
كَلِمَةُ الإِخْلاص
قالت(ع) : (وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإِخْلاصَ تَأْوِيْلَهَا، وَضَمَّنَ الْقُلُوْبَ مَوْصُوْلَهَا، وَأَنَاْرَ فِيْ الْتَّفَكُّرِ مَعْقُوْلَهَا)
فبعد حمد الله على نعمه، وشكره على آلائه، والثناء عليه بما قدّم من عموم النعم، نطقت الزهراء(ع) بشهادة أن لا إله إلا الله، مبينة لنا حقيقتها ومركزها في قلوب الناس.
ومن خلال نطقها بكلمة التوحيد فهمنا نحن عدة أمور:
الأمر الأول: أنها(ع) كعادتها تحاول دائماً أن تنبه الآخرين لما فيه المصلحة والمنفعة، لأن أهل الخير يرشدون إلى الخير في أفعالهم وأقوالهم وسكوتهم وإشاراتهم، ولعلها بذكر كلمة التوحيد تتم الحجة على الحاضرين عبر كونها مسلمة، وذلك بغض النظر عن كونها أساساً من أسس الدين وسيدة نساء العالمين، فلعلها أرادت أن تقول لهم ضمناً، لا يجوز للمسلم أن يعامل أخاه المسلم بالطرق الوحشية والأساليب الهمجية التي يغضب الله لصدورها ضد المسلم وغير المسلم أيضاً، لأن الإسلام يحارب العنف بشدة، ويدعو إلى الحوار القائم على الأسس المنطقية وقواعد الحكمة والموعظة الحسنة كما نقرأ وتقرؤون في الكتاب العزيز.
الأمر الثاني: أنها(ع) حاولت أن تذكرهم بربهم وإسلامهم عن طريق كلمة التوحيد المرتكزة في قلوب الجميع منذ عالم الذر علهم يخشعون ويرجعون إلى الصواب، لأن المسلم الحقيقي يخشع قلبه لذكر الله تعالى، وتطمئن نفسه بذلك، ويرجع إلى رشده وصوابه، فيتخلى عن ارتكاب الحرام خوفاً من عذاب ربه وطمعاً بثوابه.
الأمر الثالث: وهو أن الذين هجموا على دار الزهراء بتلك الطريقة المرفوضة في منطق العرب على وجه الخصوص لأنهم كانوا يدينون الإعتداء على المرأة حيث كانوا يعتبرونها مكسورة الجناح، فلا يليق برجل أن يضرب إمرأة، ولكنهم عند مواجهتهم للزهراء تجاوزوا كل الحدود، وأهملوا جميع الإعتبارات، وتخلوا عن عاداتهم وتقاليدهم التي دامت عدة قرون حتى ينفذوا خططهم الوحشية ومآربهم الوضيعة، والذين هجموا على دار الزهراء خرجوا عن الإسلام بلا شك إن قلنا بأنهم كانوا مسلمين حقاً من الأساس، فلو كانوا مسلمين لتحركت بداخلهم قوى الإيمان، ولكنهم خرجوا عن ربقة الإسلام عندما أصروا على ظلمها وغصب حقها، ونفس إلحاق الأذى بهذه المرأة العظيمة يُخرج صاحبه عن الإسلام فوراً، فهي التي دعا النبي إلى تقديسها واحترامها، لأن رضا الله تعالى متوقف على رضاها، فكيف يرضى الله عن قوم أغضبوا الزهراء وماتت وهي غاضبة عليهم.
إذاً.. لقد ألقت الزهراء على القوم حجة بالغة ولكنهم لم يراعوا لها حرمة، ولم يعملوا بما فرضه عليهم الإسلام.
(وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ) هذه الكلمة هي علامة على الإسلام، فمن نطق بها تعاملنا معه على أساس كونه مسلماً حتى ينكرها بقوله أو فعله، فمن أراد أن ينال أجر المسلم فعليه أن لا يخرج عن إطار هذه الكلمة التي يجب العمل بمقتضاها الداعي إلى الإلتزام بأحكام الله تعالى من فعلِ واجب وتركِ محرم.
والذين ظلموا الزهراء(ع) كانوا يرددون كلمة التوحيد مرات عديدة في اليوم الواحد، إلا أنه لا جدوى من النطق بها إذا تجرد عن العمل بمضمونها، ولعلهم قبل تنفيذ تلك الخطة الحاقدة صلوا صلاة الصبح أو الظهر وهم يعلمون بأن صلاتهم وجميع عباداتهم لا تنفعهم بشيء إذا لم يحفظوا الرسول في أهل بيته وفي كل ما ترك فيهم.
هؤلاء مسلمون وليسوا مؤمنين، فهم كالأعراب الذين قالوا آمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، وهناك فرق بين المؤمن والمسلم، فالإيمان يخص الباطن الذي يترجمه العمل، وأما الإسلام فهو أمر ظاهري قد لا يدل على ما في ضمير الإنسان، وأكبر دليل على ذلك هو ما فعله أولئك بالزهراء رافعين شعارات إسلامية وقرآنية.
فلكي تكون مسلماً يجب عليك أن تخلص لكلمة التوحيد فتترجمها بعملك وسلوكك، وأهم عمل خاص بكلمة التوحيد هو ولاية أهل البيت(ع)
فقولك (أشهد أن لا إله إلا الله) هو كلمة يجب أن تأوِّلها بالإخلاص في العمل، والتطبيق يعني أن تخرج هذه الكلمة من دائرة القول واللفظ إلى دائرة الترجمة العملية وتسير على جادة الشريعة كما أمر الله ورسوله، إذاً كلمة (لا إله إلا الله) جعل الله الإخلاص تأويلاً لها، فمن أراد أن يكون عند ربه من أهل لا إله إلا الله فعليه أن يعمل لأن الإيمان من دون عمل كشجرة من دون ثمر(وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) وقد فسّر لنا النبي الأعظم(ص) معنى تأويل هذه الكلمة عندما عرّف لنا الإيمان الحقيقي بقوله: الإيمان إقرار باللسان واعتقاد بالجَنان وعمل بالأركان: يعني أن الإيمان المطلوب هو كلام واعتقاد وعمل، فإذا نقص واحد من هذه الثلاثة انتفى كونه إيماناً وأصبح كإيمان الذين ظلموا الزهراء، فهؤلاء لم يتركوا العمل فحسب ولم يزلزلوا اعتقادهم فقط وإنما راحوا يعملون بخلاف ما أمرهم الله ورسوله.
(كَلِمَةٌ جَعَلَ الإِخْلاصَ تَأْوِيْلَهَا، وَضَمَّنَ الْقُلُوْبَ مَوْصُوْلَهَا) أي أنه تعالى جعل القلوب ظرفاً يحتوي معاني وأبعاد كلمة التوحيد.
وتعتبر كلمة التوحيد المدخل إلى الإسلام، ولكنها لا تجعل الإنسان مؤمناً إلا إذا ترجمها بالإخلاص والعمل الحاكي عن كونه مؤمناً بمحتوى هذه الكلمة العظيمة.
وهذا من الأمور العقائدية الأساسية في دين الإسلام، لأن الإنسان يولد على فطرة التوحيد، حيث أخذ الله علينا الميثاق من عالم الذر، وأشهدنا على أنفسنا بأنه ربنا، وقد أقررنا له بذلك، وقد قال تعالى في خصوص هذه العقيدة(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) فقد جعل الله تعالى قلوب الناس ظرفاً لهذه الكلمة فهو يحول بين المرء وقلبه وهو معه أينما كان وهو أقرب إليه من حبل الوريد، قال تعالى(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وقال تعالى(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وهذا يعني أن الله تعالى موجود في قلوبنا وليس بعيداً عنا، وهذا الشعور يتحرك بداخلنا بين الفترة والفترة، وبالخصوص عندما نكون بأمس الحاجة إلى القوي العزيز الجبار، وأغلبية الناس تتحرك فيهم هذه القوة المسماة (الفطرة) في حالات الخطر والشدة، وهذا دليل على ما قالته الزهراء(ع).
الشيخ علي فقيه


