المعنى.
فالغيب هو الأمر الذي لم يُطلع الله عليه عباده إلا من ارتضى منهم فإنه يطلعهم على بعض الغيب كما أطلع بعض أنبيائه على أشياء منه ونماذج هذا الأمر كثيرة جداً في تواريخ الأنبياء، فنحن لم نر الملائكة ولم نشاهد الجنة والنار ولم نر أحداث يوم الحساب ومع ذلك فقد آمنا بجميع ذلك لأن الله الذي نؤمن به يقيناً ونثق به تماماً هو الذي أخبرنا عن وجود أشياء وأحداث سوف تحصل بعد هذه الحياة، وربما هناك أمور من الغيب تختص بهذه الحياة كما لو أخبر الله أحد أنبيائه بأن الروم مثلاً سوف تنتصر في بضع سنين على الفرس، أو بأن ناقة الرجل المنافق موجود في دار فلان.
وبسبب ثقة المؤمنين بربهم آمنوا بكل ما أخبرهم به والتزموا أوامره ونواهيه فكانوا بذلك متقين.

إِقَامَةُ الصَّلاة والإِنْفَاقُ فِيْ سَبِيْلِ الله

هناك فرق واسع بين أن نقول فلان صلى وفلان أقام الصلاة حيث قد يصلي المرء صلاة عادة وليس صلاة عبادة أي أنه يصلي من دون أن يردع نفسه عن الخطأ ويحجبها عن المعصية.
أما مقيم الصلاة فهو الذي يأتي بها جامعة لشروطها ومانعة من دخول الأغيار عليه أو ما يعيبها ويقلل من شأنها أو يفسدها، وأهم الشروط المطلوبة في تحقق هذه الفريضة هو أن تكون مصداقاً لقوله تعالى(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) فمقيم الصلاة هو المطيع الحقيقي لله عز وجل أي هو الذي يتمم الصلاة بفعل كل الواجبات الأخرى وترك جميع المحرمات فإذا لم تردعك صلاتك عن الحرام فلا تكون صلاة حقيقية، فالصلاة التي يطلبها الله تعالى هي التي تقع خالصة لوجهه الكريم.
ونلاحظ بأن القرآن لم يقل: صلّ: أو صلوا: وإنما أدخل في ذلك قيد الإقامة له.
ففي سورة الإسراء قال سبحانه(أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) وفي سورة طه(إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) وفي سورة لقمان(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) وفي سورة الأحزاب(وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وفي سورة المائدة(لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) وفي سورة الأنعام(وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فنلاحظ في جميع تلك الأوامر أن الله تعالى طلب منا القيام بالصلاة أي الإتيان بها تامة وجامعة لشروطها.
ومن صفات المتقين التي وردت في أوائل سورة البقرة الإنفاق في سبيل الله حيث قال سبحانه(ومما رزقناهم ينفقون) فالمتقي يشعر دائماً بهذه المسؤولية الإنسانية والإجتماعية والدينية ويأتي بها قربة إلى الخالق القدير إذ لا يخشى المتقي جوعاً ولا فقراً ولا شحاً لأنه يثق بربه ويؤمن بأنه سبحانه وتعالى لن يتركه يجوع ولن يتخلى عنه في حالات الشدة وبالأخص إذا حصل الإنفاق من المتقي في حالة العسر والضراء والضيق.
فالمتقي لا يرضى بأن ينام شبعاناً مع وجود مسلمين جائعين يبيتون على الطوى إذ ليس المسلم من بات شبعاناً وجاره جائع وهذا ما كان يعلنه سيد المتقين علي(ع) عندما كان متسلماً لزمام الحكم حيث كان يقول: وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الاَْطْعِمَةِ ـ وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ بِالْـيَمَامَةِ مَنْ لاَطَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ، وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ ـ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى)

الإِيْمَانُ بِالغَيْب

لقد جرى الكلام عن أول ثلاث صفات من الآية الكريمة في سورة البقرة، وبقي الكلام حول الصفتين المتبقيتين، ولكن قبل الحديث عنهما تجدر الإشارة إلى كون المراد من بيان تلك الصفات لا ينحصر في عملية الكشف عنها فقط، وإنما يتعدى الأمر إلى بيان ثلاثة أصول من أصول العقيدة وهي التوحيد والنبوة والمعاد.
والدليل على ما نقول هو التكرار المؤكِّد على الأصل الثالث وهو الإيقان بالآخرة التي هي من الغيب، ففي البداية قال سبحانه(الذين يؤمنون بالغيب) وفي الآية التالية التي تأتي بعد هذه الآية مباشرة يقول عز وجل(وبالآخرة هم يوقنون) فإذا كانت الآخرة من الغيب الذي يجب الإيمان به فلماذا أكد على الإيقان بالآخرة وخصصها من بين الأصول الأخرى؟ هل لأنها أهم من باقي المغيَّبات؟ بالطبع لا، لأن المغيبات التي يجب الإيمان بها تقع في عرض واحد من الأهمية عند الخالق تعالى وفي ساحات الروح والقلب والعقل، فإذا آمن الإنسان بالآخرة وأنكر بعض المغيبات الأخرى منها أو من غيرها كما لو أنكر البرزخ أو حساب القبر أو أنكر نبوة الأنبياء الذين أخبرنا القرآن عن نبواتهم لم يكن حينئذ صاحب إيمان تام، وحكم هذا السلوك في الموازين الإلهية هو نفس حكم عدم الإيمان.
ولذا نجد الله تعال يذم قوماً آمنوا ببعض الكتاب وكفروا بالبعض الآخر مبيناً لنا قبح العاقبة لهم وأنهم كفار بالله، وهذا مشابه للحالة التي نذكرها هنا، فلقد قال تعالى في هذا الشأن(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ) وقال تعالى(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ)
ولعل ذكر تخصيص الآخرة هنا هو من باب لفت الأنظار إلى كونها أصلاً من أصول العقيدة وإلا فإن حكمها حكم باقي الغيبيات.
إذاً..إن الغيبيات نوعان نوع يتصل بالآخرة كالقبر والبرزخ ونوع لا يتصل بها.
أما بالنسبة للنوع الأول فإنه لا ينبغي أن نفصل بين الآخرة وما هو مقدمة لها كالقبر والبرزخ لأن الآخرة آخرتان، آخرة خاصة وآخرة عامة، أما الآخرة العامة فهي الآخرة التي تحصل بعد موت كل المخلوقات وتغيّر السماء والأرض، وهي الآخرة التي قال الله فيها(يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) وهناك عشرات الآيات التي تصف لنا القيامة العامة.
وأما القيامة الخاصة فهي التي تبدأ للإنسان بموته قبل موت الجميع أي كأولئك الذين ماتوا حتى هذه اللحظة، فهؤلاء دخلوا في مرحلة الآخرة وإن كان هناك فاصل كبير أو صغير بين موتهم والقيامة العامة.
وبناءاً على ذلك أيضاً يكون تخصيص الآخرة من باب تنظيم المصطلحات، ويؤيد ذلك أن الله تعالى وصف أهل الإيمان التام بأنهم الذين يؤمنون بالأصول وغيرها من الغيبيات والذين يعملون بالفروع، وهذا معنى قوله(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ)

الإِيْمَانُ بِمَا أُنْزِلَ على رَسُوْلِ الله(ص)

قال تعالى(والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
من صفات المتقين التي تعرض القرآن إلى ذكرها في أوائل سورة البقرة الإيمان بما أُنزل على الرسول(ص) والإيمان بما أُنزل على الرسل قبله(ع)، والإيمان بالآخرة، وهنا بحث في غاية الدقة قلَّ من يطرق بابه ويعبر من نوافذه بسبب حساسيته ودقته أو حذراً من الوقوع في الشبهات والإشكالات، ولكننا إذا اعتمدنا في بحثنا على الثوابت وعلى النصوص الصريحة والصحيحة هانت المسألة كثيراً، وهذا ما سوف نعتمد عليه في جميع البحوث الآتية إن شاء الله تعالى.
يوجد أمامنا هنا صفتان من صفات أهل التقوى يجب توفرهما في المتقي معاً بضميمة الصفات التي سوف نذكرها لاحقاً.
الأولى: هي الإيمان بما أُنزل على خاتم الرسل محمد(ص) ، وما أُنزل عليه مركَّب من أمرين: الأول: هو القرآن الكريم الذي عُرف أوله وآخره وما بينهما، والذي حفظه خالقه من التحريف، والإيمان بالقرآن يعني: أولاً: الإيمان بأنه كلام الله تعالى وليس كلام غيره، وثانياً: الإيمان بأنه نزل على قلب الرسول بالطريقة التي وصفها الله تعالى أي بالتدريج تِبَعاً للوقائع والأحداث، وهذا ما أشير إليه في العديد من المواضع القرآنية والتي كان منها قوله تعالى(وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) وثالثاً: العمل بما ورد في هذا الدستور الأعظم الذي ختم الله به شرائعه السماوية كلها حيث اشتمل على تعاليمها وما هو أكثر من ذلك مما يحتاج إليه البشر من يوم إنزاله وإلى يوم القيامة.
وهذا يعني أن مجرد الإيمان بالقرآن من دون عمل لا يفي بالمطلوب ولا تؤدَّى به الوظيفة.
فينبغي على الإنسان لكي يكون تقياً أن يلتزم بأوامر القرآن ونواهيه وكل تعاليمه وإرشاداته وذلك أن الإيمان المجرد عن التطبيق لا قيمة له في الموازين الإلهية ولا ثمرة له حسنة في يوم الحساب، يوم الحساب على طبق العمل.
والثاني هو الإيمان بما أوحى الله إلى رسوله في غير القرآن، فالكل يعلم بأن الوحي لم ينزل على الرسول بالقرآن فقط وإنما نزل في غيره أيضاً من التعاليم والإرشادات والتحذيرات ورسم الخطط الناجحة وغير ذلك مما قام به النبي أو قاله في غير القرآن لأن النبي لا ينطق من عند نفسه ولا يأتي بأية حركة إلا بعد أن ينزل الوحي عليه فالإيمان بالقرآن وما أوحي به إلى الرسول غير القرآن هما بمستوى واحد بل بدرجة واحدة عند الله تعالى لأن قول الرسول الخاص وإن لم يكن قرآناً إلا أن مضمونه مطابق للقرآن ولذا فقد أخبرنا الله تعالى عن تلك الحالة الخاصة برسوله حيث يقول(مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)
فالفرق بين كلام القرآن وكلام الرسول هو أن القرآن لفظه ومعناه من الله أما كلام الرسول فإن لفظه من الرسول ولكن معناه من الله تعالى.
وأما الصفة الثانية: وهي الإيمان بما أنزل الله على أنبيائه ورسله قبل مبعث خاتم الأنبياء، أي ما نزل على نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من أنبياء الله(ع) فالإيمان بالكتب السماوية التي سبقت القرآن الكريم أمر ضروري في اكتمال هيكلية التقوى، وهناك ألواح أنزلها الله على العديد من الأنبياء يجب الإيمان بها أيضاً.
فالإيمان بما أنزل الله قبل خاتم الأنبياء لايقتصر على التوراة والزبور والإنجيل فالتوراة نزلت على موسى والزبور على داوود والإنجيل على عيسى والقرآن على محمد بن عبد الله، غير أننا نقرأ في بعض آيات القرآن أن هناك صحفاً أنزلها الله تعالى وهي ليست من تلك الكتب السماوية الأربعة كالصحف التي أنزلها على إبراهيم، وهذا ما يذكره القرآن في آخر سورة الأعلى حيث يقول(إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)
فهناك تعاليم سماوية نزلت من السماء مكتوبة كالألواح التي نزلت على كليم الله موسى عندما ذهب لميقات ربه، وهناك ألواح سطرها الأنبياء بوحي من الله تعالى كالقرآن الكريم، فالإيمان بتلك الكتب مطلوب دون العمل بما جاء فيها لأن وجود القرآن الكريم نُسخ به ما جاء قبله من الكتب السماوية لأن في القرآن ما هو في تلك الكتب وزيادة.
ومن هنا أمكن القول بأن الصفتين المذكورتين في هذا البحث وفي البحث السابق، والمستخرجتين من قوله تعالى(والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) هما صفة واحدة ذات جهتين لأنه لولا القرآن لما عرفنا شيئاً عما أنزل الله من قَبل خاتم الأنبياء فالإيمان بالقرآن والعمل به يعني ضمناً الإيمان بجميع الكتب السماوية والعمل بها أيضاً.
فإذا تحلى الإنسان بجميع هذه الصفات التي ذكرناها حتى الآن والتي سوف نذكرها فيما بعد كان هذا المتحلي بهذه الصفات واحداً من الذين ذكر الله عقباهم بقوله المبارك(أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

