منوعات

قصص من التاريخ(مسلسل حواري)

داء الغرور

 

داء الغرور

الشيخ: إفتقدتُك البارحةَ يا بني، لقد غبتَ عن الدرس على غير عادتك، هل أصابك أي مكروه؟
الولد: أنت تعلم يا أستاذ أني أعشق طلب العلم ولا أحب الغياب أبداً.
الشيخ: أعرف ذلك جيداً وهذا ما دفع بي إلى الإستهجان، أين كنت يوم أمس يا يوسف؟
الولد: لقد أجبرني والدي على العمل في دكان أبي حامد فهو يخشى علينا الهلاك من الجوع، إن الفقر يستحكم بنا كما تعلم يا أستاذ.
الشيخ: أعرف ذلك يا بني، ولكنني لا أحب غيابك عن حلقة الدرس، إسمع يا يوسف، أريد أن أكلم والدك، أخبره أن الشيخ يريد أن يراك لأمر ضروري.
الولد: سوف أفعل بإذن الله.
الوالد: أين كنت يا يوسف؟ لقد تأخرت عن موعد رجوعك إلى البيت، هل كنت تلهو مع الصبية؟
الولد: منذ متى وأنا ألهو مع الصبية في الأزقة؟
الوالد: ولكن ما الذي أخرك، هيا قل.
الولد: قمتُ بزيارة للشيخ فاضل، فهو أستاذي كما تعلم.
الوالد: ألم أنهك عن حضور الدرس، إن هناك ما هو أهم من العلم، إننا يا بني بأمس الحاجة إل المال، فإن لم تنجي المال فسوف نموت من الجوع، كم مرة أريد أن أخبرك بهذا ها؟
الولد: أعرف ذلك يا أبي، فرغم حبي للعلم وطلبه تركته من أجل جني المال، ولكن الشيخ فاضل يريد التحث إليك اليوم.
الوالد: ولماذا يريدني؟ ألم يخبرك بالأمر؟
الولد: لا، ولكنه قال الأمر ضروري للغاية.
الوالد: هيا بنا نذهب إليه فلا يمكن لأحد أن يخالف الشيخ فاضل فيما يأمر.
العالم: أهلاً بك يا أبا يوسف، لم أرك منذ فترة طويلة.
الوالد: معكم كل الحق يا شيخنا العزيز، ولكن مشاغل الحياة كبيرة وهموم العيش أكبر.
العالم: أعرف ذلك يا أبا يوسف، أعرف بأن وضعك المعيشي سيء، ولأجل هذا أرسلت في طلبك.
الوالد: مرني يا شيخنا، أنا طوع بنانك.
العالم: عرفتُ أن منعت ولدك يوسف من حضور حلقة العلم بسبب الأزمة المعيشية التي تمر بها.
الوالد: هذا صحيح.
العالم: ولكن ولدك يوسف من عشاق طلب العلم وهو من أفضل التلاميذة في حلقتي، لأجل هذا حرام أن يخسر مستقبله العلمي بسبب عمله في دكان أبي حازم.
الوالد: إنني مضطر يا شيخنا، لو كنت أملك المال لما حرمته من طلب العلم.
العالم: كم يكسب ولدك يوسف في اليوم؟
الوالد: درهمين.
العالم: أنا أعطيك في اليوم درهمين بشرط أن يتفرغ ولدك يوسف لتحصيل العلم، هل لديك مانع في ذلك؟
الوالد: كما ترى يا مولانا.
العالم: إذاً لك في كل يوم درهمان ولن يغيب يوسف عن درسه مرة أخرى.
الوالد: أنا أشكرك يا شيخنا على اهتمامكم بمستقبل ولدي.
الراوي: أعطى الشيخ رعاية تامة لتلميذه يوسف حتى ذاع سيطه واشتد عظمه وأصبح ذا شأن علمي في أوساط العلماء، وفي يوم من الأيام أصيب يوسف بوعكة صحية ظن الجميع بأنه مرض الموت فراحوا يكثفون من زياراتهم له حتى شيخُه وأستاذه زاره في مرضه ليطمئن على صحته.
يوسف: أعتذر منكم شيخنا الجليل، لا أستطيع أن أقف احتراماً لكم.
العالم: إسترح يا يوسف لا تُشغل بالك في هذا الأمر.
يوسف: أرجوك يا شيخنا الجليل، أريد منك دعاءاً خاصاً علّ الله يستجيب لك فيشفيَني.
العالم: لا عليك يا ولدي، وعكة وتزول وترجع إلى حلقات درسك وتؤدي واجبك العلمي على أتم وجه، لا تقلق يا يوسف سوف يشفيك الله تعالى، نمِ الآن جيداً وأراك لا حقاً على خيرٍ إن شاء الله.
يوسف: أطال الله بقاءكم وأمد في أعماركم، لقد كنتَ وما زلتَ عوناً لي، جزاك الله عني وعن الإسلام خيراً.
التلميذ: سمعنا يا أستاذ أنك رأيت الشيخ يوسف بالأمس، فهل ما زال مريضاً؟
العالم: لا عليكم يا أولادي، سوف يشفيه الله بإذنه، لا تُشغلوا بالكم إلأا في تحصيل العلم، أما أمر أخيكم يوسف فيعود للخالق سبحانه الذي بيده المرض والشفاء، ولا أخفي عليكم أنني آسف جداً لما حلّ بيوسف، أسأل الله أن يشفيه فأنا أعلق عليه الكثير من الآمال، وحده من يصلح لأن يكون محلي من بعدي، شافاه الله وعافاه.
الراوي: أهتم الشيخ بيوسف منذ الصغر وصرف عليه الكثير من المال والوقت، وأعطاه الرعاية العلمية الكاملة حتى أصبح ذا مكانة مرموقة، وبعد يومين منّ الله عليه بالشفاء فقام واغتسل ولبس أحسن ما عنده وذهب إلى حلقة الشيخ، ولكن قبل وصوله إلى الحلقة التقى به أحد زملائه وأخبره رأي الشيخ فيه فأخذه شيء من العجب.
التلميذ: إلى أين يا يوسف؟
يوسف: إلى حلقة الشيخ لقد منعني المرض أياماً من طلب العلم، كم أتوق شوقاً لأسمع كلام شيخيَ الكبير.
التلميذ: ألا يكفيك ما حصّلتَه من العلم؟ أتدري ماذا قال لنا الشيخ عندما كنت طريح الفراش؟
يوسف: ماذا قال؟
التلميذ: قال لقد كنت أرجوه أن يكون للناس من بعدي.
يوسف: أحقاً هذا ما قاله.
التلميذ: أجل والجميع يشهدون على ذلك.
يوسف: سوف أذهب إلى المسجد ولكنني لن أحضر حلقة العلم عند الشيخ، أريد أن يكون لي حلقة خاصة والطلاب يلتفون حولي فسألونني فأجيبهم، أجل هذا ما سوف أقوم به.
الراوي:سمع يوسف من بعض زملائه ما قاله الشيخ فيه من مدح وثناء فأخذه العجب واستحكم به الغرور فقرر أن يعقد حلقة العلم ويكون هو شيخَها في نفس المسجد الذي تُعقد فيه حلقة درس الشيخ.
العالم: أرى حركة غريبة في المسجد هذا اليوم.
حسان: أجل يا شيخنا هناك حلقة درس انعقدت هذا اليوم.
العالم: قم يا حسان، وتحقق من الأمر، عمري ما رأيت انقساماً في هذا المسجد كالذي أراه اليوم، هيا يابني، لا أحب أن أرى مثل ذلك في بيت الله.
حسان: ما هذا يا يوسف؟
يوسف: قبل أن تخاطبني عليك أن تتعلم الأدب أولاً، إذا أردت أن تناديَني فقل يا شيخُ يوسف.
حسان: أستميحك عذراً يا يو.. يا شيخُ يوسف، إن أستاذنا يسأل عن حلقتك.
يوسف: أجل، الأمر كما ترى، أنا أعقد حلقة علم كما يصنع شيخكم.
حسان: هكذا إذاً.
العالم: ما بك يا حسان؟ هل سمعت ما تكره؟
حسان: ليتني لم أتحقق من الأمر.
العالم: ولماذا يا بني، ما الأمر؟
حسان: إن تلميذك يوسف الذي منّ الله عليه بالشفاء بعد أن كان على فراش الموت يعقد حلقة علمٍ خاصة به ويدعي بأنه مثلك لا فرق بينه وبينك، ولم يقبل مني إلا أن أناديه بالشيخ يوسف.
العالم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لقد وسوس له الشيطان واستحوذ على قلبه، نعوذ بالله من داء الغرور، تعالَ يا حسان، إن يوسف بحاجة إلى لكمة توقظه من ضلاله، إذهب إليه وسله بهذه المسألة، إقترب مني لا أريد أن يسمعني أحد.
حسان: حسناً يا شيخنا سوف أطرح عليه السؤال في الحال.. عندي مسألة يا شيخ يوسف.
يوسف: تفضل وسوف تجد جوابها حاضراً.
حسان: أواثق من أنك تعرف.
يوسف: سلني وسوف ترى بعينك وتسمع بأذنك.
حسان: رجلٌ دفع ثوبه إلى خياط ليقصره فلما جاءه بعد أيام أنكر الخياط وجود الثوب عنده فذهب إل الشرطة فاشتكاه فجاءت الشرطة واسترجعت الثوب منه لصاحبهفهل يستحق الخياط أجرة تقصير الثوب؟
يوسف: بالطبع يستحقها، فنا دام أتم العمل استحق الأجرة على إتمام عمله.
حسان: لقد أخطأتَ يا شيخ يوسف.
يوسف: لا لا يستحق شيئاً لقد تأملت في المسألة وتبين لي أن الخياط لا يستحق الأجرة.
حسان: أخطأت مرة أخرى يا شيخ يوسف.
يوسف: بالله عليك يا هذا، من أرسلك إليّ؟
حسان: أرسلني أستاذك إليك.
يوسف: سوف أذهب إلى الشيخ وأسأله بنفسي عن الحكم، بالله عليك يا أستاذ لدي مسألة.
العالم: ما هي مسألتك؟
يوسف: أظن بأنك تعرفها.
العالم: أتقصد مسألة الثوب والخياط؟
يوسف: وهل غير تلك المسألة أذلني.
العالم: إذهب وأجب عليها، ألستَ شيخاً ومعلماً؟
يوسف: أنت الشيخ دون سواك، بالله عليك لقد أوقعتني المسألة في حيرة شديدة، لن أبرح المسجد حتى أعرف الحكم.
العالم: إجلس يا يوسف، سوف أبين لك الحكم، أنظر إلى مقدار تقصير الخياط للثوب فإن كان قد قصّره على مقدار الرجل فقد أتم العمل واستحق الأجرة على عمله، أما إن كان قد قصّره على مقاس نفسه فلا يستحق شيئاً من الأجرة.
يوسف: هاتِ رأسك أقبله يا شيخنا الجليل، أنا أعتذر لما صدر مني.
العالم: إحذر من وسوسة الشيطان الغوي فإنه يأتيك من كل مكان ولن يتركك وشأنك أبداً حتى يقضي على آخرتك، ألم تسمع قول الله سبحانه(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) صدق الله العظيم.
يوسف: صدق الله وأستغفره من كل ذنب.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى