دروس في الوعظ والإرشاد الدرس الثالث

الدرس الثالث
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ
عندما يصف الله تبارك وتعالى كتابه العزيز بأنه كتاب هداية وإرشاد وبيانٍ للحلال والحرام فهذا يعني أنه كتاب الموعظة الأول، لأن الغاية من الموعظة هي دعوة الإنسان إلى الصراط المستقيم.
وقد فصل القرآن نفسه بين خصوص الموعظة وباقي المسائل، ففي بعض سوره يدعو إلى الإيمان ويبيّن الأحكام، وفي بعضها يذكر لنا عبراً كثيرة بطريقة وعظية مئة بالمئة لعلمه تعالى بأثر هذا الأسلوب على تحريك فطرة الإنسان.
ومواعظ الكتاب العزيز كثيرة جداً، وإن جميع المواعظ التي سوف نلقي الضوء عليها في هذا الكتاب فسوف يكون المنطلَق الأساسي لها هو القرآن الكريم الذي اعتنى بالموعظة نظراً لأهميتها في مراحل الحياة الإيمانية على وجه الخصوص.
قال الله تبارك وتعالى في سورة يس:
(وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ * وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ)
تدعونا هذه الموعظة القرآنية الجليلة والجميلة إلى السعي الجدي لتطبيق الإيمان الذي جاء به الرسل والأنبياء(ع) حيث بيّنوا للناس أنّ الله سبحانه وتعالى لم يخلقهم سدى، ولم يوجدهم عن عبث، بل أوجدهم لغاية كبيرة، وهي المعرفة التي يتبعها عملٌ صالح، ويتبع هذا العمل نتيجةٌ مرضية للعامل، وهي نيل الرحمة والرضوان، وهما أكبر من جنان الله تعالى.
وقد ذكر المفسرون الكرام بأنّ هذا الرجل الذي جاء يسعى للخير ويدعو الكفار إلى الإيمان هو حبيب النجار، وأياً يكن اسمه أو هويته فإن العبرة في ذات الكلام النابع من طيب السريرة.
فلقد أتى هذا الرجل إلى قومه، ودعاهم إلى الإيمان بما جاء به الأنبياء(ع) من عند ربهم، وأن ما جاؤوا به إنما هو الحق الذي يعقبه راحة أبدية وسعادة سرمدية في ظل الرحمة الإلهية.
وقد بيّن لهم بأن الرسل لا يريدون منكم مالاً ولا جاهاً ولا أي نوع من أنواع الأجر، لأن أجورهم هي عند الله تعالى، وقد كثر الخطاب القرآني المثبت لهذه الحقيقة.
فلدى حديثه عن نبي الله نوح(ع) قال تعالى(وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ) وفي حديثه عن هود(ع) قال سبحانه(يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) وفي حديثه عن صالح(ع) قال عز وجل(وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)
أيها الناس اتبعوا المرسلين الذين لا يريدون منكم شيئاً مما يريده الملوك منكم، إن الأنبياء يريدون لكم الخير في الدنيا والآخرة، وهم يرشدونكم إلى ما فيه صلاحكم وفلاحكم ونجاحكم من دون أية خلفية نفعية.
ثم بيّن لهم هذا العبد الصالح حقيقة هامة موجودة في فطرتهم ولكنهم قد غفلوا عنها بسبب انغماسهم في شهوات الحياة حيث قال لهم(وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
وفي هذه الفقرة التي صاغها القرآن المجيد بأسلوبه الرائع يبين لهم أحد أعظم أسس العقيدة، وهي أن الله تعالى هو فاطر الخلق وموجدهم من العدم، وإذا حاول المعاند أن يراوغ في هذه العقيدة فإنه سيكون ظاهره غير باطنه قطعاً لأنه سوف يرفض هذا المبدأ بلسانه دون قلبه لأنه مفطور على هذه العقيدة تكويناً، لإغذا أنكر هذه الحقيقة فقد أنكر موضوعاً تكوينياً لا ينكره إلا المعاند الذي يعرف الحقيقة وينحرف عنها.
كيف لي أن أنكر عبادة مَن فطرني، فهو مَن له حق الطاعة على عبيده، والذي يعبد غير الله أو يشرك أحداً غيره في عبادته فقد عمل على غير طبيعته، وقد كشف لنا القرآن الكريم آثار وعمل تلك القوة المودعة في بني البشر من دون استثناء والتي تتحكم بهم بإرادتهم أو عدم إرادتهم حيث يقول(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)
ثم بيّن لهم العبد الصالح بأن عبادة الأوثان شرك تضر الإنسان ولا تنفعه، والأوثان لا تضر ولا تنفع لأنها مخلوقات جامدة حقيرة قد صورتها يد الإنسان(أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)
إذا تخليتُ عن عبادة الخالق الكبير وتوجهتُ إلى عبادة تلك المصنوعات فأنا في ضلال مبين ظاهر لا يخفى على أحد، وسوف يحاسبني الله عز وجل على هذا الإنحراف الذي كانت عاقبته سيئة ونتيجته وخيمة لأنها الخلود في نار جهنم، وما أدراك ما نار جهنم، إنها كما وصفها الله تعالى بقوله(كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى) وقوله(إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)
ثم أعلن هذا العبد الصالح إيمانه بالله تعالى على الملأ مهما كانت العاقبة عندهم كبيرة وردة فعلهم شديدة لأنه عرف الحق واهتدى إلى سبل الخير(إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)
فلم يقل(ربي) بل قال(ربكم) ليلقي الحجة عليهم بأنني يجب عليّ أن أعبد من يجب عليكم أن تعبدوه دون غيره، ولكنه لم يجد من يسمع أو يتعظ فكانت النتيجة أن غضب الله عليهم وأعد لهم عذاباً أليماً لا يخفف عنهم العذاب ولا يجدون لأنفسهم شفيعاً في ذلك الموقف الرهيب، فكانت نتيجة أمرهم كما قال الله تعالى(وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
وكانت نتيجة إيمان العبد الصالح بما جاء به الأنبياء(ع) من عند ربهم بأن أنعم الله عليه بدخول الجنة، فتحسر هذا العبد الصالح على انحراف قومه الذين خسروا هذا النعيم المقيم الذي أعده رب العالمين لعباده المؤمنين(قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ)