المُسَارَعَةُ إِلَى طَلَبِ المَغْفِرَة

في أواسط سورة آل عمران يوجد دعوة إلهية واضحة إلى ارتداء ثوب التقوى، وقد امتازت هذه الدعوة عن غيرها بطلب المسارعة إليها حيث قال سبحانه(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)
أتوقف قليلاً عند مفردات هذه الآية لندرك المعنى المراد منها كي نزداد به ثباتاً على الإيمان ونشد به عزائمنا في اجتياز تلك الطريق التي تبدأ بالمتاعب والأشواك وتنتهي بالراحة والورود، وتُختم بالسعادة الأبدية التي يتمناها العقلاء من أهل الإيمان.
نبدأ بطرح سؤال حول موضوع المسارعة إلى طلب المغفرة، فلماذا طلب الله ذلك من عباده؟ لقد أمرنا ربنا بالمسارعة إلى طلب ما نستجلب به المغفرة لأن الفرص في هذه الدنيا قليلة وضئيلة وقد لا تفتح أبوابها للإنسان سوى مرة واحدة، وهذه الفرص مرتهنة بعمر الإنسان وهنا نتمثّل بقول الله عز وجل(وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) فلقد أمرنا الله بالمسارعة إلى التحلي بالتقوى لأن الأجل يطاردنا في كل لحظة، ولا بد لنا هنا من وضع كلام إمامنا علي(ع) نصب أعيننا فهو ينطبق على هذه الحالة فقال(ع): في كل نفس فوت، وفي كل وقت موت، وفي كل لحظة أجل:
فالإنسان في هذه الدنيا معرض لجميع أسباب الموت في كل زمان ومكان مهما كانت درجة الأمن من الحروب والأمراض والحوادث عالية، ولذا ينبغي على العاقل أن يلحق الأجل بعمله وبقِصَر أمله قبل أن يدركه الأجل وهو في حالة لهو وضياع وانغماس في الشهوات وغرقٍ في المتاهات والغفلات، فأَمْرُ الله بالإسراع فيه نوع من التحذير والتنبيه فقد لا يستطيع الإنسان أن يرتد طرفَه إذا أدركه أجله وهناك يندم حيث لا ينفع الندم، ويطلب العون حيث لا أحد هناك يسأل عن أحد، فلنستمع معاً إلى موعظة قرآنية وردت في هذا المجال فقد قال سبحانه(فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)
فعندما يرى الإنسان ذلك يطلب من الله تعالى أن يعيده إلى الحياة الدنيا ليستغل كل عمره في الطاعة والتقوى فيأتيه الرد السلبي الحاكي عن الغضب والعذاب والإنتقام، وهذا ما أشار إليه الكتاب العزيز في بعض مواعظه للبشر حيث قال سبحانه(حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ)
فعلى العاقل أن يحسب نفسه قد فارق الحياة ووقف هذا الموقف الحرج فيتدارك أمره قبل فوات الأوان ويستغل الفرصة في العمل الصالح، ويتحلى بصفات أهل الإيمان لينقذ نفسه من الهلاك السرمدي الذي لا نهاية له ولا تراجع لحدته ولا خفة لشدته.
فإذا تأملنا في هذه المواعظ القرآنية وعرفنا الهدف من وجودنا في هذه الدنيا لأدركنا حقيقة تلك الدعوة إلى الإسراع في طلب المغفرة.
ونلاحظ بأن كثيراً من الخطابات الإلهية تتضمّن مسألة الإسراع والكسب من الدنيا للدنيا وللآخرة، ولذا ورد في كلام علي (ع): تَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحُوزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً.
بقي الكلام فيما تبقى من الآية الكريمة وهو بيان الشيء الذي يجب أن نسرع في طلبه وانتهاجه قبل أن يفوت الأوان وتنقضي تلك الفرصة الذهبية التي قد لا ندرك أهميتها إلا بعد فقدها كما يدرك السمك نعمة الماء بعد إخراجه من البحر، فقد ينسد ذلك الباب فجأة وإلى الأبد وهناك تقتلنا الحسرة ويَفجعنا الندم ونحترق بالخوف قبل أن نُحرَق في جهنم، فما يجب أن نسارع إلى طلبه إنما هو المغفرة ولعل هذا تعبير بالنتيجة، أي سارعوا إلى ما يُكسبكم المغفرة، ولعل التعبير بالنتيجة دون الفعل هو من باب الترغيب أولاً ومن باب ذكر العاقبة ثانياً، لأن نتيجة الإلتزام بأحكام الله هو نيل المغفرة من دون شك.
ونيل تلك المغفرة له طريق واضح لا غبار عليه ولا ظلمة فيه لأن القرآن الكريم قد أنارها بتعاليمه وإرشاداته وبيان مراد الخالق عز وجل.
فطلب المغفرة لا يتم عن طريق الأمنيات والأحلام بل عن طريق الإيمان الخالص والعمل الصالح، وهذا ما قد ركز عليه الكتاب المنير في العديد من سوره المباركات التي قرن الله فيها العمل بالإيمان مما يعني أن الإيمان إذا تجرد عن العمل فقد فَقَد فحواه ومحتواه وأصبح بحكم المعدوم بدليل أن الله تعالى يأمرنا دائماً بالعمل لأنه يحاسب على أساس العمل والإعتقاد معاً فلا يقبل من عبده واحداً بمفرده فلا يقبل الإيمان المجرد ولا يقبل العمل الناجم عن غير الإيمان، قال تعالى(وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)
فالإيمان والعمل مجتمعَين يعودان على صاحبهما بالمغفرة، ونتيجة هذه المغفرة هي الفوز بالجنة التي خلقها الله للخلّص من عباده، وهنا يرغّبنا ربنا بالسير في تلك الطريق فيقوا بعد أن أمرنا بالمسارعة(وجنة عرضها السموات والأرض) وهذا من باب بيان عظمة الجنة وليس تحديداً لمساحتها الفعلية.
فالمعنى من الآية الكريمة سارعوا إلى الأعمال التي تكسبون بها المغفرة وإلى المغفرة التي هي السبب الأول والأخير في كسب الجنة.

الإنفاق في السرَّاءِ والضّرّاء

بعد أن أمرنا الله بالمسارعة إلى المغفرة التي هي الطريق الوحيد الذي يوصل العباد إلى الجنة والنعيم، وأن المغفرة لا تنال إلا بالإيمان المقرون بالعمل أو العمل المقرون بالإيمان، بعد ذلك ذكر لنا جملة من صفات أهل التقوى فقال(الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
فمن شيم أهل الوعي والحكمة أن لا يمروا على آيات القرآن الكريم مرور الكرام وذلك نتيجة علمهم بعمقه ودقة أبعاده كما وصفه أمير المؤمنين(ع) بقوله: ظاهره أنيق وباطنه عميق: والعلم بالباطن درجات ومراتب فمنا من يدرك من عمق القرآن نسبة مئوية متدنية، ومنا من يدرك من عمقه ما هو أكبر من ذلك، فلو أدركنا من أعماق القرآن واحداً بالمئة لكفى ذلك في تزويدنا من الدنيا للآخرة.
وهذه الآية الكريمة تصف لنا المتقين، وهذا ما يتطلّب منا البحث بعمق حول تلك الصفات لنستفيد منها بشكل أكبر وأوسع حتى يتسنى لنا العمل بها.
ونحن هنا أمام صفة جليلة من صفات أهل التقوى وهي الإنفاق في سبيل الله، وقبل بيان تخصيص الإنفاق هنا بحالتي السعة والضيق ينبغي أن نمر على بعض الآيات التي تتحدث عن النفقة لندرك من خلال ذلك لماذا جعلها الله تعالى صفة من صفات عباده المخلصين.
ففي سورة البقرة قال تعالى(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)
وفي سورة الرعد(وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّار)
وفي سورة إبراهيم(قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ)
وقال سبحانه(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)
وفي بيان آثار النفقة في الدنيا والآخرة قال عز وجل(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)
فالنفقة تحمل للمنفق أثرين، أحدهما في الدنيا وهو البركة والنماء والزيادة وهذا عهد من الله تعالى لأنه أكرم الأكرمين وأوسع المعطين، وثانيهما في الآخرة وهو الفوز بالنعيم المقيم الدائم الخالد الذي لا زوال له ولا نقصان يعتريه.

كَظْمُ الغَيْظِ وَالعَفْوُ عن النّاس

لقد صُرّح بهاتين الصفتين في قوله تعالى(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
وكظم الغيظ أمر يساعد على اكتمال التقوى لأنه جزء منها، فهو أمر مطلوب ومطلب حثيث في شريعة الإسلام بل في كل شرائع هذا الوجود حيث يعتبرها غير المسلمين صفة كمال في الإنسان، فهم ينظرون إلى الكمال من منظار سطحي، أما نحن فنقصد بالكمال كمال الروح الذي لا يتم إلا عبر الإيمان وتطبيق أحكامه بحذافيرها.
ففي كظم الغيظ منافع كبرى لروح الإنسان ونفسه التي تطلب منه كل شيء سواء كان حلالاً أو حراماً فهو يضبط النفس ويلجمها ويكبح فيها شهواتها المطلقة العنان، بل في كظم الغيظ حلٌ لكثير من المشاكل الإجتماعية ووأدٌ للعديد من الفتن القاتلة والمدمرة، وفيه أيضاً إصفاد للشياطين وإبعادهم عن تنفيذ مرامهم وأهدافهم ومخططاتهم الجهنمية الهادفة إلى إيقاع المرء في الخطأ ليصبح عبداً لهم بدل أن يكون عبداً لله سبحانه وتعالى.
فكظم الغيظ يحبس الغضب ويطفئ نيران الحقد التي تأكل كل ما يعترض طريقها ويقطع حبال الفتن ويضبط ميزان الشهوات ويغل يد الشيطان ويقتله بحسرته وذلك أن الغضب يفور بأمر من الشيطان الرجيم الذي يتملك الإنسان بشكل سهل أثناء الغضب، ولذا ورد أن الإنسان أقرب ما يكون إلى ارتكاب الذنوب حين الغضب الذي يَعمي البصيرة ويبعد الإنسان عن الحضرة الإلهية ويستدرجه إلى ساحات الشياطين لتلعب به كيفما تشاء.
ففي حالة الغضب يسهل على الشيطان استدراج الإنسان نحو الخطأ وجره إلى ارتكاب الذنوب التي كانت وما تزال سبب هلاك المرء في يوم الحساب.
هذا الشيطان الذي كان وما زال العدو الأكبر والأول والأخطر لبني آدم ولذا فقد حذرنا ربنا من وسوساته وحثنا على الحذر منه في العديد من سور القرآن الكريم حيث قال سبحانه(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) فلقد بيّن الله لنا عداوة الشيطان الرجيم وأنه يدفع بنا نحو الهلاك فينبغي أن نتعامل معه على أساس كونه أخطر الأعداء في هذا الوجود.
وهذ ما حذر منه المتقون ونزهوا أنفسهم عنه وعصموها من حبائل هذا العدو الذي يكره بني آدم على وجه العموم والمؤمنين منهم على وجه الخصوص.
فالمتقي دائماً يحبس غضبه كيلا يقع فيما يكره، وما يكرهه المتقي هو المعصية التي يتبعها غضب الرحمن، ولذا أمكن القول بأن الغضب باب من أبواب النيران وأبعد الناس عن لهيب النار هم المتقون لأنهم يحذرون من كل ما يدنيهم منها ويعملون ما يبعدهم عنها.
ومن صفاتهم أيضاً العفو عن الناس الذين يقومون ببعض الإساءات، ولا شك بأن وقع الإساءة مؤلم سواء كانت كبيرة أم صغيرة لأن الإساءة الصغيرة للمحسن هي في نظره كبيرة وذلك لأنه ينطلق من قوله تعالى(هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)
فأثر الإساءة كبير على الأنفس الزكية بدرجة عالية، ومهما تكن الإساءة وآثارها فإن الله تعالى يختبر عباده الصالحين بها ليجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون، فالظلم الذي يقع على المؤمن في الدنيا إنما هو امتحان له وباب من أبواب السعادة إن صبر عليه وواجهه بحكمة إيمانية ووعي نبوي.
ولذا كان المؤمن في هذه الحياة غريباً وعلى حد تعبير المعصومين(ع) سجيناً لأنه لا يفعل ما يحلو له بل يراقب الله في كل شيء كيلا يقع في الخطأ، فهو يشعر أنه غريب عن المجتمع الفاسد لأنه لا يداهن على حساب دينه ولا يتمظهر بمظهر أهل الباطل مهما كانت الظروف قاسية عليه فهو لا يشتري رضا المخلوقين بغضب الخالق بل إنه يفعل العكس تماماً، فالمتقي يعمل بوصايا الرسول وآله(ص) والتي كان مضمونها لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وشر الناس من اشترى مرضاة المخلوق بسخط الخالق.
وأمام هذه الإساءات وجّه الله تعالى أمراً لعباده بمقابلتها بالإحسان لأن ذلك هو العلاج المناسب لهذا الداء المنتشر بقوة داخل المجتمع البشري بشكل عام.
قال تعالى(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)
وقد وعد الله عباده الملتزمين بهذا السلوك الإنساني الديني جنةً أعدها لهم فيها ما تشتهي الأنفس وما تلذ الأعين وذلك مقابل قوة الصبر التي تعاملوا بها في الدنيا وواجهوا بها كل المصائب، فالصبر من الإيمان لأنه عبادة صعبة ولكن الأصعب منها هو أن يفقد الإنسان صبره لأنه إذا فقد صبره فقد أذهب إيمانه بيده.
فالعفو عن الناس عبادة مميزة لأنها تترجم الدين عملياً ويُستفاد منها بشكل عام، وإنه رغم وجود كثير من الظلمة غير أن أكثر الناس يحبون هذه الصفة إما لهم بأن يُعفى عنهم وإما لغيرهم، ولذا فقد حث القرآن على مزاولة هذه الصفة الكبرى، قال تعالى(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) وقال سبحانه(وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) وقال(وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)

الإِستِغْفَارُ السّرِيْع

قال سبحانه في صفة أهل التقوى(إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
رغم قِصَر الألفاظ التي تركبت منها هذه الآية الكريمة إلا أنها تشتمل على مجموعة لا بأس بها من المفاهيم الدينية العامة بالإضافة إلى كونها تشتمل بمضمونها ونتيجتها على موعظة للبشر، وهذه الموعظة فيها ترغيب بالجزاء الحسن وترهيب بالوعيد الشديد والعذاب الأليم لكل من عرَف الحق وجحِد به.
ونحن بحسب ما توفر لدينا من معلومات بسيطة واستنتاجات متواضَعة إستخرجنا من تلك الآية ثلاثة مفاهيم ينبغي أن نعرفها ونعمل بها لنستكمل في أنفسنا وقلوبنا وعقولنا روح التقوى، وليست هذه الثلاثة على سبيل الحصر لأنه لو تعمقنا في الآية أكثر لأمكن لنا استخراج عدد أكبر من المفاهيم، غير أن هذه الثلاثة هي الأبرز في المقام.
المفهوم الأول: إمكانية الوقوع في المعصية لغير المعصومين:
فالإنسان المتقي في هذه الحياة معرَّض للوقوع في الحرام بسبب الملاحقة المستمرة له من قبل الشيطان الرجيم في كل الأزمان والأماكن والظروف، وأمام هذه الملاحقة الإبليسية تنشأ وظيفة هامة وحثيثة يجب على المؤمن أن يقوم بها ويؤدي جميع تفاصيلها بدقة وحذر وانتباه وإخلاص لأن الإخلاص عامل أساسي في عملية المحافظة على التقوى التي لا تُسدَّد إلا بتوفيق مباشر من الله تعالى لمن أراد حقاً أن يسلك هذه الطريق.
وجوهر هذه الوظيفة هو الإنتباه التام والحذر الشديد من الأفخاخ العميقة التي يحفرها الشيطان للإنسان بشكل عام وللمؤمن بشكل خاص، وهذا يتطلب مراقبة كل فعل وقول قبل حصوله كيلا يكون فيه فخ شيطاني لأن الشيطان في بعض الموارد يجعلك ترى الباطل حقاً والحق باطلاً وذلك عندما يزين لك خصال الشيء المغرر به.
فقد يبقى المتقي حذراً لأن المفروض هو أن لا يقع في شباك هذا العدو، ولكن على فرض أنه غُرِّر به واستهوته نفسه ومالت نحو الحرام فارتكب الخطأ مهما كان حجمه أو نوعه وذلك في لحظة ضَعف وغفوة عقل وشهوة نفس، وبالتالي فهو غير معصوم، والكل يعرف أن غير المعصوم قد يرتكب الخطأ لسبب من الأسباب، فهو غير معصوم ولكن وظيفته هي أن يعصم نفسه عن الحرام.
وأمام هذا المفهوم يعترضنا سؤال هام في المقام وهو هل أن التقوى تروح وتجيء فتذهب بفعل شيء وتعود بفعل شيء آخر؟
نقول: نعم هذه هي الحقيقة التي يتعامل بها الخالق مع عباده فهو لا يُقفل أبواب الرحمة في وجه أحد ولا يحرم أحداً من نعمة التوبة، فلو كان فعل الذنب لا مغفرة له مع الإستغفار والندم لكان كل الناس من أهل النار سوى المعصومين، وهذا لا يتلاءم مع موازين الرحمة الإلهية، فقد شاءت رحمة الله أن لا يُكتب العذاب على الإنسان بمجرد الخطأ وإلا لم يبق له فرصة ويكون قد كُتب مصره الأسود منذ تلك اللحظة.

المفهوم الثاني: وهو مفهوم التوبة المشار إليه في الآية بطريق غير مباشر، والتوبة نعمة كبيرة لا تقاس بغيرها نظراً إلى آثارها الكريمة التي تعود على المرء بالغفران والسعادة إن انتهى عن الخطأ وأظهر الندامة عليه، ومعنى الآية الكريمة هو أن الإنسان إذا وقع في المعصية ثم استغفر ربه بنية صادقة وقلب خاشع فقد عاد بالتوبة إلى الحالة الإيمانية التقوائية التي كان عليها قبل الخوض في الحرام الذي فقد به التوبة في وقت من الأوقات.
فالتوبة هي طريق الخلاص من تبعات وآثار الذنوب إذ لولاها لكُتب الشقاء على الإنسان منذ ارتكاب أول معصية في حياته، ولطالما رغّبنا الله بالتوبة وأنار طريقها وهو لا ينتفع بطاعاتنا ولا تضره جميع معاصينا بل هو تعالى يصنع ذلك من أجلنا، قال سبحانه(أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) فالمؤمنون الصادقون هم الذين يستجيبون لله ويستنيرون بهذا النور الإلهي وينقذون به أنفسهم من هلاك الآخرة وعذابها، أما الكفار فيصرون على ما فعلوا استكباراً منهم وعناداً ولهذا كان لهم ذلك العذاب الشديد، ولطالما دعانا الله عز وجل إلى التحلي بالتوبة واستغلال ما تبقّى من فرصة الحياة كيلا نخسر كل شيء بلحظة واحدة، قال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) وقال(وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
المفهوم الثالث: وهو أمر عقائدي معلوم وواضح وبسيط وهو أن الله هو الذي يغفر أو لا يغفر، وهو الذي يقبل العمل أو يرفضه، وهو الذي إن شاء رحِم أو شاء عذّب فإن بيده مقاليد السموات والأرض، وهناك نقطة عقائدية ثانية في هذا المقام وهي أن الله تعالى سريع الرحمة والمغفرة، وهذا يعني أن العبد إذا قام بالإساءة ثم واجه تلك الإساءة بالندم والتوبة والإستغفار الجامع لشروطه فسوف يجد الله غفاراً لذنبه.
نعود إلى الآية الكريمة موضوع البحث لنستخرج منها سلوكاً هو في واقع الأمر صفة من صفات المتقين بل لعلها من أهم صفاتهم وهي أن المتقي قد يفعل الفاحشة ويظلم نفسه ولكنه سرعان ما يعود إلى الصواب والرشد من دون تأجيل أو تأخير أو تهاون فيشعر بالندم ويستغفر ربه ويعاهده على عدم العودة إلى ارتكاب المعاصي فلم يصر على الذنب وهو شرط أساسي في قبول التوبة بل هو الذي يعطي التوبة صفة التوبة النصوح فإذا فعل المتقي ذلك فقد استرجع تقواه إذا قُبلت التوبة من قبل الله تعالى، والمؤمن الحق يعمل جاهداً على استرجاع التقوى لأنها زينته في الدنيا والآخرة وسلاحه الأقوى الذي يواجه به وسوسة الشيطان.
خَمْسُ صِفَاتٍ مِنْ سُورَةِ المَعَارِج

