قِصَّةُ هَارُوْتَ ومَارُوْت

قِصَّةُ هَارُوْتَ ومَارُوْت
يوجد في القرآن الكريم نوعان من الآيات: محكَم، وهو الذي له وجهٌ واحد للتفسير، ومتَشَابه، وهو الذي يحمل أكثر من وجه، وإليه أشار سبحانه بقوله(هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) وهناك أنواع من الآيات المتشابِهات تحمل من وجوه التفسير أرقاماً خيالية، ولهذا فلا يمكن الجزم بإرادة الله من خلال المتشابِه إلا بالرجوع لأهل الذِكر الذين أمرنا الله سبحانه بالعودة إليهم لفهم المراد من آيات القرآن المجيد، والأمر الإلهي في هذا الشأن واضح(فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)
وإن دلّ هذا التنوّع في القرآن على شيء فإنما يدلُّ على عظمة هذا الكتاب المُنزَل على أعظم الأنبياء، والذي اشتمل على عِلم الأولين والآخرين لِما ورد في الحديث: العِلم كله في القرآن: والذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العِلم، وهذا نوعٌ من أنواع الإعجاز القرآني الذي هو في الواقع أعظم معجزة أوجدها الله عز وجل في هذا الوجود، ولذا عُبّر عنه بالمعجزة الخالدة، فقد أجرى الله سبحانه الكثير من المعجزات على أيدي أنبيائه(ع) كعصا موسى التي تحولت إلى ثعبان يلقف ما أفك السحرة، وكناقة صالح، وتفجير عيون المياه، وغيرها مما لا يمكن حصره في هذا الموضع، ولكنها حدثت وانتهت مع بقاء آثارها في قلوب البعض وعقولهم، أما القرآن الكريم فقد حدث في زمن خاتم الأنبياء محمد(ص) وما زال موجوداً وسيبقى إلى يوم القيامة(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
ومن تلك الآيات المتشابهة التي حملت مئات الوجوه للتفسير والتي حيّرت عقول العلماء فضلاً عن غيرهم والتي تكشف لنا بوضوح عن عظمة كتاب الله العزيز قوله تعالى في سورة البقرة(وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ)
ونحن مجبورون على ذكر بعض المقدمات اللازمة قبل الشروع بهذه القصة التي لا يمكن فهم محتواها إلا من خلال تلك المقدمات التي نعتبرها المدخل الأساسي لفهم مضمون هذه القصة المحيّرة للعقول، والتي حدثت بعد وفاة نبي الله سليمان(ع).
وتُعتبَر قصة هاروت وماروت من عجائب القصص القرآنية التي بقي الكثير منها غامضاً بسبب تجاوز وجوه تفسيرها المليون وجه كما ذهب إلى ذلك العديد من المفسرين.
وليس بالضرورة أن نعرف كل شيء، بل ليس من العيب أن نكون قاصرين عن إدراك بعض المفاهيم، لأن عقولنا قاصرة عن معرفة الكثير مما هو كائنٌ فوق مستوى العقول وربما ما هو ضمن مستواها، ولا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا قول الله تعالى(وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)
لقد جرت هذه القصة العجيبة بعد موت نبي الله سليمان(ع) أي في الفترة التي انتشر فيها السحر بشكل مخيف كاد يقضي على البشرية لولا حكمة الله الذي أرسل إليهما هاروت وماروت للحد من تلك الأزمة القاتلة.
وما نريد أن نعرفه هنا هو أنه كيف استطاع هذان الملكان الحد من انتشار السحر الضار.
لقد أصبح فنّ السحر في تلك الآونة الشغل الشاغل لليهود على وجه الخصوص الذين كانوا وما زالوا مصدراً للإضرار بالعقول والنفوس والأبدان، وكانوا يتنافسون في فن السحر، أيهم أكثر خداعاً وشراً.
فبعد موت نبي الله سليمان كتب بعض الشياطين(من الإنس أو الجن حيث يصح إطلاق إسم الشيطان على متّبع الشيطان) كتب كتاب سحرٍ ووضعه تحت سرير سليمان(ع) لتضليل الناس في شأن هذا النبي الذي سخّر الله له الجن والريح تجري بأمره، ثم أرشد الناس إلى الكتاب المفتعَل ففتحوه وقرأوه، وعلى إثر معرفتهم بمضامين هذا الكتاب الشيطاني اتهموا نبيّهم بالسحر ومرّت عليهم تلك المكيدة الشيطانية دون أن يتحققوا من الأمر حيث كان عندهم قابلية تقبُّل الشر بداعي الحسد تجاه هذا النبي الكريم، وقد قال بعضهم: بهذا تغلّب علينا سليمان: أي بالسحر، وتناسوا أنه نبيٌ مرسَل من عند ربه وأنه صاحب معجزات وكرامات.
فبعد أن تناسوا أنه نبيٌ يوحى إليه من ربه، وجّهوا الأنظار نحو هذا الكتاب الذي تلته الشياطين من دون أن يتأنوا ويدققوا ويحققوا في شأنه، وقد نسوا فضله وإيمانه ومعجزاته وتلك الخدمات الكبرى التي قدمها لهم، ودعوته لهم إلى الإيمان بالله الواحد الأحد.
وبما أنّ لهذه القصة خصوصية خاصة سوف أبينها لكم من خلال شرح كل فقرة من الآية الكريمة على حده.
وسوف نشرع هنا مباشرة ببيان القصة عبر شرح كل فقرة من الآية التي ذكرت لنا قصة هاروت وماروت في سورة البقرة.
(وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)
اتبع اليهود ما أملته الشياطين عليهم من تلك الأكاذيب التي ألصقوها بالنبي سليمان بعد موته وهو بريء مما نُسب إليه جملةً وتفصيلاً، فقد كتب أتباع الشياطين كتاباً ونسبوه إلى نبي الله سليمان مدعين بأنه مصدر قوته، وقد أنكروا نبوته ومعجزاته وجميع إحسانه، وكان اليهود ألعن من الذين كذبوا على لسان نبي الله سليمان.
وقد اختلف المفسرون اختلافاً عجيباً في إرجاع ضمير(اتبعوا) هل هم اليهود، أم الذين كانوا في عهد رسول الله محمد(ص) واختلفوا في قوله(تتلوا) هل هو بمعنى الإتباع أو القراءة أو الكذب.
ولعل المراد بقوله(ملك سليمان) هو عهد النبي سليمان.
(وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ)
أي لم يكن ساحراً، بل الشياطين هم الذين كفروا لأنهم اتهموا سليمان بالسحر، ولأنهم علّموا الناس السحر الأسود.
(يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ)
الشياطين الذين كذبوا على الناس علّموهم السحر الضار، وكان الملكان هاروت وماروت قد بعثهما الله تعالى ليعلّموا الناس فنّ السحر حتى يردوا به كيد الشياطين، ولكنّ الناس استعملوا ما تعلّموه من السحر للتفريق بين المرء وزوجه ولغايات ليست بشريفة، وكان الملكان كلما علّما أحداً من الناس السحر كانا يحذرانه من ذلك ويخبرانه بأنهما يفعلان ذلك للإمتحان، فبدل أن يستعملوا ما تعلّماه من الملكين للخير استعملوه للشر بوسوسة من الشياطين الذين انتشر السحر بوسوستهم لتدمير المجتمع البشري.
(وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ)
(فلا تكفر) أي لا تستعمل ما تعلّمته من السحر في الشر والتفريق بين الناس، بل استعمله لدفع ضرر الشياطين، وفي حديثٍ للإمام الرضا(ع) مع المأمون جاء فيه: وأما هاروت وماروت فكانا ملكين علّما الناس السحر ليتحرزوا به عن سحر السَّحَرة ويبطلوا كيدهم وما علّما أحداً من ذلك شيئاً إلا قالا له إنما نحن فتنة فلا تكفر، فكفر قوم باستعمالهم لِما أُمروا بالإحتراز عنه وجعلوا يفرّقون بما يعملونه بين المرء وزوجه:
وهناك العديد من الأحاديث التي كشفت لنا عن حقيقة هذين الملكين اللذين كان إرسالهما امتحاناً من الله لليهود، ولكنّ اليهود كالعادة سلكوا طريق الشر ولم يسمعوا النصيحة ولم يحذروا.
فالهدف الأساسي من إرسال هذين الملكين كان تعليم الناس السحر الذي يدرأون به السحر الضار، فاستغل كثير ممن تعلموا عن هاروت وماروت السحر لفعل الشر.



