
الحلقة الأولى
تأليف : الشيخ علي فقيه
البِدَايَة
تبدأ حكايتنا من قبيلة بني يافع على ساحل البحر الأحمر، وهي أول قبيلة أُسست في تلك البقعة على يد شخص زارها برفقة زوجته واسمه(يافع بن إدريس) قدم من إحدى مُدن اليمن بهدف التجارة فوجد تلك البقعة ذات الماء العذب والخُضرة البهيجة فاستحب التخييم فيها لأيام ريثما يُكمل سفره باتجاه هدفه الذي لم يكن محدداً.
نصب خيمة في موضع قريب من البحر بالقرب من نبع ماء عذب لم يقع في طريق القوافل من قبل، فأُصيبت زوجته بالحمى ولم يكن معه العقار اللازم، وارتفعت حرارتها بشكل غير اعتيادي وفارقت الحياة، فدفنها هناك، ومن حينها قرر البقاء في تلك البقعة ولم يفرقها أبداً إلى أن بدأت القوافل تمر من هناك عن طريق الصُدفة، فتزوّج إحدى الفتيات التي أتت مع بعض القوافل التجارية، وأنجب منها العديد من الأولاد ذكوراً وإناثاً، وهكذا بدأوا بالتكاثر حتى أصبحت قبيلته من أكبر القبائل في المنطقة وأهمها، ومنذ ذلك الحين سُميت بقبيلة بني يافع نسبةً لمؤسسها، وقد أصبحت مركزاً مهماً للقوافل يأتيها المسافرون من كل مكان.
أَبْطَالُ القِصة
لكي تكون القصة شيّقة ونافعة كان لا بُدّ من وَضْع هدف لها مع مقدمة ونهاية لتكتمل العبرة منها، ولا بدّ من تحديد أبطال تدور أحداثها حولهم، ومن دون ذلك تصبح القصة متناثرة المواضع قد لا يُستفاد منها شيء.
أما أبطال قصتنا هذه فهم ثلاثة من شباب تلك القبيلة معروفون فيها ومحبوبون لدى أهلها وهم(يافع وباسم وبسام) وهم في مقتبَل العمر، وكان أهل قبيلة نافع يعتمدون عليهم في العديد من الإنجازات بحيث أصبح من الصعب جداً أن تستمر حياة القبيلة بدونهم.
ولكنّ طموحاتهم في الحياة كانت كبيرة مثل العديد من الشبّان، وكان عنفوان الشباب يتملّك بهم، وكانوا متمسكين بأرض أجدادهم لا يفارقونها أبداً رغم حبهم لاكتشاف ما حولهم، وكان تراب وطنهم في نظرهم أغلى من كنوز الأرض، وقد أسسوا حديقة ورود وسط قبيلتهم كانوا يُطلقون عليها اسم(جنّة القبيلة) ورغم كل ذلك كان الشباب الثلاثة ينتظرون الفرصة المناسبة للخروج من الوطن بهدف اكتشاف ما حولهم من مُدن زاهرة وفنونٍ نافعة كي يتعلموا منها وينفعوا بها أهل قبيلتهم.
وكانوا يعتاشون من زراعة المحاصيل الجيدة، ورعي المواشي وصيد السمك، وكانت أرزاقهم وفيرة وأراضيهم خصبة ومضاربهم واسعة وحياتهم سعيدة بعيدة عن المشاكل والهموم، بل بعيدة عن مساوئ التمدّن.
وذات يومٍ قدمت إلى قبيلتهم قافلة كبيرة آتية من بلاد بعيدة فاستقبلوهم واستضافوهم، وكان من بينهم رحّالة جال معظم بلاد العالَم براً وبحراً.
وكان لشبابنا طموحات كثيرة، ومن طموحاتهم اكتشاف ما يحيط بهم من مدن وقرى بعيدة ومعرفة التقاليد والعادات والفنون والتاريخ والجعرافيا، وكانوا غافلين عم مسألة اكتشاف الجُزر إلى أن اجتمعوا مع ذلك الرحالة الذي حدّثهم عما اكتشفه في أسفاره، وخصوصاً في أسفاره عبر البحر وزيارته للعديد من الجزر الكبيرة والصغيرة، وهنا تفاجأ الشباب عندما سمعوا عن الجزر التي لم تخطر ببالهم يوماً، فسألوه عن كيفية الجزر وماذا يوجد فيها وما الذي يحيط بها فأخبرهم عن كل ما سألوه، ثم سألوه عن أقرب جزيرة منهم فأخبرهم بأنّ اقربها يبعد عنهم سفر شهر في السفينة السريعة، وهنا أخذتهم الدهشة من تلك المسافة لأنهم لم يكونوا يعلمون بأن مساحة البحر أكبر من مساحة اليابسة.
وقد رأى فيهم روح الرّحالة، ولهذا شجّعهم على السفر والإكتشاف مبيناً لهم إيجابية ذلك على حياة قبيلتهم ومستقبلها، فإذا كنتم تحبون قبيلتكم إلى هذا الحد فاخرجوا وابحثوا عن المجهول واكتشفوا العالَم الخارجي لتفهموا معنى الحياة أكثر.
ومنذ ذلك الحين عزموا على السفر في البحر، وأول ما نووا معرفته هو تلك الجزيرة التي حدّثهم الرحالة عنها، ولم يكن بمقدور أحد أن يصدّ عزمهم أو يقف في طريقهم حتى آباؤهم وأمهاتهم وجميع أقاربهم.
وهذا الرحالة حدّثهم عن محاسن السفر ومنافعه، وتعمّد أن لا يحدّثهم عن مخاطره ومخاوفه كيلا يغيّروا رأيهم، لأنه يريدهم أن يخرجوا ويتعلموا ما قد تعلّمه هو في أسفاره وتجواله وترحاله.

