
في أكثر من بحث تحدثنا عن الموت وما بعده من خلال خطب أمير المؤمنين(ع) والتي كان أسلوبها وعظياً ومضمونها علمياً وإشارات غيب، وقد اعتبرنا تلك البحوث تقديماً لما سوف يأتي من كلام حول الموت وما بعده، وفي هذا البحث سوف أتناول موضوع القيامة الحقيقية والقيامة المجازية إن صح التعبير أو فلنقل القيامة الخاصة والقيامة العامة، وسوف يكون منطلقنا في هذا البحث حديثاً ورد عن خاتم الأنبياء محمد(ص) وهو قوله: إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته:
لا يمكن أن نترك أي كلام على ظاهره وإطلاقه، وبمعنى آخر لا ينبغي التعامل مع كلام المعصومين بشكل سطحي عابر حيث لا يمكن فهم المقصود من كلامهم إلا من خلال قراءة الثوابت التي ينطلقون من خلالها، ومن هنا نؤكد على كسب أعلى نسبة ممكنة من المعلومات وعلى التركيز في كل المقدمات اللازمة لأي بحث وأي كلام.
فلو أننا قرأنا هذا الحديث الشريف من غير أن نتأمل في أعماقه ونتعرف على الأسلوب الذي كان يستعمله النبي في بيان المراد لما أمكن لنا فهم أي شيء منه، ومن هنا أكد الإسلام على الرجوع إلى أهل الذكر فيما يتصل بالعقيدة والأحكام على وجه الخصوص.
يشير لفظ القيامة إلى أكثر من معنى، فتارة يُقصد به الموت، وأخرى يُقصد به الحياة، مع ملاحظة وجود مقاربة بين المعنيين بوجه خاص، فإذا قصدنا بلفظ القيامة معنى الموت كان المراد بها القيامة الخاصة أو القيامة المجازية التي تُعتبر باباً يوصل إلى القيامة الحقيقية أو القيامة العامة بشكل قهري غير اختياري إذ يكون الإنسان أما هذا الإنتقال مسيراً غير مخيّر.
أما إذا قصدنا بلفظ القيامة معنى الحياة كان المقصود بذلك تلك الحياة التي تأتي بعد الموت والتي يمكن التعبير عنها بقيام الناس من الأجداث للحساب بعد عملية النفخ في الصور التي قال الله فيها(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ)
وهنا يأتي السؤال حول الحديث الشريف الذي أوردناه قبل قليل، كيف عبّر النبي(ص) عن الموت بالقيامة مع العلم بأن المعنى الأساسي للقيامة كما يظهر من القرآن الكريم هو الحياة وليس الموت؟ وأنا أرى بأن هذا السؤال غاية في الدقة والأهمية، ولهذا سوف تكون الإجابة عليه بمستوى دقته وحجم أهميته.
يوجد في لسان العرب نوعان من الإستعمال، نوع يُطلق عليه الإستعمال الحقيقي، ونوع يطلق عليه الإستعمال المجازي، ولا بد لطالب المعرفة من معرفة هذين النوعين اللذين طالما استعملهما المعصومون في خطاباتهم للبشر، فلا يمكن حمل جميع كلامهم على معنى واحد أو حصره في استعمال واحد لأن الإستعمال المجازي مشروع في لغة العرب، بل في القرآن الكريم أيضاً مثل قوله تعالى(وجاء ربك والملك صفاً صفاً)
فالإستعمال الحقيقي كما لو أخبرت الناس بأنك رأيت أسداً وأنت تقصد الحيوان المفترس ملكَ الغابة، وأما الإستعمال المجازي فهو كأن تخبر الناس بأنك رأيت أسداً وأنت تقصد غير المعنى الحقيقي بل تقصد أنك رأيت رجلاً شجاعاً حيث يمكن مجازاً أن تعبّر عن الشجاع بالأسد لوجود مشابهة بينهما وهي القوة، والقرآن الكريم مليء بمثل هذه الإستعمالات وكذا كلام النبي وآله(ص) ومن هنا يجب البحث في كلامهم ودراسة القرائن الخاصة لندرك أنهم أرادوا المعنى الحقيقي أم المعنى المجازي.
فلكي نفهم معنى قوله(ص): إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته: فعلينا أن ندرك جواز التعبير عن النتيجة بالمقدمة والتعبير عن الغاية بالوسيلة أو العكس، ولهذا الإستعمال مثال في القرآن الكريم هو قوله سبحانه(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقد عبّر هنا بالنتيجة مباشرة وهي العبادة بعد المعرفة الصحيحة حيث أن الإنسان عندما يعرف ربه حق المعرفة فلا بد وأن يعبده حق العبادة.
هناك مثل آخر يوضح لنا المراد من حديث الرسول(ص) وهو أنه قد يقوم شخص إلى مكان الوضوء ليتوضأ فتسأله قائلاً ماذا تريد أن تفعل فيقول لك أريد أن أصلي، فعبّر عن الغاية من الوضوء دون العروج على ذكره لأنه مقدمة للصلاة، ويصح التعبير عن الغاية بالمقدمة وكذا العكس، وكذا يصح أن تقول عن الذي يموت بأنه قامت قيامته لأن موته هو المدخل الأساسي لوصوله إلى القيامة الحقيقية يوم يقوم الناس لرب العالمين.
فيكون استعمال لفظ القيامة هنا استعمالاً مجازياً ولأن الموت يسوق المرء اضطراراً إلى القيامة العامة، وبما أن النتيجة حتمية لا تتغير ولا تتبدل بحال من الأحوال وبما أن الله تعالى لا يبدل ذرة من نظامه التكويني في الحالات العادية فقد صح أن نعبّر عن موت الإنسان بالقيامة ولكنها قيامة خاصة فيه وحده حيث لم يأت وقت القيامة العامة بعد.
فالموت أول منازل الآخرة، والقبر من منازل الآخرة، والبرزخ منها أيضاً، ولكن اتفق الجميع على أن هذه المراحل ليست هي الآخرة بل مقدمات لها.
ولعله(ص) أراد أن يوسع دائرة المقام بالإشارة إلى يوم القيامة ليذكّر الإنسان بموته وقبره وبرزخه وآخرته دفعة واحدة.