قال سبحانه(الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ)
تشير كل آية من هذه الآيات الأربع إلى صفة من صفات المتقين: وهي المداومة على الصلاة وإخراج الحقوق المالية والإيمان بيوم الدين والخوف من عذاب الله، ولكل صفة من تلك الصفات أبواب ومتفرعات وشروط ولكنها تتفق جميعها بالنتيجة لأن النتيجة من كل هذه السلوكيات واحدة وهي المغفرة لهم في يوم القيامة.
فالأولى: المداومة على الصلاة: وبهذه الصفة يمتاز المسلم المؤمن الملتزم بأحكام ربه عن غيره من الناس، وما نلاحظه في هذه الآية هو تقييد الصلاة بالمداومة عليها لأنه شرط أساسي في تحقّق الصلاة المطلوبة التي لها آثارها وأجرها، فلو صلى الإنسان سنين طويلة من عمره ولكنه في أيامه الأخيرة تهاون بالصلاة أو تركها عمداً ثم أدركه الموت كُتب عند الله ممن قال الله فيهم(ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) والسبب في هذه النتيجة السوداء لهذا المتهاون بالصلاة هو أن المداومة عليها شرط أساسي في قيام هذه الفريضة مهما كانت الظروف قاسية لأنها عمود الدين فيجب القيام بها في الحرب كما في السلم وفي السفر والحضر والصحة والمرض فمن لم يستطع الوقوف فيها صلى قاعداً أو مستلقياً لأنها لا تُترك بأي حال، ولذا نجد الرسول وآله كانوا يحافظون على إتيانها في أوقاتها الشرعية وذلك في أحلك الظروف فقد كانوا يأتون بها والحرب ناسبة بينهم وبين الأعداء، والكل يعرف أن الإمام الحسين(ع) قد صلى صلاة الظهر على أرض كربلاء في وقت المعركة وقد استشهد من أصحابه أثناء الصلاة أكثر من واحد.
وقد أراد الإمام علي(ع) في أكبر معاركه أن يقيم الصلاة فاستغرب بعض أصحابه ذلك لأن الوقت لم يكن مناسباً بسبب شدة الحرب وضراوتها فأجابه(ع) بأننا نقاتل لأجل الصلاة.
ومن أهم الفوارق التي تميز فريضة الصلاة عن غيرها هي أنها لا تُترك بحال من الأحوال حتى عند المرض والسفر، وذلك بخلاف فريضة الحج أو الصيام أو الجهاد فإن هذه الفرائض تسقط في السفر وعند المرض أو عند فقدان القدرة، أما الصلاة فلها أحكام تراتبية تصل إلى حديث النفس إن لم يتمكن الإنسان من النطق بألفاظها.
ولأجل ذلك كانت هذه الفريضة علامة خاصة من علامات أهل الإيمان الذين يعتقدون بأنها صلة الوصل بينهم وبين خالقهم الذي يرجون ثوابه ويخشون عقابه.
وها هو رسول رب العالمين وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد(ص) وهو أول المتقين وقائدهم وسيدهم وسيد سيدهم كان لا يشبع من الصلاة بل كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه من كثرة الركوع والسجود وهذا بحد ذاته تعبير عن أهمية هذه العبادة التي لو لم تكن بالغة الأهمية لما لاقت هذا الإهتمام من قبل خاتم الأنبياء، الذي كان يقول إن الجائع إذا أكل شبع وأنا لا أشبع من الصلاة.
لقد كانت الصلاة كل هم الرسول، وكان إذا بدأ بها لا يفكر بآخرها بل كان يطيل الركوع والسجود والتأمل والبكاء من خشية الله، ولو أردنا أن نتحدث عن الصلاة لاستغرق ذلك أشهراً طويلة من الوقت لكثرة ما هو متعلق بها، ونحن نقول ذلك من أجل أن يأتي بها المصلي شبيهة للتي كان يأتي بها النبي وآله، لا أن يأتي بها مصداقاً لقول الصادق(ع) كم من مصل ليس له من صلاة إلا التعب.
فالصلاة التي هي صفة من صفات المتقين هي التي تنهى صاحبها عن الإتيان بالفواحش والمنكرات عملاً بقوله تعالى(إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)

الثانية: إخراج الحقوق الشرعية من الأرباح التي تطرأ على أصل المال، فلقد فرض الله على الأغنياء بالمعنى الفقهي نصيباً للفقراء والمساكين وذلك من باب التكافل الإجتماعي لأن رزق الناس على بعضهم ورزق الجميع على الله، ولذا وصف الله أهل التقوى بقوله(وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) والحق المعلوم نسبة مئوية معينة يقدر عليها كل صاحب مال.
الثالثة: الإيمان بيوم الدين، أي بيوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، فيجب الإيمان بجميع تفاصيل هذا اليوم بدءاً من انكدار النجود وتكوير الشمس وانعدام هذا النظام الدنيوي، ووصولاً إلى الجنة وما فيها والنار وما يحتوي عليها من درجات العذاب، فلا ينبغي للمتقي أن ينكر شيئاً من ذلك حتى ولو كان صغيراً أو كان مقدمة من مقدمات يوم القيامة كالموت والقبر والبرزخ، فإذا قرأ المتقي كلام ربه حول هذا اليوم العظيم لدفعته الخشية إلى العمل الصالح، أما المستهتر فسوف يندم ويعض على يديه ويتمنى لو أنه كان تراباً بدل أن يكون إنساناً وذلك لشدة العذاب، ويكفيه خوفاً أن يرى لهيب النار ويسمع شهيق وزفير جهنم.
الرابعة: الخوف من الله عز وجل، وهذه المسألة بالتحديد يختلف فهمها بين شخص وآخر، ومن هنا كان من اللازم أن نحدد معنى الخوف من الله تعالى لنسلك هذه الطريق عن معرفة ويقين.
هناك خوف مطلق يشمل كل أنواع الخوف على مستوى الدنيا وعلى مستوى الآخرة، بمعنى أن الإنسان يخاف من بلاء الله وامتحانه وعقابه الدنيوي وعذابه الأخروي، وهذا الخوف غير مأمون من دخول المعاني الغريبة عليه مما يجعله في خانة المبهَمات، وهذا أمر لا نقبل به لأنه يفوّت الكثير من المصالح لدى أهل الإيمان.
هناك خوف من الله تعالى بمعنى الخوف من قدرته المطلقة وأنه قادر على فعل أي شيء دون أن يمنعه أحد، وهناك خوف من الله أي من عذابه في يوم القيامة، ولعل هذين النوعين من الخوف يقابلان موضوع الأمن من مكر الله، وهما نوعان صحيحان لأن عقاب الله في الدنيا عظيم وعذابه في الآخرة شديد.
وهذان النوعان من الخوف يكتملان إذا ردعا صاحبهما عن الحرام، لأنه تارة يخاف الإنسان من ربه فيطيعه، وتارة يخافه ويصر على العصيان، فالخوف الذي هو علامة من علامات المتقين هو الخوف الذي يحمل هذا الأثر الكبير وهو ترك ما يغضب الله سبحانه.
فيجب على كل إنسان أن يخاف الله ليس كخوفه من المخلوقات فإن الخوف من المخلوق له معنى بعيد عن معنى الخوف من الله وإن كان كلاهما من الخوف، والسبب في هذا التفاوت هو أنك مرة تخاف من مخلوق مفتقر إلى من هو فوقه، ومرة تخاف من قادر لا شيء فوقه، وإن أكبر خوف من المخلوقات يزول ببعض الألم أو بالموت أما الخوف من الله إذا لم يستتبع معه العمل الصالح فإنه لا ينتهي بالموت بل هو يبدأ فعلياً عند الموت ويستمر إلى الأبد ومن دون أن تخفيف من شدته.
فالنار التي يضرمها الإنسان مصيرها الإنطفاء بكثير من العوامل الطبيعية، أما النار التي يسجرها الله تعالى فلا تنطفئ إلى الأبد.
ومن هنا نجد المتقي في حالة خوف مستمر من الله ولأجل ذلك فهو لا يقترف الحرام ولا يرتكب الأخطاء خوفاً من العذاب الأليم، ولبيان شيء عن هذا الخوف ونتائجه عند الله تعالى نقرأ لكم بعض آيات الكتاب العزيز.
ففي سورة المائدة(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وفي سورة الرعد(وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ) وفي سورة الإسراء(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) وفي سورة النور(رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) وفي بيان عاقبة هذا الخوف العبادي قال تعالى(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ)
فالمؤمن يعيش دائماً بين الخوف والرجاء فمرة يعمل طمعاً بالثواب ومرة يعمل خوفاً من العقاب أو يعمل بهما معاً، المهم هو أن يكون خوفه ليس من الله فقط بل لله أيضاً لأن الخوف لله يعني الإلتزام بهذه الناحية.
الخامسة: المحافظة على الفروج: قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)
قد يكون الإنسان من المصلين الصائمين الفاعلين لكل الواجبات المفروضة عليهم، ولكنه في بعض الأحيان يضعف أمام نزوة معينة أو شهوة من الشهوات تُفقده تلك الروحية التي امتاز بها عن الباقين فيفعل بعض المحرمات التي كان من شأنها الفصل بين فاعلها وهيكلية التقوى التي عبّرنا عنها فيما سبق باللباس الكامل الذي يُشوَّه بأية نقيصة تطرأ عليه، وينعدم بأية قذارة تلطخ نقاءه وتلوث صفاءه وتمزق ثوبه الواقي له من شرور الحياة ومخاطر ما بعد الممات، فقد يصلي الإنسان الفرائض الخمس ويحج بيت الله الحرام ويصوم شهر رمضان ويدفع ما يجب عليه إخراجه من ماله، ولكنه كان لا يحفظ فرجه ولا يغض بصره عما حرّم الله النظر إليه، فبارتكابه لهذا النوع من الحرام ولأي نوع آخر منَع صلاته من بلوغ غايتها وإدراك مرتبتها وتحقيق أهدافها، وجعل من حجه مجرد رحلة سياحية بعيدة عن معنى العبادة وجوهرها، وضرب كل عباداته عرض الحائط لأنه زلزل أركانها بفعل هذا الحرام أو ذاك، وهو يظن بأن تلك الواجبات سوف تشفع له خطيئته وتجُبُّ عنه فعله السيء، وكأن الأمر معادلة حسابية تخضع لموازين الأحكام الوضعية التي كانت من نتاج عقل الإنسان الذي قد يخضع لقوانين سنّها هي في الحقيقة مرفوضة من قبل القانون الإلهي العادل والكامل، فلكي تكون تلك العبادات نافعة ومثمرة وجب أن تقع تامة وجامعة لكل شروطها التي تتقوّم بها، فلا تتم تلك العبادات ولا تؤتي أُكُلها إلا بالتخلي عن كل حرام، وهذا ما صرّح به الكتاب العزيز في عدة مواضع، فالصلاة لا تكون صحيحة أو مقبولة إلا إذا تخلى مصلّيها عن الفواحش والمنكرات، وهو معنى قوله سبحانه(إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا يكون الصوم مجدياً إلا إذا صامت الروح وجميع الجوارح مع البطن لأن الصوم المطلوب لا يقتصر على ترك الطعام والشراب بل على ترك كل المحرمات وترك بعض المباحات أيضاً لأن أكثر المفطرات هي في الأصل مباحة.
وبناءاً على ذلك لا يكون الإنسان تقياً وهو يزاول عملية الزنا، والمقصود بالمحافظة على الفروج هو عدم استعمالها في طرق الحرام.
إن هناك بديلاً نزيها تستطيع من خلاله قضاء حاجاتك من دون أن تأثَم أو تخطئ، فالزواج الشرعي وملك اليمين هما البديلان عن الزنا لأنهما أمران مشروعان من قبل الله عز وجل، وهناك بدائل حلال لكل أمر محرم فإذا سألتَ عن الحلال وبحثت عنه وجدته فلا عذر لك يوم الحساب إذا كنت مقصراً ومتوانياً في أحكام ربك.
بماذا يمتاز الحرام عن الحلال؟ فإن نفس الطريقة المتّبعة في الحلال هي نفسها المتبعة في الحرام ولكن النتائج هي التي تختلف، فما يرتكز في النفس بعد الحلال أمر عظيم وكريم، أما ما تتأثر به النفس بعد الحرام فهو من أقبح الأمور، والكل يشعرون بهذا الأثر غير أن المعاند لا يعترف بذلك بل يهمله ويستخف به لأن الشيطان أعمى قلبه فجعله عبداً لشهواته ونزواته، والآيات التي ذكرناها في أول البحث تصرّح بأن الذين يُشبعون شهوات فروجهم بطرق غير شرعية هم المعتدون على حدود الله تعالى، وهذا الإعتداء إذا لم يتب المرء عنه فإن له عاقبة وخيمة على صاحبه إذ لا يشفع له احد ولا ينقذه من عذاب ربه أحد حتى لو افتدى بملئ الأرض ذهباً، وقد صرّح القرآن بذلك إذ يقول(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) ولا يظنن أحد بأن الكافر هو المشرك فقط بل هو المستهتر بأحكام ربه أيضاً فيجري عليه هناك حكم الكافر وإن كان بالإسم مسلماً.

أَدَاءُ الأَمَانَة

قال سبحانه(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ)
لقد أفتى الفقهاء بحرمة خيانة الأمانة والخلف بالعهد وشهادة الزور، وقد اعتبروا ذلك من كبائر الذنوب، ولم تأت هذه الفتوى عن طريق الذوق أو الإستحسان – وإن كان العقل السليم يرفض كل تلك السلوكيات القبيحة – وإنما جاءت من كتاب الله العزيز ومن كلام الرسول وآله(ص) مصحوبة بمواعدة شديدة اللهجة لأنها لا تقتصر على ظلم النفس فقط بل إنها يُظلم بها كثير من الناس، ومعلومٌ أن ظلم الناس لبعضهم لا يغفره الله تعالى إلا بإسقاط الحق من قِبل المظلوم، وقد في نهج البلاغة على لسان سيد المتقين علي(ع) : أَلاَ وَإنَّ الظُّلْمَ ثَلاَثَةٌ: فَظُلْمٌ لاَ يُغْفَرُ، وَظُلْمٌ لاَ يُتْرَكُ، وظُلْمٌ مَغْفُورٌ لاَ يُطْلَبُ: فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لاَ يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ. وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لاَ يُتْرَكُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً.
والإنسان المتقي يُجلّ نفسه عن مزاولة هذه الصفات التي تأتي بالغضب من كل مكان، فإنه إن وعد أوفى وإن عاهد ربه على شبء قام به مهما كانت الظروف مريرة لعلمه بأن خلف العهد أمر وأدهى، وأن العهد مسؤولية كبرى لا ينبغي الإستعتار بها لأن تبعات ذلك وخيمة، قال تعالى(وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) وهذا من جملة الوصايا العشر التي وردت في سورة الإسراء.
فعندما يعاهد الإنسان أخاه الإنسان وجب عليه أن يفي بهذا العهد مهما كان الثمن غالياً لأن الوفاء بالعهد من علامات الإيمان، وهذا يعني أن خلف العهد جريمة لا تُغتفر وذنب عظيم يجر صاحبه إلى النار، وهذه الجريمة لا يستقبحها الشرع فحسب وإنما يستقبحها الطبع السليم لأن خلف العهد من المحرمات المتفق عليها في جميع الأديان والمجتمعات، ولذا نلاحظ بأن مخلف العهد متهم دائماً فهو موصوف عند الجميع بالخائن والكذاب وبكل صفات الشر لأن الذي يرتكب مثل هذا الذنب لا يصعب عليه ارتكاب أي ذنب آخر.
ويُلحق بالعهد الوعدُ والعقد، ويجب على الإنسان أن يفي بالعقد، وهذا أمر إلهي واضح الدلالة حيث قال سبحانه(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) وهذا ما افتتح الله به سورة المائدة مما يدل على مدى أهميته عنده، ولذا فقد سُئل الصادق(ع) عن معنى هذه الآية فقال: العهود: وقد ورد عن الرسول(ص) أنه قال: المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرّم حلالاً أو أحل حراماً: وفي موضع آخر قال(ص) : المسلمون عند شروطهم:
وفي بيان ثقل المسؤولية هذه قال أمير المؤمنين(ع) :إن العهود قلائد في الأعناق إلى يوم القيامة فمن وَصلها وصله الله ومن نقَضها خذله الله ومن استخف بها خَاصَمَتْهُ إلى الذي أكّدها وأَخَذ خَلْقَه بحفظها:
فالوفاء بالعهد جزء من الإيمان وهو بالتالي علامة من علامات المتقين، قال رسول الله(ص) لا دين لمن لا عهد له، وقال علي: إن حُسن العهد من الإيمان، وقال(ع) ما أيقن بالله مَن لم يرْعَ عهوده وذمته.
فالأمانة خصلة متممة للإيمان لأنها من صفات كمال المرء، وأول ما اشتُهر به نبينا الأعظم(ص) قبل مبعثه هو الأمانة حيث لُقب بالصادق الأمين، وقد كان لتحليه بهذه الصفة أثر كبير على تصديق الناس لما جاء به لأن الصادق الأمين لا يمكن أن يكذب أو يخون مهما كانت العروضات مغرية لأن جميع ما في هذه الدنيا لا تساوي شيئاً في نظر الأمين.
والأمانة حمل ثقيل يُشغل الذمة ويقلق راحة البال ولا يمكن للإنسان أن يشعر بالراحة أو يهدأ له بال إلا إذا أرجع الأمانة إلى أهلها إن كان ممن يحفظ الأمانة ويخشى الله تعالى، أما إذا لم يخف من ربه فإنه لن يبالي بثقلها وأعبائها، وقد صوّر لنا القرآن ثقل الأمانة والمشقة النفسية في حملها حيث يقول(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) وفي هذا الشأن العظيم يقول أمير المؤمنين: ثم أداءُ الأمانة فقد خاب من ليس من أهلها إنها عُرضت على السموات المبنية والأرضين المدحوة والجبال ذات الطُّول المنصوبة فلا أطول ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم منها ولو امتنع شيءٌ بطولٍ أو عرض أو قوة أو عز لامتنَعنَ ولكن أشفقن من العقوبة وعَقَلنَ ما جهِل من هو أضعف منهن وهو الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا: فالإنسان الذي يخون الأمانة لا يكون من المؤمنين حيث جعل الله حفظ الأمانة وإرجاعها إلى أصحابها من علامات أهل الإيمان حيث يقول في محكم كتابه(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) ويقول رسول الله: لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة: ويقول علي: أفضل الإيمان الأمانة: ويقول الباقر: ثلاثٌ لم يجعل الله عز وجل لأحدٍ فيهن رخصة، أداء الأمانة إلى البَر والفاجر، والوفاء بالعهد للبَر والفاجر، وبرُ الوالدين بَرَّين كانا أو فاجرين: ويقول الصادق: أنظر ما بلغ به علي عند رسول الله فالزَمهُ فإن علياً إنما بلغ ما بلغ به عند رسول الله بصدق الحديث وأداء الأمانة: وقال: إتقوا الله وعليكم بأداء الأمانة إلى من ائتمنكم فلو أن قاتل أمير المؤمنين ائتمنني على أمانة لأديتها إليه: ويقول علي: أدوا الأمانة ولو إلى قتلة أولاد الأنبياء: ومن هنا نجد الرسول قد سلب الإيمان عمن لا أمانة له فقال: لا إيمان لمن لا أمانة له: ويقول علي: من لا أمانة له لا إيمان له: وأداء الأمانة لها آثار كريمة في الدنيا والآخرة فهي توصل إلى الصدق وتزيد في الرزق، فقد قال علي: الأمانة تؤدي إلى الصدق: وقال: الأمانة تجر الرزق والخيانة تجر الفقر: وفي وصية لقمان الحكيم لولده: يا بني أدِّ الأمانة تسلم لك دنياك وآخرتُك وكن أميناً تكن غنياً:
وعلى من يريد وضع أمانة عند أحد أن يختار الأمين كما كان العرب في الجاهلية يضعون أماناتهم عند محمد ابن عبد الله فإذا وضعت أمانتك عند غير الأمين فليس لك ضمانٌ عند الله لقول رسول الله: من ائتمن غيرَ أمين فليس له على الله ضمان لأنه قد نهاه أن يأتمنه:
القِيَامُ بِالشَّهَادَة

من صفات المتقين المحافظة على الشهادة والإهتمام بها حيث وصفهم الله بقوله(وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ) وفي موضع آخر من القرآن أكد الله تعالى على هذه الصفة وكونها من شيم أهل الإيمان وصفاتهم التي يمتازون بها عن غيرهم من الناس فقال سبحانه(وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) وقد ورد الأمر بالنهي عن قول الزور واضحاً وصريحاً حيث قال سبحانه(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)
وقد اعتبر الفقهاء قول الزور من كبائر المحرمات لأنها عند الله كذلك فهي تفصل بين الإنسان والرحمة لأنه مهما صنع في هذه الدنيا من الصالحات وكان يشهد بالكذب والزور فلن يقبل الله منه أي عمل، ولقد كرّم الله المؤمنين بقبول شهاداتهم وهذه شهادة من الله تعالى بعظمة الصادقين الذين يقولون الحق ولو على أنفسهم، فهذا وسام شرف من الله تعالى يعتز به الإنسان في هذه الحياة ويفتخر به في يوم الحساب، فإذا قال الحق ولو على نفسه كان من الملتزمين بقول الله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ)
والمطلوب تجاه الشهادة أمران أن يقول بشهادة الحق وأن يأخذ بشهادة الحق من الثقاة فإنه إن لم يعمل بشهادة الحق كان حكمه حكم من قال الزور وكتم الشهادة، وكتم الشهادة آخره النار.
قال تعالى(فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وقال تعالى(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وقال(وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وهنا نهي واضح عن كتمان الشهادة لأن في كتمانها ظلماً لكثير من الناس، والله يكره الظلم بجميع أشكاله وأنواعه ومراتبه.
وقد كثرت الأحاديث المحببة بالشهادة والآمرة بها والناهية عن كتمانه وكذا بينت الأحاديث آثار ذلك، فقد ورد عن رسول الله(ص) قوله: من شهِد شهادة حق ليحييَ بها حق امرء مسلم أتى يوم القيامة ولوجهه نورٌ مَدَّ البصر يعرفه الخلايق باسمه ونسبه:
وقال الصادق: لا ينبغي لأحد إذا ما دُعي للشهادة شَهِد عليها أن يقول لا أشهد لكم:
وقال(ع) إذا دعيت إلى الشهادة فأجب:
وأما في شهادة الزور وآثارها الوخيمة في يوم الحساب فقد قال(ص) من شهد شهادة زور على رجل مسلم أو ذمي أو مَن كان من الناس عُلّق بلسانه يوم القيامة وهو مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار:

خُطْبَةُ المتَّقِيْنَ فِي نَهْجِ البَلاغَة

روي أنّ صاحباً لأمير المؤمنين(عليه السلام) يقال له همّامٌ كان رجلاً عابداً، فقال له: يا أمير المؤمنين، صف لي المتقين كأني أنظر إليهم، فقال(عليه السلام): يا همّامُ، اتقِ اللهَ وأحْسِنْ فَـ (إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) فلم يقنع همّامٌ بِذَلِكَ حتّى عزم عليه.
فحمد أمير المؤمنين الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي(صلى الله عليه وآله)، ثم قال(عليه السلام):
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لاَِنَّةُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ. فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ: مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاْقْتِصَادُ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ. غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ. نَزَلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلاَءِ كَالَّتِي نَزَلَتْ فِي الرَّخَاءِ. لَوْ لاَ الاَْجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْن، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ.
عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ.
قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ. صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً، تِجَارَةٌ مَرْبِحَةٌ، يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُم.
أَرَادَتْهُمُ الْدُّنْيَا وَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أُنْفُسَهُمْ مِنْهَا.
أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لاَِجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ.
وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ، قَدْ بَرَاهُمْ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ، يَنْظُرُ إِلَيْهمُ الْنَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَض، وَيَقُولُ: قَدْ خُولِطُوا! وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ! (إلى قوله) نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاء، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَة. أَتْعَبَ نفسه لاِخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ. فصعق همّام رحمه الله صعقةً كانت نفسُه فيها.
فقال أميرالمؤمنين(عليه السلام): أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ: هكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ البَالِغَةُ بِأَهْلِهَا؟ فقال له قائل: فما بالك يا أميرالمؤمنين ؟
فقال(عليه السلام): وَيْحَكَ، إِنَّ لِكُلِّ أَجَل وَقْتاً لاَ يَعْدُوهُ، وَسَبَباً لاَ يَتَجَاوَزُهُ، فَمَهْلاً، لاَ تعُدْ لِمِثْلِهَا، فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ!

إِسْتِغْنَاءُ اللهِ تَعَالَى عَنْ خَلْقِه

قال الإمام علي(ع) في مقدمة الخطبة التي وصف فيها المتقين:
: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لاَِنَّةُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ :
الله عز وجل غني عن خلقه، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا معاند، فإن الله هو الغني العزيز ونحن الفقراء إليه.
وطاعتنا لا تنفع الخالق، ومعصيتنا لا تضره مهما كانت كبيرة وكثيرة، فهو آمِن من ذلك لا يطاله منا شيء بتاتاً.
فالمطيع ينفع نفسه، والذي يعصي يضرها، قال تعالى(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)
فعندما فرض الله علينا الواجبات ونهانا عن المحرمات فقد فعل ذلك من أجلنا لأنه خلقنا ليرحمنا بشرط أن نطيع ولا نعصي، أما إذا أطعت فإنك تمهّد لنفسك حياة سعيدة دائمة، وأما إذا أسأت فأنت تجر نفسك نحو الهلاك، والأمر عند الله تعالى سيان لا ينتفع بالطاعة ولا يصيبه شيء من المعصية.
ولقد شهد التاريخ كثيراً من الناس الذين تعاملوا مع الله تعالى كما يتعاملون مع خلقه لظنهم بأنه كتلك الآلهة التي كانوا يعكِفون على عبادتها فيكسرونها متى شاؤوا ويحرقونها متى أرادوا ويستبدلونها بغيرها إذا أحبوا ذلك، ومن هؤلاء فرعون الذي ادعى الربوبية لنفسه بعد أن استضعف بني إسرائيل وظن أنه بسلطانه سوف يضر موسى وإلهه فأظهر الله تلك المعجزات على يد كليمه موسى فتغلّب بها على جبروت فرعون ولم يتضرر الله في شيء.
ومن أولئك نمرود الحاكم في زمن إبراهيم هذا الشخص الذي ادعى أنه قتل إله إبراهيم فأجرى الله على يد خليله إبراهيم المعجزة فهزم بها نمرود وغيره.
وقد أشار القرآن الكريم إلى عدم تضرر الله تعالى بمعصية الناس وعدم انتفاعه بطاعاتهم فقال في سورة آل عمران(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)

قِسْمَةُ الرِّزْق

في بداية خطبة المتقين قال أمير المؤمنين(ع) فقسم بينهم معيشتهم ووضعهم من الدنيا مواضعهم فالمتقون فيها هم أهل الفضائل:
نعلم وتعلمون أن كلام المعصومين(ع) كلام عميق ومتين يحمل في قلته الكثير من المعاني والأبعاد والمضامين النافعة للبشرية لأنهم عناوين الخير المطلق، فقد عملوا عبر قرون من الزمن على خدمة الناس وتوجيههم وإصلاح أمرهم ورسموا لهم طرق السعادة، فمن شاء سلكها وفاز فوزاً عظيماً ومن شاء أعرب عنها وسلك الجهة المعاكسة فكَتب الشقاء لنفسه بنفسه، فالرابح هو الذي اتبع تلك العصبة الطاهرة التي جعل الله أفرادها أدلة عليه ووسيلة إليه، فإذا نهجنا منهجهم كنا من الناجين لأن فرقة واحدة سوف تنجو من الشقاء وهي الفرقة التي سلكت نهج الحق الذي كان وما زال متمثلاً بالرسول وآله(ص) وكلامنا عن أهل البيت ليس نابعاً من التعصب والحب الأعمى لأن حبنا لهم ليس غلواً ولا هو ناشئ من الجهل بل هو الحب الناجم عن المعرفة التامة، وأنا أرى أن هذا ليس رأياً خاصاً بل هو حقيقة يعرفها جميع المسلمين وكثير من غير المسلمين، فكل صاحب ضمير حي ورأي حر لا بد وأن يتحدث عن أهل البيت بما هو فيهم من دون الإعتماد لا على الغلو ولا على العداء.
لقد افتتح الإمام(ع) خطبته بذكر حقائق يعرفها كثير من الناس وذلك من باب الترغيب بما عند الله ومن باب بيان الحق والعمل به لأن علياً أول رائد من رواد الحق بعد ابن عمه خاتم الأنبياء.
لقد قال(ع) في خطبته: فقسم بينهم معيشتهم ووضعهم من الدنيا مواضعهم:
إن قسمة الرزق بين العباد لا تختص بفئة دون أخرى ولا بكبير دون صغير بل ولا بمخلوق حي دون مخلوق حي آخر لأن رزق الله يطال جميع الخلق من دون استثناء، والإمام هنا لا يتحدث عن المؤمنين فقط لأن فضل الله تعالى يشمل الجميع، وقد سمّى الله نفسه بالرحمن، والرحمن إسم خاص بصفة عامة كما يقول إمامنا الصادق(ع) أي أن الرحمن هو المنعم على خلقه من دون استثناء، ولذا ورد أن الرحمن رحمن الدنيا وأن الرحيم رحيم الآخرة بمعنى أن الرحمة في الدنيا شاملة للجميع أما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين فقط، ويصح إطلاق أحدهما على الآخرة فتقول كما ورد في الدعاء: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، والسبب في ذلك هو أن الرحمانية تشمل الناس في الدنيا وتشمل المؤمنين في الآخرة، وكذا فإن الرحيمية كما أنها تشمل أهل الإيمان يوم القيامة فكذلك تشمل البعض منهم في الدنيا، وهذه حالة يحددها الله تعالى.
ولهذا لم تكن قسمة الرزق خاصة بالمؤمنين أو حتى بالبشر لأنها تشمل كل ذوي الأرواح وربما غير ذوي الأرواح أيضاً.

مَوَاضِعُ الخَلْق

لكل إنسان في هذه الحياة وضعه الخاص، فمنهم القوي والضعيف ومنهم الغني والفقير ومنهم الرئيس والمرؤوس، ومنهم العالم والجاهل والمؤمن والكافر والمطيع والعاصي، ولكل فرد من البشر درجة خاصة في هذه الحياة ، إما أن تكون درجة في المال أو في السلطة أو في العلم، فالكبير له وضعه وشأنه، والصغير له وضعه وشأنه، فلا غنى للكبير عن الصغير ولا العكس، وهذه هي سنة الحياة، ولا شك بأن الإنسان هو الذي يختار الوضعية التي يريدها وذلك من خلال تفكيره وسعيه واختياره لأي شيء، فمنهم من رضي من الحياة بما هو عليه من الفقر والجهل والضعف رغم قدرته على التغيير، ومنهم من سعى إلى شيء فوصل إليه.
هذا التفاضل أو هذا الإختلاف في الدرجة لم يكن بين الناس العاديين فقط وإنما جرى في ساحات النبوة فإن هناك أنبياء أعلى بالدرجة من باقي الأنبياء، فلا أحد يشك بأن خاتم الأنبياء(ص) هو أعلى درجة من كل نبي سبقه، ولا يشك أحد بأن إبراهيم الخليل أعظم درجة من لوط، وهكذا الحال بين الجميع، وهذا ما صرح به القرآن الكريم حيث قال سبحانه(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)
أما أهل التقوى فهم في الدنيا أهل المَكرمات والفضائل حيث ميزهم ربهم بالتقوى وفضّلهم على من سواهم وجعلهم ذوي كرامات خاصة لأن أكرم الناس عند الله تعالى هم الأتقياء كما أشار القرآن الكريم حيث يقول(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
فرغم المواضع المختلفة في أحوال البشر، ورغم سعي الكثيرين منهم للوصول إلى الأعلى يبقى المتقين سادة البشر رغم فقر بعضهم ودنو مستواه المعيشي أو الإجتماعي لأن الله تعالى يرفع أهل الإيمان وإن كانوا فقراء.

