
حَقِيْقَةُ الكَوْن وَالإِنْفِجَارُ الهَائِل
قد يتمسك البعض من الناس بمعتقدات أو نظريات يحسبونها منتهى الحق فهي في نظرهم لا تتغير ولا تتبدل ولا يمكن لأحد أن ينقضها، بل وأكثر من ذلك فهم غير مستعدين لسماع أي نقض حولها إما لأنهم يحرّمون ذلك أو لأنهم يخافون من انكشاف الحقيقة التي تعني الدمار الشامل لهم.
وإن بعض النظريات العلمية القديمة والحديثة قد تنسجم كلياً أو جزئياً مع كل أو بعض النظريات الإسلامية إذ لا مانع عقلي ولا محظور شرعي من هذا التلاقي أو الإتفاق بين النظرتين الدينية والعلمية لأن الدين(بحسب اعتقادنا) هو العلم، ولكن ليس أي علم، بل هو العلم الصحيح الذي لا خلل فيه ولا نقص.
فتلك النظريات العلمية قد تتفق مع المبادئ الدينية في شأن هذا الكون من حيث أساس إيجاده وكيفية تكوُّنه رغم كثرة المخلوقات التي يضمها هذا المخلوق الكبير من مجرات وكواكب ومخلوقات أخرى ذات أعداد كبيرة واشكال مختلفة ووظائف متعددة.
إذاً هناك نظريات علمية قديمة وحديثة تتفق كلاً أو بعضاً مع النظرة القرآنية لخلق الكون، وهناك في الجهة الأخرى يوجد نظريات حديثة وقديمة(ولا أقول علمية لأنها قائمة على الكره والضلال) تتباين كلياً مع النظرة القرآنية في هذا الشأن وخصوصاً تلك النظريات التي خكمتها المادة الصماء العمياء من دون أن ينظر أصحاب تلك النظريات إلى ما وراء المادة، تلك الماورائيات هي التي خلقت المادة وحرّكتها ونظّمتها وجعلتها بتلك الكيفيات الهندسية الرائعة التي يعجز الخلق عن تنظيم ذرة منها أو إبداع جزء صغير مثلها، فهؤلاء نظروا إلى المادة وغضوا الطرف عن الجهة التي لاءمت بين مخلوق وآخر رغم المباينة بينهما بالشكل والحجم والقرب والبُعد، فهذا التقريب بين تلك المخلوقات المتغايرة من جهات عديدة هو الكفيل بزرع نبتة الإيمان في القلوب وإلقاء النور في العقول تجاه الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء.
يوجد في هذا الكون مخلوقات لا تُعد ولا تُحصى، وبعضها يبعد عن الآخر ملايين السنوات الضوئية ومع ذلك فإن له صلة بالبعيد عنه، فلقد قرّبت تلك القدرة اللامتناهية بينها من حيث النظام الذي فرضته على الجميع، يوجد في الكون ملائكة وجن وبشر وحيوانات ونباتات وماء عذب وماء مالح ونيران ملتهبة ونجوم وشموس وأقمار ومجرات وسدم ونيازك ورمل وحصى وصخر وحديد وذهب وأحجار كريمة ورياح وأغلفة جوية ومخلوقات برية وبحرية وذرات لا يعلم وظائفها وأعدادها إلا خالقها سبحانه، ولعل علياً(ع) أشار إلى هذا التلاؤم بين المخلوقات بقوله”فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا، وَنَهَجَ حُدُودَهَا، وَلاَءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا، وَوَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا، وَفَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَات فِي الْحُدُودِ وَ الْأَقْدَارِ، وَالْغرَائِزِ وَالْهَيْئَاتِ، بَدَايَا خَلاَئِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا، وَفَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَابْتَدَعَهَا”
وفي ذلك قال تعالى(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا){الفرقان/2} وقال سبحانه(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ){القمر/49}
جاء في بعض الأبحاث ما يلي:
” قد يتبادر للذهن سؤال: هو هل للكون مركز معين؟ ولكن الاجابة عليه ببساطة شديدة، هي: ليس هناك مركز للكون لأنه ليس هناك حافة للكون، في كون محدود الفضاء مقوس بحيث انك اذا تمكنت من السفر عبر الكون وأن تجتاز بلايين البلايين من السنوات الضوئية في خط مستقيم سوف تنهي رحلتك من حيث بدأت، ومن المحتمل أيضاً أن كوننا هذا لانهائي، في كلا المثالين، تملأ مجموعات المجرات الكون بالكامل وتتحرك على حدة في جميع الاتجاهات تجعل الكون في توسع مهيب ودائم.
فطبقا للنظريات الفلكية، الكون بدأ مع الانفجار العظيم قبل حوالي 14 ألف مليون سنة ومنذ ذلك الوقت وهو في توسع وإزدياد، ورغم ذلك ليس هناك مركز لهذا التوسع، فهو نفسه في كل مكان. ولا يمكنا أن نتخيل الانفجار العظيم كإنفجار عادي كما نعرفه. فالكون لا يتوسع إنطلاقا من مركز معين أو نقطة محددة في السماء، بالأحرى، أن الكون بكامله يتوسع وهو كذلك في أي مكان من السماء.
في الإنفجار التقليدي، تتوسع المادة للخارج بداء من نقطة مركزية. أي بعد لحظات قصيرة من بدأ الإنفجار، والمركز سيكون هو النقطة الأسخن، ولاحقاً سيكون هناك غلاف كروي من المادة يتوسع مبتعداً عن المركز حتى تتمكن جاذبية الارض أن تعيده إلى الأرض ثانية. الانفجار العظيم – حسب ما نفهمه – لم يكن إنفجاراً مثل هذا مطلقا، لقد كان إنفجاراً للفضاء، وليس إنفجارا في الفضاء. فطبقا لمداركنا ونظرياتنا لم يكن هناك فضاء ولا زمن قبل الانفجار العظيم، بل لم يكن هناك “قبل” للكلام عنه، لذا فالإنفجار العظيم كان مختلفاً جداً عن أي إنفجار نعرفه وليس بحاجة إلى أن يكون له نقطة مركزية”
وهنا نوافق هذه النظرية بكل ما ورد فيها لأنها نظرية علمية دينية لم تخرج عن الحدود المرسومة لإجراء البحوث، إلا في قولهم بأن هذا الكون لا نهاية له، وقد عرفنا بأن كل مخلوق من المخلوقات له حدود ونهاية، إلا إذا كان المقصود بقولهم(لا نهاية له) أنه في حالة اتساع مستمر فهنا لا يبقى بيننا وبينهم أي خلاف فيما ورد هنا.
ونحن بدورنا لكي نحصر المطلوب في جهة واضحة ونصل إلى المراد من أسهل وأوضح طرقه وجب علينا هنا البحث في أكثر من نقطة:
النقطة الأولى: وهي أن هناك مخلوقاً عظيماً تدور حوله أبحاث العلماء على اختلاف اختصاصاتهم وهو الكون الذي يهتم به كل إنسان وإن لم يكن له دور علمي أو حظ بالمعرفة لأن الجميع يرون بأنهم جزء من هذا المخلوق المعجزة.
النقطة الثانية: وهي أنه عندما تدور الأبحاث حول شيء معيَّن فلا ينبغي أن يغيب عن هذا الشيء خالقه وصانعه الذي هو الأساس بل هو المحور الأساسي لكل شيء في هذا الوجود، فإذا أهملنا في عملية بحثنا مسألة الصانع أو لم نجعلها عنواناً بارزاً من عناوين بحثنا فقد أطحنا بالبحث من أساسه لأن عملية الحذف هذه لأهم شيء في الوجود يعني في العقل والعلم إلغاء الجوهر وإعدام المعنى وإهدار الفحوى.
النقطة الثالثة: وهي تحديد هذا الشيء الذي يدور البحث حوله، وهذا الشيء في بحثنا هو ذلك الكون الرهيب الذي يعني كل شيء لأهله سواء كانوا مؤمنين أو غير ذلك، ولا أعني بأنه يعني كل شيء أنه هو الأساس في الوجود بل المعنى أنه موضع الآيات الدالة على الخالق سبحانه والمظهرة لقدرته المطلقة التي لا تحدها أية حدود، فمن شك في هذا الشيء أو أنكره فقد أنكر نفسه، بل أنكر الحياة من أساسها لأن الكون هو ظرف الحياة بالنسبة إلينا، وهو موضع اختبار البشر بل هو الممر إلى عالَم الآخرة بغض النظر عن كون الحساب والجنة والنار هم من هذا الكون أو من غيره، فالكون إذاً هو موضع الإمتحان وموضع الغاية التي من أجلها وُجد الوجود.
النقطة الرابعة: ولعلها أهم نقطة من سابقاتها حيث يتوقف على معرفتها إدراك عدة أمور كلها ذات شأن علمي وعقائدي، فهي تتعلق بماهية الكون وكيفية تكوُّنه، ولكي نسهّل الأمر عليكم نبحث مرحلة تكوينه في ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: وهي من أهم المسائل العقائدية التي يوقن بها المؤمنون بربهم والذين يرجون ثوابه ويخشون عقابه.
فلقد كان الله عز وجل ولا شيء دونه، وقد أوجد الخلق من العدم بقدرته الباهرة، ولم يوجده عبثاً بل لغايات باتت معلومة لكل البشر، وأود هنا أن أذكر لكم حديثاً قدسياً له علاقة بهذا الموضوع حيث ورد فيه عن الله تعالى”كنت كنزاً مَخفياً فأحببت أن أُخلق فخلقتُ الخلق”
وهذا الكون وُجد من العدم، لأنه لم يكون قبل الوجود سوى الله تعالى الذي كان قبل القَبل وسيبقى بعد البَعد، وهذا ما يجب الإقرار به من الجميع حتى تصلح عملية التخاطب مع الناس وتستقر البحوث والنقاشات العلمية المتنوعة لأن الكفر بهذا الموجود من قبل الموجد تعالى يقف حجر عثرة في طريق أي بحث علمي أو عقائدي، وهذا ما يؤمن به المسلمون والمشركون وحتى كثير من الملحدين عن طريق الفطرة التي أودعها الله فيهم حين خلقهم.
ويجب أن يكون الأمر كذلك لأن الطبع السليم والعقل النيّر يحكمان بوجود خالق للأشياء ويعتبرانه المحور الأساسي لجميع العلوم والمعارف والأبحاث، وهذه حقيقة قرآنية ومبدأ إسلامي صرّح به القرآن الكريم بطريق مباشر وغير مباشر، ففي سورة النور قال تعالى(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ) وفي سورة المجادلة(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وفي سورة ق (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) وهناك الكثير من الآيات التي تشير إلى هذا المعنى العقائدي العظيم العام، وأقول العام لأن جميع البشر مشتركون في هذه القضية وإن أنكرها كثير منهم.
المرحلة الثانية:نشير فيها إلى أن هذا الكون هل خُلق هكذا من الأساس دفعة واحدة ولم يتغير فيه شيء وهو باق على حاله حتى اليوم أم أنه كان محكوماً لبعض مراحل التكوين؟
وفي الواقع إذا استطعنا أن نفي البحث في هذه المرحلة الثانية حقه نكون قد اجتزنا مرحلة كبيرة ومسافة طويلة واختصرنا من البحوث ما نحن بالغنى عنها، وهذا ما سوف أحاول أن أقوم به إن شاء الله تعالى.
ففي البداية أنبّه إلى أمرٍ هام وهو أن بعض العبارات في بخثنا إذا فصلناها عن بعضها البعض فقد يتوهم البعض بأنها تخدم مصالح أهل المادة وتدعمهم، ولهذا ينبغي النظر في كل العبارات مرة واحدة قبل إصدار أي حكم على البحث لأن هناك مقدمات سوف أطرحها في البحث تشبه للوهلة الأولى بعض آراء الماديين إلا أنها في الواقع حربٌ عليهم ونقض لأكاذيبهم.
ولذا أقول: إن المعلوم لدى المؤمنين بجميع مستوياتهم الفكرية والعلمية، وكذا لدى غير المؤمنين من كل الفئات والمستويات أن هذا الكون عندما وُجد لم يكن كما هو اليوم بالشكل أو الحجم، ويعود هذا الإختلاف الكوني فيما بين البداية والتقدم في الزمن إلى مجموعة كبيرة من الأسباب:
السبب الأول: وهو أن القرآن الكريم يصرّح باتساع هذا الكون بشكل دائم حيث يقول تعالى في سورة الذاريات(وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) ونلاحظ بأن لسان الآية الكريمة فيه تأكيد على التوسعة، وهذا ما أكده العلم الحديث.
السبب الثاني: إن التغيرات تقع على جميع الكائنات الحية والجامدة، فالإنسان يتغير والجبال تتغير وكذلك الشجر والنبات والماء وغير ذلك من المخلوقات، وللتأكيد على وجود التغير في الكائنات قوله تعالى(الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ){يس/80} وهذا الكون في تغيّر مستمر من حيث اتساعه وحركة أجرامه ومجراته التي تسبح فيه، وهذا ما يؤكده أهل العلم الحديث بل هذا ما يتعجبون له في بعض الأحيان كانحراف القمر عن مساره في بعض الحالات وهذه مسألة علمية ثابتة، فقد يسطدم كوكبان في الفضاء فينجم عن هذا الإسطدام مخلوقات أخرى لها وظائفها الخاصة في الفضاء.
والكسوف والخسوف هما أبرز مَعلَم من معالم التغيّر في الكون إذ ليس من الطبيعي أن يفصل القمر بين الأرض والشمس فيحصل من خلاله خسوف للقمر أو تفصل الأرض بين القمر والشمس فيحصل كسوف لها.
وكذا دوران الشمس اليومي فهو في الواقع تغيير للشمس من حيث حجمها لأنها في حالة نقصان مستمر.
وكذا الخلل الحاصل اليوم في طبقة(الأوزون) والتي تتسبب بالعديد من الكوارث في الأرض، ولا ندري إن كانت تسبب ذلك في الفضاء أيضاً.
وكذا الكوارث الكونية التي يعرف العلماء بعضها ويجهلون الكثير منها فليس لها معنى سوى التغير، وهذا الأمر لم يبدأ حديثاً بل هو أمر قديم جداً لعله لازم الإنفجار العظيم بحسب تعبير العلماء.
وكذا التغيرات التي تطرأ على الأرض، والأرض جزء من هذا الكون، ولا يقر أحد بأن هذه الأرض ما زالت على حالها.
وكذلك المخلوقات السماوية التي تقترب من الأرض في كل فترة كاقتراب المريخ منذ سنوات قليلة وظهور بعض الكواكب الأخرى التي لم يسمع الناس بظهورها من قبل.
وهناك مئات الشواهد الدالة على التغير المستمر في الكون فضلاً عن عملية توسعه الدائمة والتي يجهل الناس وقتها وحجمها.
السبب الثالث: من المرحلة الثانية: وهو من أهم الأدلة على أن الكون لم يبق على حاله وإنما خُلق وكان له شكل معيّن ثم بأمر من الله تعالى حصل التغيّر الذي ما زال قائماً والذي نجم عنه المجرات والأنظمة الكونية المعلومة لدينا والمجهولة، وهو قوله تعالى في سورة الأنبياء(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ){الأنبياء30/33}
والشاهد على بحثنا في هذه الآيات هو الآية الأولى منها ولكنني ذكرت الأخريات لما فيهن من موعظة للبشر، فالآية تنص على أن السموات والأرض كانتا رتقاً، ولعل المقصود بالسموات والأرض في الآية هو الكون، والرتق يعني القطعة الواحدة الصخرة، وقد انفجرت تلك القطعة بأمر من الله تعالى وتوسعت وانتشرت فيها كل تلك المجرات والأجرام، ولا أريد أن أطيل الشرح عند هذه النقطة بسبب وضوحها التام.
المرحلة الثالثة: هي في الواقع نقطة الخلاف بين النظرية القرآنية ونظريات كثيرين من أهل العلم الحديث، وقد أحببت أن أثير هذا الموضوع لقلة من تعرّض له رغم كونه من المسائل العقائدية بل من الأمور الدفاعية عن بعض عقائد الإسلام.
وتتمحور هذه النقطة حول موضوع الإنفجار العظيم الذي تحدثنا عنه ووافقنا أهل العلم الحديث بجانب من تلك النظرية العلمية الثابتة حيث أن القرآن الكريم قد أقرها وصرّح بها من خلال قوله تعالى(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا){الأنبياء/30} فلقد وافقناهم على أن الكون تشكّل بسبب انفجار كبير بعد أن كان قطعة واحدة، كما وأننا وافقناهم على أنه في حالة اتساع مستمرة، واستدلينا على صحة هذه النظرية بقوله تعالى(وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ){الذاريات/47} وقد برزت مؤخراً نظرية غريبة لا نرى لها خلفية سوى القضاء على مفاهيم القرآن الكريم وعقائده الثابتة والصحيحة والمؤيدة بالأدلة العقلية التي لا ينكرها إلا مكابر ومعاند، وهي نظرية عودة الكون إلى ما كان عليه قبل الإنفجار وأنه بدأ يتضيّق شيئاً فشيئاً، وهذه النظرية التي يتغنى بها كثير من الناس هي في الحقيقة من أخطر المخاطر المحدقة بعقائد الإسلام، وهذا ما يحتاج إلى إيضاح حتى تكتمل عندنا الفكرة وتظهر لنا نواياهم السيئة من خلال تبني تلك النظرية التي أعبّر عنها شخصياً بالنظرية الشيطانية الداروينية، أعني بذلك أن مصدرها(داروين) وأمثاله من شياطين الإنس.
ولكي نعي الفكرة تماماً ونرد عليها بالشكل العلمي المنطقي السليم المنسجم مع عقيدتنا وطبيعتنا وجب منا الكلام حول مجموعة من العناوين تشكّل بمجموعها إظهاراً لنواياهم الخفية على كثيرين، ورداً عليهم في نفس الوقت.
العنوان الأول: وهو فَقْدُ الدليل:
لم تثبت تلك النظرية الفاسدة لا بدليل علمي ولا بدليل عقلي ولا نقلي حيث لم يصل العلماء بعد إلى معرفة نقطة من هذا الكون، فكيف يمكن لهم أن يتجرؤوا ويطلقوا مثل تلك النظريات التي من شأنها أن تحط من مستوى أصحابه عند أهل المعرفة.
ومع متابعة أخبارهم حول تلك النظرية نلاحظ بأنهم يتنصلون من ذكر أي دليل كيلا يكون ذلك دليلاً ضدهم، والذي يعتقد بنظرياتهم تلك يمكن وصفه بالجاهل أو المغفّل الذي تمر عليه الأكاذيب بكل سهولة، فالذي يصدّق مثل هذه النظرية الفاقدة للدليل والمنطق هو كمن يصدّق بأن النقيضين يجتمعان أو أن الخطين المتوازيين يلتقيان.
العنوان الثاني: مخالفتها للقرآن الكريم:
إن القول بانحسار الإنفجار العظيم لم يخالف العلم والعقل والقرآن فقط، وإنما خالف جميع الكتب السماوية التي لم تُشر إلى هذا الأمر لا من قريب ولا من بعيد، وكل كلام لا يلتقي مع المنطق العلمي ولا ينسجم مع موازين العقل أو الشرع فهو أكاذيب حتى تثبت صحته بالدليل، وثبوت كذب تلك النظرية واضحة الدليل بخلاف ثبوت صحتها، ونحن كمسلمين عقلاء نتحدى أية جهة علمية في العالم تثبت لنا صحة تلك النظرية التي تقول بأن اتساع الكون بدأ بالإنحسار والتراجع.
العنوان الثالث: منافاتها لنظرية الخلود:
إن نظرية الخلود ليست حكراً على فئة أو طائفة أو أي أصحاب عقيدة أو كتاب سماوي فإن الجميع متفقون على أن هناك حياة خالدة بعد مفارقة الدنيا، ولكن كلٌ يفهم معنى الخلود وكيفيته ومكانه على طريقته الخاصة أو بحسب ما ورد في شريعته، ونحن كمسلمين يعنينا في الأمر ما ورد في كتاب الله العزيز، فهناك الكثير من الآيات التي تتحدث عن الحياة الخالدة إما في السعادة أو في الشقاء كقوله تعالى(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ){البقرة161/162} وقوله سبحانه في سورة آل عمران عن السعادة الخالدة لأهلها(لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)
فالقول بعودة الكون إلى ما كان عليه قبل الإنفجار يعني نهاية الحياة ونفي الخلود، وهذا هو الخلاف الواضح مع ظواهر الكتاب العزيز، ونحن كمسلمين نعتقد بأن الحياة الخالدة سوف تكون في هذا الكون الذي يضم السموات والأرض، إلا إذا قيل بأن الحياة الأبدية سوف تكون في غير هذا الكون، فهناك يكون لنا كلام آخر، ولا أحد يتبنى هذا الرأي لعدم وجود الدليل عليه، ولسان القرآن الكريم يوحي بأن السعادة أو الشقاء سوف يكونان في هذا الكون أو في مكان من هذا الكون يضم الجنة والنار.
العنوان الرابع: الفَناء:
قد يحتج أصحاب تلك النظرية بأن القرآن الكريم أشار إلى موضوع الفناء، ولكن احتجاجهم ليس في محله لأن حديث القرآن لم ينحصر في الفناء فقط بل تحدّث أيضاً عن وجود حياة أخرى بعد الفناء المؤقت، ثم إن هذا الفناء خاص بالكائنات الحية فقط وليس في جميع المخلوقات، وهذا ما يحتاج إلى التوضيح.
قال تعالى في سورة الرحمن(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)
هذا الكلام خاص بالحياة الدنيا التي سوف تنعدم الحياة فيها عند موت البشر، وربما يكون شاملاً لأهل السماء أيضاً وللجن، وذلك عندما نفسر قوله تعالى(من عليها) يعني مَن هو في الحياة من دون تخصيص لأن حصر بقاء قدسية الله تعالى دون غيرها دليل على موت كل ذي روح، ولكنه ليس دليلاً على محو الكون من أساسه، وقد قلت قبل قليل بفناء الكائنات الحية إلا أن الآية الكريمة استعملت لفظ(مَنْ) وهذه اللفظة تُستعمل للعقلاء، والعقلاء من المخلوقات هم الملائكة والجن والإنس، ولكن فلنقل بأن المراد بالآية كل ذوي الأرواح، فهل أن موت ذوي الأرواح يعني انعدام الكون أو فناؤه؟ وهنا لا يصح الإستدلال بهذه الآية على انعدام الكون، والأمر واضح للغاية.
وكذلك يمكن أن نقف على الآية الثانية التي تحصر البقاء في الله تعالى، فهل أن قوله تعالى(وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) أن الأمر سوف يعود إلى نقطة البداية عندما لم يكن في الوجود إلا الموجد سبحانه وتعالى، وهنا أقول: لو لم يكن هناك أدلة تشير إلى بقاء الكون لأمكن الإستدلال بالآية هنا على الفناء الحقيقي للوجود إلا أن الآيات الكريمة تصرّح ببقاء السموات والأرض، غاية ما في الأمر أن القرآن تحدث عن حدوث تغيرات في الكون عند القيامة ولم تتحدث عن انعدام الكون، وهنا لا بد من الوقوف على بعض تلك الآيات لتكون دليلاً واضحاً على نفينا لتلك النظرية الفاسدة(نظرية انحسار الكون أو فناؤه) وهذا ما يتكفل ببيانه العنوان الخامس.
العنوان الخامس: التَّبَدُّل:
في سورة إبراهيم قال سبحانه(يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)
وفي سورة الإنفطار(إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ)
وفي سورة الواقعة(إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا)
وفي سورة الحاقة(وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ)
وفي سورة التكوير(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)
أيها الأعزاء.. إن السماء سوف تتبدل، وكذلك الأرض فلن يبقة فيها حجر على حجر، وسوف تتطاير الجبال فتحسبها كالقطن في الهواء، وسوف تتساقط النجوم ويبطل مفعول الشمس ويتبدل نظام الكون كله، وهذا ما أشارت إليه الآيات الكريمة، ولكنها لم تُشر إلى زوال الكون، ولا أريد أن أطيل الشرح في المقام مكتفياً بهذه الأدلة القرآنية على كذب نظرية انطواء الكون مجدداً.
الشيخ علي فقيه



