
قِصةُ مَعْرَكَةِ أُحُد
في بدرٍ حقَّق المسلمون أعظم انتصار في تاريخهم وألحقوا الهزيمة النكراء في صفوف أعدائهم الذين قرروا الإنتقام من النبي والمسلمين وانتظروا الفرصة المناسبة بعد أن اجتهدوا في بث الدعايات الكاذبة في أوساط المسلمين وغيرهم، وحرّضوا اليهود المتحالفين مع المسلمين على النبي وأتباعه، وخوّفوهم منهم مدّعين بأنَّ محمداً سوف يُخلف عهده معهم وأنه سوف ينقض عليهم عندما تسمح له الفرصة.
لقد أعلن كفّار قريش الحرب على النبي مجدداً فأعدوا أربعة آلاف مقاتل ودججوهم بالسلاح وأعطوهم المال، وكانت نساؤهم تحرضهم على القتال والصمود في وجه المسلمين وكان ذلك من باب إخراج آثار الهزيمة السابقة من نفوسهم.
فكتب العباس بن عبد المطلب تقريراً مفصّلاً للنبي(ص) حول تلك الإستعدادات، ولما وصل كتابه إلى الرسول عقد اجتماعاً نتج عنه الخروج إلى الحرب، وكان جيش المشركين في تلك الأثناء قد وصل إلى أطراف المدينة، فصلى المسلمون صلاة الجمعة ولبس النبي لامته وتقلّد سيفه وخرج ومعه مئات المقاتلين بعد أن رفض اليهود إعانته في تلك الحرب.
وفي السابع من شهر شوال وقف جيش المسلمين بالقرب من جبل أُحُد الذي اعتُبر مانعاً طبيعياً لهم وأمر النبي بعض الرماة بالوقوف على الجبل لحماية ظهور المسلمين وأن لا يغادروا مواقعهم تحت أي ظرف، وقد أمّر عليهم عبد الله بن جُبير.
وبدأت الحرب فكان النصر في البداية حليف المسلمين بعد أن فرّ الكفار مخلّفين وراءهم غنائم كثيرة، ولكن عندما خالف الرماة أوامر رسول الله وتركوا مواقعهم التف عليهم العدو وتجددت المعركة فكان النصر لصالح المشركين هذه المرة.
وكان خمسة من صناديد قريش قد تعاهدوا على قتل النبي(ص)، وكان منهم العدو الأكبر للنبي أبيّ بن خلف الذي قتله رسول الله حين هجم عليه، وقد ظنّ هؤلاء بأن النبي لا يقوى على حمل السلاح أو أنه لا يتحلى بالشجاعة، غير أنّ مواقفه دلت على عكس ذلك، فقد كان(ص) من أشجع الناس على الإطلاق، وكان المسلمون يحتمون به عند اشتداد الحرب، وهذا ما صرّح به الإمام علي(ع) حين قال: كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله(ص) فلم يكن أحد أقرب إلى العدو منه:
وقد استغل أبو سفيان انتصار قريش لِبَثّ الإعلام المزيف بأن آلهته أعظم من إله المسلمين، وفي تلك المعركة اغتيل أسد رسول الله حمزة بن عبد المطلب(حامي الرسول) على يد الوحشي الذي أمرته هند بقتله عن بُعد، ولم تكتفي تلك الشريرة بقتله وإنما بقرت بطنه واستخرجت كبده وأكلته، ولهذ سمّيت بآكلة الأكباد، وكذا فإن نساء المشركين مثّلن باجساد الشهداء أبشع تمثيل، مع العلم بأن المسلمين لم يمثلوا يوماً بجثة أحد قتلى المشركين حيث نهاههم النبي عن ذلك.
وعندما رأى النبي(ص) جثة عمه حمزة حزن كثيراً وقال:ما وَقفتُ موقفاً قط أغيظ إليّ من هذا:
وانتهت الحرب وعاد المشركون إلى مكة، أما النبي والمسلمون فقد صلوا الظهر والعصر ودغنوا الشهداء عند جبل أُحُد، وكان عددهم سبعين رجلاً، أي بعدد الذين قتلهم المسلمون في معركة بدر.
وفي تلك المعركة أثخنت الجراحات جسد النبي(ص) الذي عالجته ابمنه الصدّيقة الطاهرة وابن عمه علي(ع).
وكان لتلك الهزيمة آثارها السيئة على المسلمين حيث استخف بهم اليهود وغيرهم وحاولوا مراراً أن ينقضوا عليهم في المدينة، ولكن المسلمين كانوا يصدون تلك الهجمات بكل بسالة وفي مقدمتهم رسول الله(ص) وأمير المؤمنين علي(ع).
وكان النبي يُرسل الدعاة والمبلّغين إلى المناطق البعيدة حتى يعلّموا الناس القرآن وأحكام دينهم، وقد طلب أبو براء العامري من النبي(ص) أن يبعث رجالاً إلى نجد حتى يدعوا أهلها إلى الإسلام، فقال(ص) إني أخشى عليهم أهل نجد:
ولكن أبا براء أعلن عن استعداده لاِجارتهم وضمان أمنهم فقال: أنا لهم جار. فبعث النبي (ص) أربعين رجلاً من أصحابه الخيار من حفظة القرآن و أحكام الاِسلام بقيادة المنذر بن عمرو و معه كتاب إلى «عامر بن الطفيل» أحد زعماء نجد، الذي قرر الغدر بهم، فقتل رسول المنذر، وطلب من بني عامر قتل المبلّغين، إلاّ أنّهم رفضوا على أساس أنّ لهم عقداً وجواراً مع أبي براء. فاستصرخ عليهم قبائل بني سليم الذين أجابوه، فأحاطوا بالدعاة وقاتلوهم حتى قتلوهم عن آخرهم بعد أن قاوموا بقوّة وبسالة عظيمة. وتسمّى هذه الحادثة بجريمة بئر معونة، التي لم ينسها الرسول (ص) فكان يذكر شهداءها فترة من الزمان.