مُجْمَلُ مَا وَرَدَ فِيْ خُطْبَةِ المُتَّقِيْن

قال أمير المؤمنين علي(ع) في بيان صفات المتقين: فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ، مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاْقْتِصَادُ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ، غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ:
لا شك بأن المتقين هم أهل الفضائل والمكارم بكل معنى الكلمة لأنهم ارتقوا بالتقوى إلى أعلى مستويات الكمال النفسي والخُلقي، فهم أكرم الخلق على الله لأنهم عشّاقه وأحباؤه والصالحون من عباده، وبعد أن بيّن الإمام(ع) هذه الحقيقة الخاصة بهم راح يصفهم بما وصفهم به الله فقال: منطقهم الصواب: فمن الضروري أن يكون كلام المتقي صواباً وإلا لم يكن من أهل التقوى لأن الذي لا يبالي بثواب الله وعقابه لا يمسك لسانه عن الشر، أما الذي يخشى ربه بالغيب فإنه يراقب كلامه كيلا يكون فيه مضرة له أو لغيره، ثم لا يليق بالتقوى أن يكون صاحبها بذيئاً أو لاغياً أو فحّاشاً، وعلى أي حال فإن المتقين يعملون بقول الله عز وجل(فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا)
وأما بالنسبة لملبَس المتقي فلقد وصفه علي بالإقتصاد، ولا يعني بذلك أن يلبس المتقي الثياب القبيحة المهترئة بل يعني أن لا يقع المتقي في التبذير كما يصنع كثير من المهووسين بتبديل اللباس إلى حد التبذير والبذخ والترف، فالمتقي يلبس أحسن الثياب ويهتم بأناقته ومظهره ولا بد لكل مؤمن من أن يصنع ذلك لأن المظهر له دور كبير في إيصال الصورة الحقيقية إلى الآخرين، فلا يليق بالمتقي أن يستهتر بمظهره ويلفت أنظار الناس نحوه بنظرات لا تليق بشأنه ولا بشأن الدين الذي ينتمي إليه.
والإقتصاد لا يتم بالملبس فقط بل بكل شيء من الأطعمة والأشربة والمسكن ووسائل النقل وغير ذلك مما يحتاج إليه الإنسان في حياته اليومية ولكن والله أعلم لقد خصّص الإمام اللباس لأنه المظهر الأول من مظاهر حياة الإنسان.
وكذا فإن من صفات المتقين التواضع في المشي تنزيهاً لهم عمن يمشون فرحين مرحين متبخترين متكبرين مع أنهم مخلوقون حقيرون تقتلهم الشرقة وتُدميهم العثرة.
وهم بذلك يلتزمون بقوله تعالى(وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)
ومن أهم صفات أهل التقوى غض البصر والسمع عما حرّم الله النظر أو الإستماع عليه، وقد التزم المتقون في هذا بقوله تعالى(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)
وقال(ع) في صفة أهل التقوى: نَزَلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلاَءِ كَالَّتِي نَزَلَتْ فِي الرَّخَاءِ، ولَوْلاَ الاَْجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْن، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ، عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ:
الناس تجاه البلاء والرخاء نوعان، نوع يشكر عند الرخاء ويكفر عند البلاء ولا يذكر ربه إلا في حالات الشدة وينساه في حالة الرخاء، معنى ذلك أن الخالق يمثّل له جانباً واحداً من جوانب حياته أي في الوقت الذي يشعر فيه أنه بحاجة إلى الخالق فقط أما في الأوقات الأخرى فهو ينسى أن له رباً ينبغي أن يذكره على كل حال، إن هذا النوع من ذكر الله غير محمود بل هو مذموم حيث ذم الله أقواماً ذكروه في الشدة دون الرخاء حيث قال في سورة يونس(وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) وفي سورة الزمر(وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ) وفي السورة ذاتها(فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وفي سورة يونس(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) بهذه الطريقة يتعامل كثير من الناس مع ربهم وهو أسلوب خاطئ يعود بالخسارة على صاحبه.
وأما النوع الثاني من الناس تجاه البلاء والرخاء فهم المتقون الذين ينظرون إلى ربهم بطريقة واحدة في جميع الحالات والظروف فتراه يذكر ربه في الرخاء وكأنه يتضرع إليه في حالات الشدة، وهذه علامة على مدى عشق المتقي لربه.
والطريقة المناسبة في التعاطي مع الله تعالى هي أن تذكره في حالات الرخاء كي يذكرك عند الشدائد إذ قد لا يستجيب لك عند الشدة إذا كنت ناسياً له عند الرخاء.
ولولا الأجل الذي فرضه الله تعالى على أهل التقوى لم تستقر أرواحهم في أجسادهم لحظة واحدة شوقاً منهم إلى النعيم وخوفاً من الجحيم.
فهم يشعرون كأنهم يتنعمون في الجنة فيعملون لها، ويشعرون وكأنهم يُعذبون بالنار فيعملون من أجل الخلاص منها، وهذا هو أصح الأساليب التي يجب أن يتّبعها الإنسان في حياته ليكون يوم القيامة من السعداء.
وقال الإمام علي(ع) في صفة أهل التقوى: : قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ:
عندما نذكر صفات المتقين نهدف إلى بيان ما ينبغي القيام به من قبل العبد ليكون من أهلها، فهي صفات كثيرة تُكوِّن بمجموعها هيكل التقوى، فالذي يريد أن يكون من المتقين فعليه أن يطبق كل هذه الصفات ويتحلى بجميع هذه العلامات من دون أي نقص لأن أي نقص يطرأ في المقام يُفقدك التقوى ويُخرجك من هذا العالم الجميل.
فمن صفات أهل التقوى حُزن القلب، والسؤال هنا، ما هو الشيء الذي يُحزن قلوبهم مع أنهم يستأنسون بالتقوى ويشعرون معها بالراحة والسعادة؟ فالمتقي يحزن على نفسه لأنه يشعر دائماً بالتقصير تجاه ربه، ويحزن لخوفه من العذاب إذا وقع في حرامٍ ومات عليه أو إذا استطاع الشيطان في وقت من الأوقات أن يسيطر عليه ويستدرجه إلى فعل الحرام، هذه أمور من شأنها أن تُحزن أهل التقوى الذين يرجون رحمة ربهم وعطاءاته.
والمتقي يحزن على غيره على الذين باعوا آخرتهم وسولت لهم أنفسهم حب الشهوات، فالمتقي عندما ينظر إلى هؤلاء يحزن عليهم لأنهم جلبوا الشقاء لأنفسهم لأن أهل التقوى يحبون الخير للجميع.
ومن علامات المتقي أن شره مأمون لأنه يخاف الله في عباده فلا يؤذيهم ولا يصنع معهم الشر بل يجعل من نفسه مصدراً للخير بجميع أنواعه المادية والمعنوية، وأقف هنا قليلاً على صفة رائعة من صفات المتقين وهي نحافة الجسد حيث وصفهم الإمام علي(ع) بقوله: وأجسادهم نحيفة: والمطلوب منا هنا هو أنه كيف تكون نحافة الجسد علامة على التقوى علماً بأن أكثر طواغيت البشر كانوا نحيفي الأجساد؟ وكثير من المتقين ليسوا كذلك؟ هذا ما يحتاج إلى شيء من البيان فنقول: إن لنحافة الجسد أكثر من سبب، فتارة يكون السبب هو المرض، وتارة يكون حرمان النفس، ومرة يكون السبب أمراً معنوياً معيّناً، أما السبب الأول فواضح لأنه مرتبط بأمر تكويني إذا أن الأجساد خاضعة لأنظمة هذه الطبيعة التي خلقها الله عز وجل وجعل بينها وبين المخلوقات الحية رابطاً وثيقاً فقد يصاب المرء بمرض معيّن يرجع عليه بنحافة الجسد، وأما السبب الثاني فإنه إما أن ينتج عن البخل أو الفقر أي أمر آخر، ولا ينبغي للإنسان أن يحرم نفسه طالما أنه لا يوجد مانع شرعي أو طبي، فهناك اقتصاد وحرمان، أما الإقتصاد فهو أمر مطلوب ومحثوث عليه في القرآن الكريم الذي وضع ميزاناً واضحاً لهذا السلوك حيث قال تعالى(وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) والكلام يجب أن ينصب هنا على جوهر نحافة الجسد الذي جعله أمير المؤمنين علامة من علامات المتقين وهو(ع) لم يكن نحيف الجسد مع أنه سيد المتقين وقائدهم وإمامهم، لا يوجد هنا تناقض ولا غلط، وهذا ما ينبغي أن نجيب عليه بصورتين:
الصورة الأولى: وهي أنه لا يُشترط أن يكون المتقي نحيف الجسد فإن كثيراً من المتقين ذووا أجساد ضخمة.
والصورة الثانية: وهي أن المتقي وإن لم يكن نحيف الجسد إلا أن مشيه المتواضع وعدم صدور الشر منه وخشوعه المستمر لربه وملاطفته للناس وحركاته الهادئة تعكس للناظرين صورة عنه تجعلهم يرونه نحيفاً وإن لم يكن في الواقع كذلك.
وقال أمير المؤمنين في وصف المتقين: وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ، صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً، تِجَارَةٌ مَرْبِحَةٌ، يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُم، أَرَادَتْهُمُ الْدُّنْيَا وَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أُنْفُسَهُمْ مِنْهَا:
فمن صفات أهل التقوى أن تكون مطالبهم من الآخرين خفيفة ومقدوراً عليها، وفي نفس الوقت فإن نفوس أهل التقوى عفيفة، والعفة صفة من أرقى الصفات الإنسانية قبل أن تكون من صفات أهل التقوى، فأنت عندما تكون حاجاتك خفيفة ونفسك عفيفة فإن الناس سوف ترتاح إليك وتحب معاشرتك، وهذا السلوك قد أوصانا به أمير المؤمنين(ع) عندما قال: خالطوا الناس مخالطة إن عشتم حنوا إليكم وإن متم بكوا عليكم:
ولذا فإنك تظن بأن المتقي غني وهو في الواقع فقير وذلك بسبب العفة التي يعمل بها، ولا بد أن يكون المؤمن كذلك، ولقد مدح الله تعالى أهل العفة حيث قال(لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)
ولقد صبر أهل التقوى أياماً قصيرة وهي أيام الدنيا التي قد تكون في حساباتنا طويلة أو قصيرة إلا أنها مهما طالت فهي قصيرة في الموازين الإلهية لأن الحياة التي تعقبها نهاية هي في الموازين الصحيحة قصيرة وإن عاش فيها المرء مئات السنين، فالمتقون صبروا في هذه الدنيا على الطاعة والبلاء والمعصية فأعقبهم نتيجةً لصبرهم راحة طويلة أبدية في جوار الله عز وجل مع الأنبياء والصلحاء، وهذه هي عاقبة كل من يصبر في هذه الدنيا، وقد وصف الإمام هذه العملية بالتجارة الرابحة لأن كل التجارات التي يعقدها الإنسان مع ربه رابحة من دون شك فلا يُخشى كسادُها.
وهذه التجارة الرابحة يسّرها لهم ربهم لأنهم أرادوها بإلحاح وصدق، وهؤلاء المتقون نَفْعُهم للدين عظيم لأنهم يعكسون الصورة الجميلة التي هي صورة الإسلام حقاً.
فلقد أعانوا الإسلام فنشروه بالقول والفعل وهذا هو واجب كل مسلم تجاه دينه، أما أن تدّعي الإسلام وأنت تشوه صورته من جهات أخرى فهذا السلوك ليس من الدين ولا من الأخلاق لأنك بذلك ترتكب جريمة كبرى في حق الدين الذي تنتمي إليه والذي من واجبك أن تحافظ على نقاء صورته كيلا يظن الآخرون بأنك تمثّل الدين بهذا السلوك السيء والدين من ذلك بريء.
فلقد أرادتهم الدنيا فأغرتهم وزيّنت لهم نفسها وعرضت عليهم زينتها وشهواتها فكانوا كالطود العظيم في مواجهتها، فلقد أرادتهم فرفضوها بإيمانهم وعزائمهم وتقواهم لأن كل هذه الحياة في نظرهم لا تسوي ذرة من رحمة الله التي وصفها الله تعالى بقوله(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)
قال أمير المؤمنين(ع) في وصف المتقين:
أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لاَِجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ:
الليل أنيس المتقين فإذا نامت العيون وغفَت الجفون وهدأت الأصوات وأسدل الليل ثوب العتمة والسكون قاموا إلى الصلاة والدعاء والتأمل والتفكر وربما إلى البكاء من خشية الله، فهم أصحاب العيون المرحومة في يوم القيامة لأن عيونهم تسحر في سبيل الله وتغض الطرف عما حرّم الله وتذرف الدموع من خشيته، فهم يسهرون الليالي بالعبادة حيث عرفوا أن الله عز وجل سوف يميّز الذين يقومون الليل عن غيرهم فيعطيهم الدرجات العليا في جنته الواسعة.
فهم في الليل يتأسَّون برسول الله الذي كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، والذي كان يتلو كتاب الله العزيز، وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) فالمتقون يلبون هذا النداء الإلهي يتلون كتاب الله حق التلاوة، وأعني بحق التلاوة أن يقصد القارئ وجه ربه وأن يفهم معنى القرآن وأن يعمل بمقتضى القرآن لأن مجرد التلاوة المجردة عن العمل لا تنفع صاحبها بشيء فهو يتعب من دون جدوى ومن دون أثر لأن ظهور الأثر متوقف على نية القربة لله تعالى وعلى العمل الصالح الذي تكتمل به شروط الإيمان المُسبِّب لنيل الرحمة ولدخول الجنة، وهم يتلون القرآن ويقومون بعدة أمور تتعلق به:
أولاً: يقرؤون القرآن لأن قراءته عبادة فيها الكثير من الأجر والثواب.
ثانياً: يُحزّنون بتلاوة القرآن أنفسهم وخصوصاً عند تلك الآيات الكريمة التي تتحدث عن العقاب والعذاب والشهيق والزفير.
ثالثاً: يستجلبون به دواء داء نفوسهم لأن الكتاب العزيز خير دواء للقلوب العليلة والنفوس المريضة.
رابعاً: أن المتقين عندما يمرون على آية تتحدث عن الجنة ونعيمها توقفوا عندها شوقاً منهم إلى هذا الثواب العظيم والنعيم الكبير الذي أعده الله للمتقين، وهذا التأمل يشجعهم على الطاعة لأنهم يشعرون وكأنهم في الجنة يتنعمون فلا يرغبون بالخروج من هذا النعيم ويزيدهم هذا الشعور عملاً، وكذا الحال عندما يمرون بالآيات التي تتحدث عن العذاب فإنهم يقفون عندها متأملين بها يشعرون وكأنهم يُعذَّبون بالنار فيدعوهم هذا الشعور إلى العمل الصالح لينقذوا أنفسهم من هذا العذاب.
خامساً: يقرؤون القرآن لأنه كلام الله الهادي إلى الحق والرشد.
وقال الإمام أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين علي بن أبي طالب(ع) في وصف أهل التقوى: وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ، قَدْ بَرَاهُمْ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ، يَنْظُرُ إِلَيْهمُ الْنَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَض، وَيَقُولُ: قَدْ خُولِطُوا! وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ! لاَ يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَلاَ يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ، فَهُمْ لاَِنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ، إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهْمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي، وَرَبِّي أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسي! اللَّهُمَّ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لاَ يَعْلَمُونَ:
عرفنا كيف هي أحوال المتقين عند قدوم الليل، وهنا سوف نتحدث عن أحوالهم في النهار، فهل يتغير عندهم من الأمر شيء، وهل أن هموم الحياة تُشغلهم عن ربهم أم أنهم مستقيمون على الإيمان في جميع الأحوال؟
فهم في النهار حلماء علماء يُعطون عن التقوى أجمل الصور ويعكسون عن الإيمان أعظم الأشكال فتراهم ضعفاء من شدة خوفهم من ربهم، هذا الخوف الذي براهم بَرْيَ القداح كما يصفهم الإمام(ع)، فإذا نظرت إلى المتقين في النهار ظننتهم مرضى ولكنهم في واقع الأمر ليسوا بمرضى وإنما خُيِّل لك ذلك، فهناك فرق كبير بين المريض في جسده وبين الذي أثقله أمر الإيمان والعمل للآخرة، إن الله تعالى لا يطلب منهم اليأس وهذا الذي يقوم به المتقون ليس يأساً بل هو سلوك يظهر عليهم من خلال تلك الروحية العالية التي يمتلكونها.
وقد يتهمهم الناظر إليهم فيظنهم أصيبوا بالجنون أو ما شاكله من الأمراض النفسية، والحقيقة غير ذلك فلقد خالطهم أمر عظيم وهو الخوف من الله تعالى والشوق إلى الجنة التي يعملون لها، ومن منا لا يتوق إلى الجنة؟ كلنا نرغب بها ولكن ليس كلنا يعمل لها، أما المتقون فهم الحريصون على العمل الصالح الذي يبلغون به مرادهم في يوم الحساب.
ومن شيم أهل التقوى أنهم لا يرضون من أنفسهم بالعمل القليل فلا يملون من الطاعة بل كلما عملوا وأطاعوا كلما شعروا بالتقصير فهم يعملون بشكل مستمر ولا يستكثرون الأعمال الكثيرة لأن هذا الشعور يجعل ثواب العمل الكثير قليلاً إن قلنا بأن فيه ثواباً إذ قد يُحرم مستكثرُ العمل من الثواب، ولأجل هذا نرى المتقين خائفين من التقصير دائماً ، وهم يتهمون أنفسهم بالمعصية ليجبروها على التوبة وهذا أمر محبوب ومطلوب لأن الأنبياء والأئمة كانوا يمارسون هذا العمل العبادي العظيم، وخير شاهد على ما نقول أدعيتهم التي امتلأت باتهامهم لأنفسهم وقد سلك المتقون هذا النهج الذي يعوّد النفس على الطاعة، ومن صفاتهم أنه إذا مدحهم أحد خافوا من أن يجرهم المدح إلى شيء من الغرور فيردون مدح الناس لهم بقولٍ متواضع وأسلوب ليّن يغلبون به الشيطان الرجيم.

وقال علي(ع) في بيان صفات المتقين : فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِين، وَحَزْماً فِي لِين، وَإِيمَاناً فِي يَقِين، وَحِرْصاً فِي عِلْم، وَعِلْماً فِي حِلْم، وَقَصْداً فِي غِنىً، وَخُشُوعاً فِي عِبَادَة، وَتَجَمُّلاً فِي فَاقَة، وَصَبْراً فِي شِدَّة، وَطَلَباً فِي حَلاَل، وَنَشاطاً فِي هُدىً، وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَع، يَعْمَلُ الاَْعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلَى وَجَل، يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ، وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ، يَبِيتُ حَذِراً، وَيُصْبِحُ فَرِحاً، حَذِراً لَمَّا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ، وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ:
المتقي يمتلك عقيدة قوية وثابتة لا يمكن أن تتزلزل أو تزول لأن روحه مستقرة بالعقيدة فهو مستعد لأن يبذل الغالي والرخيص في سبيل الثبات على المعتقد الحق الذي يرى فيه حياته وشرفه وعزه وكرامته وسعادته، وتراه حازماً في أمر دينه غير أن هذا الحزم متوج بالرفق واللين والرحمة والعطف والتسامح والتساهل فليس في قلب المتقي حقد ولا في سلوكه تشدد، ولقد اعتنق الإسلام عن علم ومعرفة ويقين فلا يوجد في قلبه ذرة من الشك تجاه ما يجب الإيمان به.
ومن صفات أهل التقوى الإقتصاد في المصرَف وإن كان غنياً لأنه يعمل بحسب الميزان الإلهي الموضوع لهذا الشأن، فهو يبغض التبذير لأن الله تعالى يبغضه.
وأما في العبادات التي يقوم بها المتقي فهي مشحونة بالخشية من الله عز وجل، وهنا يظهر الفرق بين الناس في مسألة العبادة فإن عبادة المتقي قائمة على الخشوع والخشية وهذا ما يزيد في أجرها وثوابها وآثارها عند الله عز وجل.
وأما في حالات الشدة فترى المتقين لا يعبؤون بالأمر ولا يهتمون للشدائد لأنهم معتمدون على الله تعالى فهم مه الله لا يشعرون بالشدائد، ثم إن كل شدائد هذه الحياة لا تساوي شدة واحدة من شدائد يوم الحساب.
فالصبر تاج المتقين لأنهم يواجهون به البلاء ويشدون به على الجراح لأن الصبر جزء أساسي من الإيمان الصحيح.
إذا قام المتقي بعمل صالح فرح فرحاً شديداً لأنه يعلم حسن العاقبة وعظيم الثواب المترتب على الصالحات، فإذا حل المساء كان همه الشكر على ما رزقه الله به وما وفّقه إليه من سبل العيش ومن العمل الصالح، وتراه حذراً مما حُذِّر منه خوفاً من الوقوع في أي خطأ يمكن أن يُسأل عنه في يوم القيامة.
ومن صفات الإنسان المتقي أن لا يعطي نفسه كل ما تشتهيه لأنها في الغالب تطلب الحرام وتسعى وراء إشباع شهواتها مهملةً مشروعية هذا الإشباع، فنرى المتقي يُلجم نفسه الأمارة بالسوء ويُمسك بها جيداً ليجعل منها نفساً زكية منقادة لأوامر الله تعالى ونواهيه.
والمتقي يأنس بما يبقى ويزهد بما يزول فهو يأنس بالآخرة لأنها باقية ويزهد بالدنيا لأنها فانية وإن كانت ظروفها مؤاتية لها لأنه إما أن يتركها هو أو تتركه هي والمؤدى واحد وهو زوال الحياة، وهذا سلوك عقلائي واضح لأن العاقل هو الذي يؤثر الباقي على الفاني، وإلى هذا المعنى يشير الإمام علي(ع) بقوله: قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيَما لاَ يَزُولُ، وَزَهَادَتُهُ فِيَما لاَ يَبْقَى، يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمَ، وَالْقَوْلَ بِالْعَمَلِ: ثم إن أمل المتقي ليس طويلاً فهو يعمل وكأنه مفارقٌ الآن ويؤسس وكأنه سوف يخلُد في هذه الدنيا، وقد انطلق بهذا العمل من القاعدة التي وضعها الإمام علي(ع) حيث قال: إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.
فلقد قصّر المتقي أمله لأن قِصَر الأمل يزيد في العمل وذلك عندما يجعل الإنسان متأهباً للرحيل وهذا ما يدفع به نحو الكسب الكثير ليوم الفقر والفاقة.
ومن صفات المتقي كظم الغيظ وهو حبس الغضب لأن الغضب يجر إلى الوقوع في المخالفات الشرعية ولهذا ورد بأن أكثر ما يعصى الله تعالى في حالات الغضب
والناس تأمل الخير من المتقي ولا تنتظر منه الشر لعلمهم بأنه ينزه نفسه عن الشر، وإلى هذه العلامات الخاصة بأهل التقوى يشير الإمام علي(ع) بقوله: تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ، قَلِيلاً زَلَلُهُ، خَاشِعاً قَلْبُهُ، قَانِعَةً نَفْسُهُ، مَنْزُوراً أَكْلُهُ، سَهْلاً أَمْرُهُ، حَرِيزاً دِينُهُ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً غُيْظُهُ. الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ:
وإن كل ما ذكرناه حول التقوى وصفات المتقين عبر عشرات البحوث ملَخَّصُه أن الإنسان يجب عليه أن يعصم نفسه عن كل خطأ ورذيلة وأن يتحلى بكل كرامة وفضيلة وأن يراقب حكم الله تعالى وينظر إلى المواضع التي ترضيه فيقصدها وإلى المواضع التي تغضبه فيبتعد عنها، وأختم هذه البحوث حول التقوى بما تبقَّى من كلام الأمير(ع) حول بيان صفات المتقين حيث ختم(ع) خطبته بقوله: إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ، بَعِيداً فُحشُهُ، لَيِّناً قَوْلُهُ، غَائِباً مُنْكَرُهُ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ، مُقْبِلاً خَيْرُهُ، مُدْبِراً شَرُّهُ، فِي الزَّلاَزِلِ وَقُورٌ، وَفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ.
لاَ يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلاَ يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ. يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ.
لاَ يُضَيِّعُ مَا اسْتُحْفِظَ، وَلاَ يَنْسَى مَا ذُكِّرَ، وَلاَ يُنَابِزُ بِالاَْلْقَابِ، وَلاَ يُضَارُّ بالْجارِ، وَلاَ يَشْمَتُ بالْمَصَائِبِ، وَلاَ يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ، ولاَ يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ.
إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ، وَإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاء، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَة، أَتْعَبَ نفسه لاِخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ.
بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزاهَةٌ، وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنَهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ، لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْر وَعَظَمَة، وَلاَ دُنُوُّهُ بِمَكْر وَخَدِيعَة.
وبعد كل ما ذكرناه حول التقوى وصفات أهلها أظن أن العاقبة لهم أصبحت واضحة لدى الجميع، ولكنني ومن باب إقامة الحجة أذكر لكم عاقبة المتقين بما جاء في الذكر الحكيم فهو خير الكلام وأحسن الحديث.
ففي سورة الحجر(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ)
وفي سورة النحل(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
وفي سورة الزخرف(الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ)
وفي سورة الدخان(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
وفي سورة الذاريات(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ) وفي سورة النبأ(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا) وفي سورة القمر(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ)

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى