الموت وما بعده

سِلْسِلَةُ المَوْتِ وَمَا بَعْدَه

مَنْ الذِي يَتَوَفانَا

 

 

مَنْ الذِي يَتَوَفانَا

 

وهو سؤال طرحه السابقون على النبي وآله(ص) وهو من الأسئلة الوجيهة التي تكشف للناس عن إحدى الحقائق الكبرى حول مسألة الموت، وقد طرح بعضهم هذا السؤال بهدف ادعاء التناقض في القرآن الكريم الذي ورد فيه ثلاث مجموعات من الآيات التي تتحدث عن حالة الوفاة:

المجموعة الأولى: وهي التي تنسب الوفاة إلى الله عز وجل:

منها قوله تعالى في سورة الأنعام(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)

ومنها قوله عز وجل في سورة يونس(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)

ومنها قوله تعالى في سورة النحل(وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)

ونلاحظ في هذه الآيات الكريمة أن الله تعالى ينسب عملية الوفاة لنفسه، مع أننا نعلم بأن الملائكة وعلى رأسهم ملك الموت هم الذين يتوفون الناس، وهذا ما سوف نجيب عليه لاحقاً.

المجموعة الثانية: وهي التي تنسب الوفاة إلى ملك الموت:

منها قوله تعالى في سورة السجدة(قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)

المجموعة الثالثة: وهي التي تنسب الوفاة إلى الملائكة:

منها قوله تعالى في سورة الأنعام(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ)

ومنها قوله في سورة النحل(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)

ومنها قوله في نفس السورة(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ)

ومنها قوله في سورة محمد(فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ)

أما نسبة الوفاة لله تعالى فهي صحيحة، لأنه هو الذي يأمر بقبض الأرواح، فيصح أن ننسب ذلك إليه، وهذا من الإستعمالات المتبعة في لسان العرب، كما نقول: لقد هجم أبرهة على الكعبة، وهو في الحقيقة لم يباشر الهجوم بنفسه، وإنما هو الآمر بالهجوم، فصح أن ننسبه له.

وأما نسبة قبض الروح لملك الموت فصحيحة أيضاً لأنه إما أن يباشر عملية قبض الروح بنفسه، ولا إشكال في نسبة الوفاة إليه، وإما أن يأمر أعوانه بذلك.

وأما نسبة الوفاة للملائكة فصحيحة، لأنهم في الغالب هم الذين يباشرون عملية قبض الأرواح، وقد فسر لنا الإمام علي(ع) هذا الأمر عندما ادعى أحد الزنادقة التناقض في القرآن حول قوله تعالى(الله يتوفى الأنفس حين موتها) وقوله(يتوفاكم ملك الموت) وقوله(توفته رسلنا) فلقد كان كثير من الزنادقة يتسللون إلى قلوب الضعفاء من خلال هذه الإستعمالات التي لا محل للشك فيها، فقال(ع): فهو تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يتولى ذلك بنفسه، وفِعل رسله وملائته فعله، لأنهم بأمره يعملون، فمن كان من أهل الطاعة تولت قبض روحه ملائكة الرحمة، ومن كان من أهل المعصية تولى قبض روحه ملائكة النقمة، ولملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة والنقمة يَصدُرون عن أمره وفعلهم فعله، وكل ما يأتونه منسوب إليه، وإذاً كان فعلهم فعل ملك الموت وفعل ملك الموت فعل الله لأنه يتوفى الأنفس على يد من يشاء:

وقد أشار الإمام الصادق(ع) إلى هذه الحقيقة أيضاً فقال قي بيان الآيات المذكورة: إن الله تبارك وتعالى جعل لملك الموت أعواناً من الملائكة يقبضون الأرواح بمنزلة صاحب الشرطة له أعوان من الإنس يبعثهم في حوائجه، فتتوفاهم الملائكة ويتوفاهم ملك الموت من الملائكة مع ما يقبض هو، ويتوفاها الله عز وجل من ملك الموت:

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى