
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
كثير من الناس شغفهم المعرفة وحب الإستطلاع لجميع أنواع المعارف بشكل عام والخفي منها بشكل خاص، وهذا يعني أن هدفهم الأساسي هو المعرفة، ولكنه لا يمكن إدراكها بشكل عشوائي غير منظم، إن لكل معرفة طريقاً يجب السير فيه في الإتجاه الصحيح ومن دون أي انحراف لأن أدنى انحراف قد يحرم السائر من إدراك غايته وبلوغ أنشودته.
فبعد أن يتيقن الإنسان بأن الموت أمرٌ حتمي الحصول وأنه يطارد الأحياء من مكان إلى مكان وأنه متربص بهم في الليل والنهار وفي جميع الحالات والظروف فيسعون حينئذ لمعرفة حقيقته وما يتعلق به عنده وبعده، وذلك من باب الإحاطة بما سوف يلاقونه عما قريب، أو من باب التمهيد للتماشي مع مرحلة جديدة من مراحل هذا الوجود، أو من باب العمل الذي ينفع المرء في تلك المراحل، وهنا يسأل الناسُ عن إمكانية الوصول إلى حقيقة الموت الذي قهر الله به عباده فكانوا مجبورين عليه غير مخيَّرين به.
ومن الطبيعي لكل إنسان أن يطرح السؤال حول الموت، وهذا حقٌ طبيعي لكل من يعنيه الأجل، ولكن ما ليس طبيعياً هو أن يطرح السائل سؤاله بدافع غير منطقي وغير عقلائي أو بدافع زرع الشك في نفوس الآخرين كما صنع كثير من المعاندين الذين شكوا بالبعث والنشور وعملوا جاهدين على إخراج تلك العقيدة الحقة من نفوس الذين آمنوا بها.
إن المشكلة الكبرى هنا ليست في طرح السؤال بل هي تكمن خلف الجواب، وعلى المجيب قبل أن يجيب أن يسأل نفسه هل هناك جواب كاف وشاف لمثل هذا السؤال؟ وإذا كان هناك من جواب فهل هو أهلٌ لأن يجيب على هذا السؤال الحساس؟ وهل أن جوابه سوف يتم بطريقة تحسم الأمر ولا تزيده تعقيداً؟
نحن نقول إن الجواب على هذا السؤال حاضر لدى أهله، ولا يوجد سؤال إلا وله جواب في شريعة الإسلام التي اعتنت بكل تفاصيل الحياة وما بعد الحياة وحرِصت على أن لا يبقى المرء في حيرة من أمره، هذا وقد أجاب أئمتنا(ع) وكثير من علمائنا الكرام على أسئلة كنا نظن بأنها فاقدة للجواب وهذا ما يزرع الطمأنينة بداخلنا وما يُشعرنا بالقوة والعزة تجاه ديننا العظيم.
يوجد جواب لهذا السؤال حول حقيقة الموت ولكنه جواب خاضع لحدودٍ وضعها الميزان القرآني الذي بيّن بعض عموميات الموت وما يأتي بعده وأعطى شيئاً من الشرح والتفصيل لبعض المسائل.
وسواء أظهر القرآن الكل أو البعض أو لم يُظهر شيئاً فإن الأمر مرهون لإرادة الله سبحانه وتعالى العالم بما ينفع الناس وما لا ينفعهم.
والموت وما اشتمل عليه من تفاصيل وأحداث وما يأتي بعده من منازل حتى يوم النشور وما يحدث في ذلك اليوم هو من أمور الغيب ومن علم الغيب الخاص بالله سبحانه وتعالى، ولا يجوز لأي إنسان أن يدعي أمراً رجماً بالغيب لأنه يقول ما لا يعرف وفي ذات الوقت هو يتعدى على الحدود الإلهية، فالذي يريد أن يعرف من الغيب ما لم يسمح الله بمعرفته إنما يواجه الإرادة الإلهية التي لا يقف في طريقها شيء أبداً.
قال تعالى في مسألة علم الغيب(قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) وقال(وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) وقال(قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) وقال(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) وهناك الكثير من الآيات المشابهة لهذه الآيات المذكورة، فلا يجوز للإنسان أن يمس الغيب عبر احتمالاته الواهية واستحساناته الباطلة وأوهامه الشيطانية فإن ادعاء علم الغيب إنما هو ناتج بوسوسة شيطانية وهو عمل محرم سوف يعاقب عليه الإنسان في يوم الحساب.
حتى أن الملائكة والأنبياء لا يعلمون من الغيب سوى ما علّمهم إياه رب العالمين، ولذا قال تعالى حاكياً عن خاتم أنبيائه(ص) (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)
ولأجل هذا كله كان الحديث عن الموت أمراً صعباً ودقيقاً وخطيراً لأن صدور أية كلمة في هذا المجال ما لم تصدر بدليل عاقبتها خطيرة جداً فقد تكون هذه الكلمة المستهتَر بها من قبل قائلها سبباً في هلاكه، ولا يمكن الوصول إلى معرفة شيء من الغيب عبر التقريب بين الأشياء أو عبر التأمل والإستنتاج لأنه مهما تأمل الإنسان في علم الغيب فسوف يعود تأمله خائباً.
نحن نقرأ الكثير عن الموت فهناك ألف رواية وألف حكاية قد ملأت كثيراً من المجلدات واستحوذت على الكثير من النفوس وقد اعتنقها الكثيرون وظنوا بأنها اليقين لمجرد أنهم قرؤوها في هذا الكتاب أو ذاك أو سمعوها من فلان أو فلان، وهنا تكمن الخطورة في وظيفة المبلغ ووظائف المبلَّغين الذين لم يكنوا بمنأى عن المسؤولية الشرعية وإن كان مسؤوليتهم تجاه العقيدة أقل حجماً من مسؤولية المبلغ، قد لا يشكّل قول المبلغ حجة لك في يوم القيامة وإن كان المبلغ هناك مسؤولاً عن تقصيره في تحصيل المقدمات اللازمة، ولهذا أنا أنصح جميع المسلمين والمسلمات في هذا الزمان الخطير الذي اشتبهت فيه الأمور وتداخلت فيه المسائل وكثر فيه الدجالون الذين تغطوا بثوب الدين والعلم والمعرفة وهم ليسوا من أهل الدين ولا هم من العلماء بل مجموعة عصابات نفعية أرادت الوصول إلى جيوب الناس عن طريق التمظهر بالمظهر الملائكي في حين أن داخلهم لا يقل قبحاً عن جوهر إبليس اللعين.



