قِصَّةُ مُرَاوَدَةِ زُلَيْخَا لِيُوسُفَ الصِّدّيق

قِصَّةُ مُرَاوَدَةِ زُلَيْخَا لِيُوسُفَ الصِّدّيق
(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)
عندما راودته عن نفسها استعصم، وآثر السجن على الوقوع في المعصية(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) إنها زُليخا زوجة العزيز التي شغفها حبُّ يوسف الذي كان من المفروض أن تعامله كولدٍ لها، ولكن الشيطان وسوس لها لتوقع بيوسف في الحرام، فكان إيمانه أقوى من سطوة إبليس، ولكي ندرك تفاصيل القصة سوف نذكرها لكم كما وردت في سورة يوسف مع شرحٍ مختصر لبعض الكلمات حتى نخرج من هذه القصة بالعبرة المطلوبة.
يوماً بعد يوم كان حبُّ يوسف يأسر قلبها، وكان من أجمل الناس على الإطلاق، وقد ورد بأنّ الجمال انقسم نصفين، نصفٌ وُضع في يوسف، ونصفٌ في باقي الناس.
وكانت زليخا ذا مال وجاه وجمال تأمر فتُطاع ولا يرفض أحد لها طلباً، وكان العزيز مشغولاً بإدارة شؤون البلاد فأهمل قصره وإدارة شؤون أسرته، فراحت تهدف إلى ما تريد دون قيد أو شرط وتتحايل على يوسف لتغريه وتوقعه في حبها فلم يعبأ بها لأنه كان مشغولاً بربه فقط.
وما يلفت الإنتباه في الآية الكريمة هو التعبير الخاص الذي أضفى رونقاً جميلاً على تركيب الجملة، فإن الله سبحانه لم يقل(وراودته امرأة العزيز) أو(راودته زليخا) أو ما شابهها من جُمل عادية، ولكنه قال(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا) وهنا يكمن السر في إعجاز هذا الكتاب المُنير.
والمراودة هي طلب شيء لا يريده الطرف الآخرة، بل هو طلبٌ يأتي بطريق الملاطفة وليس بالقوة.
فلقد استغلت زليخا غياب زوجها عن القصر وأبعدتْ بعض الخدم وراحت تغلق أبواب الغرف كيلا يتمكن يوسف من الهرب أو كيلا يدخل عليها أحد فيقطع رغبتها.
ولعلها كانت بهذا العمل تحاول أن ترغّب يوسف بها وتلقي الإطمئنان في نفسه من أنه لا يستطيع أحد أن يدخل عليهما أو يقطع خلوتهما، ولكنه كان يعلم بأن الله تعالى معهما، ولعلها كانت تراوده عن نفسه أكثر من مرة، ولكنّ هذه المرة كانت غير كل مرة لأنها كانت عازمة على فعل ما تريد، وقد أنساها الشيطان عواقب هذه الإساءة لنفسها وسمعة زوجها فضلاً عن كونها إساءة لربها.
وهنا اعترفت ليوسف بشغفها وحبها له، وراحت تغريه وتمنّيه وهو لا يكترث لها، فقد توجّه إلى الله بالدعاء أن يصرف عنه السوء كيلا يصبو إليها فيكون من الخاسرين.
(وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ)
بمعنى هلُمَّ إليَّ، أو تهيّأتُ لك، فهيا نفّذ ما أريد لأن الجو مناسب ولن يرانا أحد، مع أنّ الله يسمع ويرى، ولا فرق عنده بين السر والعَلَن فهو يعلم السرّ وما أخفى.
(قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)
عندما لم يجد لنفسه مهرباً من سيطرة الشيطان على تلك المرأة راح يعظها ويحذّرها مبيّناً لها عظمة آثار الخيانة، فلا يجوز أن نصنع ذلك.
وقد اختلف المفسرون في معنى كلمة(رَبِّي) فقد ذهب بعضهم إلى أن المقصود بها هو رب القصر أي عزيز مصر، ويجوز استعمال هذا اللفظ للدلالة على غير الله تعالى كرب الأسرة ورب البلدة، وقد استُعمل هذا اللفظ في سورة يوسف أربع مرات وكان المراد بها غير رب العالمين كما في قوله(اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك) أي عند الملك بعد أن تخرج من السجن.
فقد كان استعمالها في تلك المواضع واضح الدلالة لوجود قرائن تصرف الذهن عن المعنى الخاص، ولفظ الرب هو من الألفاظ المشتركة التي يصح استعمالها وإرادة أكثر من معنى بها.
فمنهم مَن قال إن المراد بها في هذه الآية هو الله سبحانه وذلك لعَود الضمير في(إنه) على كلمة ربي التي أتت بعد قوله(معاذَ الله) ولا شك بأن الله تعالى قد أحسن مثوى يوسف وكرّمه ومنّ عليه بالعلم والنبوّة(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا)
ومنهم مَن ذهب إلى أنّ المراد بها هو عزيز مصر الذي كرّم يوسف وأحسن مثواه وعامله بكل لطف، وقد قال الله في ذلك(وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)
ولعل الأكثرين ذهبوا إلى المعنى الثاني لوجود قرائن منفصلة تصرف الذهن إلى معنى عزيز مصر، وأن يوسف يريد أن يبادل إكرامه له بالإحسان إليه وحفظ عرضه وصيانة كرامته.
ثم يتابع القرآن الكريم حديثه عن تلك المراودة فيقول(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)
لقد جرتْ نقاشاتٌ طويلة حول المراد من هذه الآية الكريمة، وقد اختلف المفسرون في معنى الهمّ من طرف يوسف(ع)، أما أنها همّت به فقد دعته ليقضي بها وطراً، وهذا معلومٌ لدينا منذ البداية، وأما همّه بها فكان محل خلافٍ بين المفسرين ولكنّ يوسف(ع) إنسان معصومٌ عن الخطأ، وبرهان الله الذي رآه إنما هو مستقرٌ في قلبه وروحه من الأساس، ولهذا قال بعضهم إن يوسف(ع) كاد يقع لولا أن رأى برهان ربه.
ورأى بعض المفسرين بأن يوسف همّ بالوقوع في الخطأ ولكنه لم يقع بسبب إيمانه العميق، ولو أردنا أن ندخل في هذا الموضوع لما خرجنا منه إلا بالعديد من البحوث، وفي مقدمتها بحث العِصمة وحقيقتها في الأنبياء، وهل أن المعصوم تنسلخ منه الشهوات أو أنها موجودة فيه ولكنه يمتنع بقوة العصمة.
وخلاصة تلك النقاشات أنها دفعت به إليها، ودفعها عنه بتوفيق وتسديد من الله تعالى، وهذا ما دلت عليه الآية الآتية التي تتحدث عن دليل براءته، وهو أنّ قميصه قُدّ من الخلف، وهذا يعني أنه كان يهرب منها وهي تشده إليها.
ومن هنا يترجّح القول بأن يوسف لم تسوّل له نفسه الخطأ رغم أنه كان قريباً منه والظروف كلها كانت مهيأة له، ولكنه استعصم.
وهذا ما اعترفت به زليخا في نهاية المطاف وأنها لم تر منه أي تجاوب للوقوع في الخطيئة، وهذا ما أثار غضبها أكثر فلقد نظرت إلى الأمر من زاوية ضيّقة جداً وظنّت بأن يوسف قد امتنع عنها لأنها قبيحة الشكل أو ما شاكل ذلك من الأوهام التي تطرأ على عقول بعض النساء، بينما كان يوسف(ع) غارقاً في نور الإيمان والعصمة(أنا راودتُّهُ عَنْ نَفْسِه فاستَعْصَم)
وهذا دليلٌ واضح على براءته.



