مؤلفات

قِصَّةُ الهُبُوْطِ مِنَ الجَنَّة

قِصَّةُ الهُبُوْطِ مِنَ الجَنَّة

(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)
خُلقت حواء من فاضل الطين الذي كُوّن منه أبو البشر آدم(ع)، وقد ذُكرت حكايات كثيرة حول عملية خلق هواء، ولا أهمية لتلك الآراء الضعيفة التي لا يُستفاد منها شيء ما لم يدل عليها دليل واضح وصحيح، فإن المهم هو أنها خُلقت من نفس الطين الذي خُلق منه أبو البشر، وقد زوّجه ربه بها عندما آنسه وجودها أمامه وشعر بأحاسيس جديدة عندما نظر إليها، وبعد ذلك أباح لهما ربُّهما كل ما في الجنة من طعام وشراب ونعيم لا يمكن وصفه، باستثناء شجرة واحدة من بين ملايين الشجر قد نهاهما ربهما عن الأكل من ثمارها.
وما نستغرب له هو أنّه كيف يُمكن لعاقل أن يطرح الأفكار جزافاً دون أن يحقق أو يدقق أو يلاحظ المغالطات الموجودة في طرحه، فلقد ذهب بعضهم إلى أنّ المنهيَّ عنه في الجنة كان بعض سنابل القمح مع أن الآية الكريمة صريحة، فيا أيها المصطاد بالماء العكِر، إنّ الشجرة لها معنى خاص أنت وغيرك تعرفونه، وسنابل القمح لها معنى غير معنى الشجرة، وإليكَ النص القرآني الواضح الذي لا يعتريه أي شك(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى)
وعلى أي حال فإنّ اللوم لا يقع عليهم وحدهم بل على الذين يأخذون بآرائهم المنحرفة.
وقد كان خلف هذا النهي درسٌ للبشرية عبر الزمن حيث بيّن لنا ربنا تعالى خطورة الشيطان على قلب الإنسان ونفسه، وأنّ وسوسته لا حدود لها، وأنه يأتينا بصورة الناصح الغيور، وأنه يتبرأ من الإنسان عندما يقع في أفخاخه الموجعة، ولهذا وجب الحذر منه في جميع الأحوال بأية صورة جاءنا بها، وهذا يدفع بنا إلى التنبّه والتأمل وعدم الإستعجال عند اتخاذ أي قرار، وأن نرجع إلى كتاب الله عز وجل ونسأل أهل العلم قبل أن نقع فنندم.
لقد صدر الأمر الإلهي حول النهي عن الأكل من تلك الشجرة، وراح آدم وحواء يتساءلان عن سبب منعهما عن تلك الشجرة، أهي ذات طعم غير الذي عرفاه، أم أنّ لها خصوصية خاصة من بين باقي الشجر، ولم يصرّح القرآن عن حقيقة تلك الشجرة لأن العبرة ليست في نوعها بل في امتحان الله بها، والله قد يمتحن عباده بحجر أو بورقة، وما على العبد إلا الطاعة، كما امتحننا الله بالطواف حول أحجار لا ترى ولا تسمع(الكعبة الشريفة) لأن العبرة ليست في ذات الممتحَن به، بل في الممتحِن والممتحَن، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين علي(ع) بقوله”ألاَ تَرَوْنَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ، اخْتَبَرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، بَأَحْجَارٍ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلاَ تُبْصِرُ وَلاَ تَسْمَعُ، فَجعلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ (الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً). ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ قُطْراً”
بقيت الحيرة تتحكم بهما مدة من الزمن، ولا جواي يشفي غليلهما، وبقي الصراع بين قوى الخير وقوى الشر في قلبيهما مستمراً، لماذا نهاهما ربهما عن تلك الشجرة، وعلى قاعدة كل ممنوع مرغوب، بالإضافة إلى وسوسة الشيطان الرجيم وإلحاح حواء على آدم تذوّق فاكهتها كما ورد، بقي آدم متمسكاً بالعهد بينه وبين الله تعالى أن لا يأكل من تلك الشجرة.
أما تحريض الشيطان لهما، فمرة كان يوجّه خطابه إلى آدم وحده، ومرة إلى حواء وحدها، وثالثة إليهما معاً، وهذا ما يُستفاد من النص القرآني، وإليكم نموذجين من القرآن يوضحان لنا المعنى المراد.
أما توجيه الخطاب لآدم خاصةً فهو قوله تعالى(قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى)
وأما ما دل على إشراكهما في الوسوسة فهو قوله تعالى(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) وإنه وإن اختلفت التعابير وتغيّرت النصوص إلا أنّ المراد هو واحد، وهو إغواؤهما معاً لأنه إن انتصر على واحد فقد تحققت أمنيته وانتصر على كليهما معاً.
وتمثّل لهما الشيطان وراح يحرّضهما ويغريهما وآدم متماسك لا يتأثر إلى أن خطرت لدى إبليس فكرةُ أنها شجرة الخلد، بمعنى أن الذي يأكل منها لا يموت أبداً، وسوف يبقى في الجنة مُنَعَّماً، فأخبرهما بذلك وأقسم لهما بالله أن الأكل من تلك الشجرة ليس محرّماً فصدّقاه وأكلا من ثمارها الذي لم يكن طعمه مختلفاً عن أقرانه والله أعلم، ولعلهما لم يُقدما على الأكل منها إلا طمعاً بالعيش الرغيد في الجنة الواسعة، ولعل هذا القسم هو الذي أخرج آدم من دائرة العصيان المستوجب للعقاب.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الوسوسة الشيطانية التي شجّعت آدم وزوجته على نقض العهد حيث قال سبحانه(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) وقد وقع آدم فيما كان يحذر، بعد أن صدّق كلام إبليس ووقع في مخالفة الأمر الإلهي الإرشادي له فأكل وقد بدت له ولزوجته سوءاتهما وراحا يغطيان جسديهما بورق الشجر، وعندها دار حوارٌ بين الله تعالى من جهة، وخليفته المفجوع وزوجته حواء من جهة ثانية(وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ)
وقد طلبا الرحمة والمغفرة من الله لأنه إن لم يغفر لهما فسوف يكونان من الخاسرين(قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
نفهم من ذلك أنَّ أمر الشيطان لم يكن بعيداً عن ذهن آدم، فقد حذّره ربه منه، ولكن الدفة في تلك الحادثة رجحت لصالح إبليس حتى يكون ما حصل درساً للبشرية مدى الحياة، ومع الأسف قليلٌ من الناس استفادوا من تلك الحادثة ونسأل الله أن نكون من تلك القلّة.
وبعد تلك الحادثة أو تلك المخالفة جاء الأمر الإلهي بإنزال آدم وزوجته إلى الأرض ليبدءا فيها حياة جديدة(قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ)
وهنا حقّت كلمة ربك، ولا تعني الآية بأن آدم عدوٌ لحواء، بل إنها تشير إلى الحالة التي سوف تكون عليها ذرية آدم، وقد ظهر ذلك جلياً في عهد ابنَي آدم عندما عادى قابيل أخاه وهابيل وقتله.
لقد أخرجهما ربهما من حياة النعيم والسرور والسعادة التي لا توصف إلى حياة التعب والمشقة التي تبدأ بولادة الإنسان وتنتهي له بموته، ثم تنتهي كلياً عند يوم القيامة.
والله وحده يعلم كيف أهبطه، ومتى حدث ذلك، وأنه هل كان في جنّة الخلد التي أعدها الله للمتقين أو في مكان مشابه لها، يبقى ذلك من العلوم التي لم يطلعنا ربنا عليها.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى