
في رحاب نهج البلاغة الحلقة الخامسة
قال أمير المؤمنين علي(ع) في نهج البلاغة:
واستأدى الله سبحانه الملائكة وديعتَه لديهم، وعهدَ وصيته إليهم، في الإذعان بالسجود له والخنوع لتكرمته، فقال سبحانه اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس اعترته الحميّة وغَلَبت عليه الشِّقوة وتعزّز بخِلقة النار واستوهن خلق الصلصال، فأعطاه الله النَّظِرةَ استحقاقاً للسُخطة واستتماماً للبلية، وإنجازاً للعِدَة، فقال إنك من المنظَرين إلى يوم الوقت المعلوم:
في هذه الفقرات القليلة والقصيرة يشير الإمام(ع) إلى مسائل عدّة تتعلق ببداية النشأة وتضع النقاط على الحروف من الأساس، وهذه المسائل كثيرة وهامة وتتوقف عليها أمور عقائدية من الدرجة الأولى، ولكننا سوف نشير إليها على وجه الإيجاز.
منها: طاعة الملائكة لله في جميع الأمور والتي منها أمره لهم بالسجود لآدم مبيناً لهم فضله وشأنه وأنه بشر مطيع لربه وليس كما تتوهمون من الفساد والإفساد نتيجة ما شاهدتموه ممن أتى قبله، وقد أشار الكتاب العزيز إلى هذا المعنى حيث يقول تعالى(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) وقد سجد جميع الملائكة من دون استثناء تلبية لأمر الله الذي لا يعصونه في أمر لأنهم خلق خاص فطرهم الله على الطاعة، وقد أشار القرآن إلى شمول الجميع في تنفيذ الأمر الإلهي حيث قال(فسجد الملائكة كلهم أجمعون)
ومنها: معصية إبليس وإنظاره إلى يوم القيامة ليستقيم به امتحان البشر في هذه الدنيا، قال(ع) إلا إبليس اعترته الحميّة وغَلَبت عليه الشِّقوة وتعزّز بخِلقة النار واستوهن خلق الصلصال:
الشيطان الرجيم عصى أمر ربه وامتنع من السجود لآدم بدعوى أنه أفضل من آدم لأنه خلق من النار التي هي في نظره أعظم وأهم من التراب، مع أن الواقع هو أن الأمر لا يتوقف عند النار أو التراب أو النور أو أي أصل من أصل الخلق، امر يتعلق بالطاعة والمعصية، فعندما عصى آدم ربه أخرجه ربه من الرحمة وأنظره إلى يوم القيامة ليرى من من الخلق يطيع الحق ومن منهم يمشي في طريق الشيطان.
ومنها: أن الله تعالى قد أخذ عهداً على الملائكة من قبل أن يخلق البشر بأنه إذا خلقه سجدوا له تعظيماً له وللخالق القدير بالدرجة الأولى وقد نفذت الملائكة هذا العهد بمجرد أن خلق الله آدم الذي أنبأ الملائكة بالأسماء كلها كما علّمه ربه تبارك وتعالى.
ويقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) :ثم أسكن سبحانه آدم داراً أرغد فيها عيشه، وآمن فيها مَحَلَّته، وحذّره إبليس وعداوته، فاغتره عدوه نَفاسةً عليه بدار المُقام، ومرافقة الأبرار، فباع اليقين بشكه، والعزيمة بوهنه، واستبدل بالجَذَل وَجَلاً وبالإغترار ندماً، ثم بسط الله سبحانه له في توبته، ولقّاه كلمة رحمته، ووعده المردّ إلى جنته، وأهبطه إلى دار البلية، وتناسل الذرية:
بعد أن تحدث الإمام(ع) عن أصل خِلقة آدم وكيف أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود له تعظيماً وتكريماً راح(ع) يحدثنا عن موضوع إخراج آدم من الجنة وبيان السبب في ذلك حيث قال: ثم أسكن سبحانه آدم داراً أرغد فيها عيشه، وآمن فيها مَحَلَّته: لقد خلق الله تعالى خليفته آدم وأسكنه وزوجته الجنة يسيران فيها بأمان واطمئنان ويأكلان من خيراتها وبركاتها هنيين فرحين بما منّ الله به عليهما بعد أن حذّرهما من وسوسة إبليس وسطواته وخدعه وأساليبه الخطيرة، قال(ع): وحذّره إبليس وعداوته: لقد حذره منه كيلا ينغّص عليه عيشه الرغيد، وعندما علم إبليس بذلك ورأى تكريم الله لآدم اشتعلت بداخله نيران الحسد وراح يطبّق الأثر ويعمل على إخراج آدم مما هو عليه من تلك الحياى الرائعة في ظل الرحمة الإلهيه ونعمه الكثيرة، وفي ذلك يقول(ع): فاغتره عدوه نَفاسةً عليه بدار المُقام، ومرافقة الأبرار:
لقد استطاع إبليس أن يغتر آدم بدافع الحسد كيلا يبقى بدار المقام وفي جوار الأبرار من الملائكة الكرام فباع آدم يقينه بالشك لأنه كان متيقناً من النهي الإلهي تجاه الشجرة التي نهاه الله عن الإقتراب منها، ولكن الشيطان استطاع بخدعه وأساليبه أن يزلزل اليقين في نفس آدم ويوهمه بأن الأكل من الشجرة ليس فيه معصية فانتزع منه الشعور بالعصيان فأكل منها، ولو أنه لم يكن قد باع يقينه لما أقدم على المخالفة، وفي ذلك قال الإمام(ع): فباع اليقين بشكه، والعزيمة بوهنه: بمعنى أن آدم كان عازماً على عدم المخالفة فتصرف له الشيطان بعزيمته فأبدله بالعزيمة وهناً فاستبدل آدم بتلك المخالفة إستبدل بالجذل وجلاً، أي بالفرح حزناً لأنه قبل الإقدام على العصيان كان فرحاً بتلك الحياة الرائعة إلى أن خالف فحلّ الحزن مكان الفرح بعد أن أنزله الله تعالى إلى هذه الأرض.
وكذلك استبدل بالغرور ندماً فعلم أن عاقبة الأمر وخيمة، ولكن رحمة الله تعالى وسعت كل شيء فإنه غفر لآدم ولقّاه التوبة فقبل توبته وكأنه لم يأت بتلك المخالفة التي لو علم أن فيها غضباً لله لما أقدم عليها، فقد وعده الله عز وجل الرجوع إلى الجنة بعد أن يقضي تلك المرحلة الزمنية في دار الإمتحان والبلية.



