خَلْقُ السّموات والأرض(البحث الثالث عشر)

خُلُوْدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ
قال ربنا سبحانه(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ){هود106/108}
لقد اعتاد كثير من الناس على طرح الإشكالات في العديد من المسائل في مختلف المجالات وجميع المواد العلمية على اختلاف أنواعها، فبعضهم يُشكِل ليتعلّم، والبعض منهم يفعل ذلك من أجل وضع العراقيل وسدّ الأبواب وخلق الشكوك تجاه هذه المسألة أو تلك، وهذا أسلوب شيطاني من الدرجة الأولى.
فهناك مواد أو مسائل يُشكَل عليها لأنها محلُّ ذلك، وهناك مسائل لا يمكن أن نعارضها بشكل من الأشكال، وهي المسائل الإلهية الثابتة ككلامه تعالى في القرآن الكريم الذي لا مجال للشك فيه حيث لا يعزب عن الله عز وجل مثقال ذرة في السموات والأرض، ولا يحق لأي إنسان بالغاً ما بلغ من العلم والفهم والإدراك(إن كان من أهل هذه الصفات) أن يعترض على آية أو فقرة منها أو حتى على حرفٍ أو حركة، فلقد حاول مَن كان أعرف منا باللغة والفصاحة والبلاغة أن يقفوا في طريق القرآن ويُظهروا بأنه كلام بشر فخابت ظنونهم عندما عجزوا عن الإتيان بمثله أولاً وعن الإتيان بعشر سور ثانياً، وعن الإتيان بسورة واحدة ثالثاً حيث تقصر العقول عن ذلك، وفي هذا الشأن العظيم قال تعالى في سورة الإسراء(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) وفي سورة هود(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) وفي سورة البقرة(وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
إن المشكلة الحقيقية ليست في كتاب الله العظيم، بل هي في النفوس المريضة والعقول القاصرة عن إدراك الكثير من الحقائق العلمية والعقائدية، والمشكلة الأكبر هو أن العديد من هؤلاء أرادوا الوقوف في وجه الله تعالى فتحداهم وأظهر للناس افتراءهم على الحق.
هؤلاء ليسوا مجانين، لأننا لو اتهمناهم بذلك لأسقطنا التكليف عنهم ورفعنا المسؤولية عن كاهلهم، فهم في الواقع أصحاب عقول لا خلل فيها تكويناً وهي قادرة على الوصول إلى الحق بأبسط الطرق، ولكنهم لا يريدون ذلك بسبب العناد الذي كان وما زال أخطر أنواع الأمراض القلبية والنفسية، والذي كان وما زال السيف الذي يضرب به الشيطان الرجيم.
ونحن بدورنا قد نكرر كلاماً أو نستخدم فكرة أو نستعمل عبارة وردت في بحث سابق ويكون لهذا التكرار منفعة على خلاف بعض مراحل التكرار الخالية من الفائدة بل المسببة للضرر في الكثير من الأحيان، فإذا حصل التكرار ولم يكن من ورائه فائدة كان ذلك لغواً ومضيعةً للوقت ولا يرجع منه سوى النفور.
وإنني ممن يجتنبون التكرارات إلا إذا حملت معها فائدة معقولة كتلك التكرارات الإلهية التي استعملها الله عز وجل في كتابه المنير إذ يجب علينا كمؤمنين أن نتعلّم من القرآن كلَّ ما بوسعنا من مفاهيمه ومعانيه وأبعاده وأساليبه في التعبير عن المراد، وطرقه في تصوير الأحداث ونقل الوقائع لأنه كتاب الكمال والرشاد والهداية والعلم وجميع خصال الخير.
أيها القراء الأعزاء.. لا ينبغي أن نمل من المطالعة لأي نوع من أنواع العلم، بل حتى تلك العلوم المنفِّرة لأنها قد تضيء أمامنا طرق الحق، فهناك الكثير من القرّاء وصلوا إلى الحقيقة من خلال مطالعة الكتب المليئة بالكذب والإفتراء، فكيف بنا إذا طالعنا كتب الحق التي تعتمد على كتاب الله وكلام المعصومين(ع).
والبحث هنا يدور حول ثلاث آيات وردت في سورة هود، والتي يمكن أن يستعملها المعادون للإسلام سلاحاً ضده عبر وسائل التضليل التي يستعملونها دائماً للفصل بين الحق وأهله، هؤلاء يريدون أن ينقضوا بوسائلهم الشيطانية وأفكارهم الهدّامة ونظرياتهم الفاسدة بعضَ النظريات القرآنية الثابتة، وهذا ما لا يسمح به القرآن ولا أهل الإيمان.
قال تعالى(خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ) وقد تكررت هذه الفقرة في آيتين متتاليتين هما الآية 107 والآية 108 من سورة هود.
وفي سورة الرعد قال سبحانه(اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى)
وفي سورة الروم(أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى)
فهنا نوعان من الآيات، نوع يتحدث عن خلود السموات والأرض، ونوع يصرّح بأن لهما أجل مسمى عند الله تعالى، فهل هناك تعارُض بين هذين النوعين؟ وهل أن النوع الثاني نسخ النوع الأول أو العكس؟
صحيح أنّ الله تعالى قد ذَكَر لهما أجلاً مسمى، ولكن حلول أجلهما لا يعني زوالهما، وبعبارة أخرى: إن حلول أجل السموات والأرض يشبه حلول أجل الإنسان، فإن الإنسان يموت، ولكنه لا يزول من الوجود بل ينتقل من مرحلة إلى مرحلة، ومن نظام الدنيا إلى نظام الآخرة، وهكذا حال السموات والأرض فإن الأجل المسمى لهما هو تبدّل أنظمتهما حيث أخبرنا القرآن بذلك فقال سبحانه(يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) ولم يخبرنا تعالى عن زوالهما لأنهما وبحسب النوع الأول خالدتان.
ونحن بدورنا نفهم معنى الخلود بأنه الأمر الأبدي الدائم الذي لا يزول، ولكن مردّ هذه الأبدية يعود إلى الله تعالى الذي يتصرف بخلقه كما يشاء، ولكننا نجزم بأبديتهما لأن الخالق سبحانه قد أخبرنا بهذا الأمر، وبناءاً عليه يكون الأجل المسمى واقعاً على أنظمة السموات والأرض وماحياً للحياة فيهما وجاعلاً لهما أنظمة أخروية تختلف عن أنظمة هذه الدنيا بكثير من الأمور والأحوال، ثم إن هناك بحثاً عقائدياً أشير له بالعنوان فقط لأنه خارج عن موضوع البحث، وهو أن أبدية الخالق هل تختلف عن أبدية المخلوق؟
ولو فرضنا هنا بأن السماء الدنيا والأرض الدنيا قد زالتا فلا بد أن يكون هناك سماء وأرضٌ للآخرة هما الدائمتان، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم عندما حدثنا عن أهل الجنة بقوله سبحانه في سورة الزمر(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)



