محاضرات

في الوَعظ والإرشاد

الفِرَارُ مِنَ المَوْتِ

الفِرَارُ مِنَ المَوْتِ

قال سبحانه وتعالى في سورة الجمعة(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
هي الآية الثامنة من سورة الجمعة التي نقرؤها كثيراً ونستمع إليها مراراً، ولربما قرأناها من دون إدراك، أو سمعناها من غير تمعّن، وإذا كانت طريقتنا لقراءتها على هذا النحو فهذا يعني أننا لن نستفيد منها شيئاً ولن ندرك موعظتها، وإن الموعظة الكامنة خلف هذه الآية كبيرة جداً، ولهذا ينبغي التأمل فيها حتى نعرف مدلولاتها النفسية ومفاهيمها العقائدية.
وإن الطابع الغالب على هذه الآية هو الوعظ والإرشاد، وإنها وإن كانت على هذا الشكل إلا أنها تشير إلى مسائل مهمة لا بد من التعرّف عليها، وإن معرفتنا لإشاراتها ومدلولاتها يفيدنا كثيراً في مسألة الإتعاظ منها وأخذِ العبرة مما ارتكز بين سطورها.
هناك عدة أمور مستوحاة من هذه الآية الكريمة، ولا ينبغي أن نمر عليها مرور الكرام، بل لا بد من بيانها كما يجب حتى نصل إلى جوهر الغاية منها وندرك الفائدة المرجوة.
الأمر الأول: ينبغي أن ننظر إلى لفظة(قُلْ) في مَطلع الآية، فالخطاب هنا موجّه إلى خاتم الرسل(ص)، وكل الآيات قد وُجّهَت إليه، إلا أنّ تلك الخطابات تختلف في أساليبها، فبعضه مسبوق بمثل اللفظة المذكورة، وكثير منها خال منها، فلقد قال تعالى في الآية الكريمة(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ) وقد كان بالإمكان أن يجرّد الله سبحانه هذه الآية من لفظة(قل) فيجعلها إخباراً عادياً مشابهاً لتلك الإخبارات المجردة عن(قل) ولكنه أضاف هذا الأمر للرسول ليلفت انتباه الناس إلى ما سوف يذكره بعد لفظ(قل) ومن طبيعة البشر أنهم إذا سمعوا كلاماً مبتدئاً بالتنبيه فإنهم يركزون الإنتباه أكثر من استماعهم لكلام غير مسبوق بالألفاظ الدالة على التنبيه.
ولا شك بأن ما ذكرته الآية الكريمة بعد لفظ(قل) كان أمراً عظيماً وهاماً لأنه يتحدث عن حقيقة يشترك فيها جميع البشر من الناحية النفسية والطبيعية.
الأمر الثاني: وهو يشتمل على مسألتين ضروريتين:
المسألة الأولى: موضوع الموت المشار إليه بقوله تعالى(إِنَّ الْمَوْتَ) وهو مرحلة إنتقالية لذوي الأرواح العقلاء على وجه الخصوص حيث تنتقل أرواحهم من مرحلة الحياة الدنيا إلى مرحلة ما يسمى بعالَم البرزخ الفاصل بين الدنيا والآخرة.
والموت من أكبر المواعظ لدى الناس لأنه من أعظم الحوادث في نظرهم، فلا يُبهتهم شيء مثل الموت أو خبره حيث يحمل الدهشة والتأمل التكويني، وربما الصدمة خصوصاً إذا كان الميت ممن يهمه أمره، ومن الطبيعي لدى الإنسان أن يتأثر بالموت لأنه أمرٌ مجهول بالنسبة له رغم إيمانه به، نحن نؤمن بالموت وما بعده، وأن أرواحنا بيد الله تعالى، وأن الناس منهم من يموت صغيراً ومنهم من يموت كبيراً بألف سبب، ولكننا نخشى الموت لأسباب كثيرة، أهمها أننا سوف ندخل في مرحلة لم نرها من قبل، وهذه العملية لوحدها تجعل الإنسان خائفاً، ونحن نعتقد بأن الله تعالى لم يبيّن لنا كل شيء عن تلك المرحلة، وهذا ما يجعلنا نترقب ما سوف يكون في مراحل ما بعد الدنيا، وسوف يكون لنا أكثر من بحث حول موعظة الموت لأنه من أهم العوامل المؤثّرة على سلوك الإنسان في الدنيا ومصيره في الآخرة.
المسألة الثانية: وهي تشير إلى حالة نفسية كُوِّنَتْ مع الإنسان يوم ولادته، وقد لازمته في مرحلة الدنيا، وهي مسألة الفرار من الموت، فقد قال تعالى(إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ) ونحن نعلم بأن أحداً من الخلق بالغاً ما بلغ لا يستطيع أن يفر من الموت حتى ولو كان رسولاً نبياً أو ملكاً مقرَّباً، لأن الموت لا تطيش سهامه ولا تخطئ الهدف، ولا تؤخِّر المستهدَف إذا آن أوان رحليه، قال سبحانه(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) وقال تعالى(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) وقال تعالى(أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ)
فلا أحد يهرب من حلول الأجل، ولا أحد يفر من الموت إذا يبست ورقته وحان حينه، ولكن يمكن للإنسان أن يفر من أسباب الموت، فإذا كان أجله ممدوداً نجا، وإذا كان حاضراً فارق، وعليه فلا يكون معنى الفرار من الموت الفرار من حكمه وسهامه، بل الفرار من أسبابه وهي كثيرة في هذا الحياة، تعددت الأسباب والموت واحد، ومهما هربت من أسبابه فإنك لن تخلد في الحياة، بل سوف تأتيك اللحظة الحاسمة ويدركك الموت وإن كنت في قلعة أو قصر أو بين ملايين الناس، وكما قلتُ فإن هذه من الحالات الطبيعية للإنسان، وهي تشمل المعصومين أيضاً وإن كانوا مشتاقين للقاء الله تعالى، فقد ورد أن أمير المؤمنين علياً(ع) قد فرّ من تحت جدار متزلزل يكاد يقع، فقال له أحدهم: يا أمير المؤمنين: أتفرّ من قضاء الله؟ فقال(ع):أفر من قضاء الله إلى قدره، وهذا يعني بكل وضوح الفرار من أحد أسباب الموت.
الأمر الثالث: لزوم إدراك الموت مهما طال العمر أو مهما اعتنى الإنسان بنفسه وحفظها من الأخطار والأمراض كما صنع أحد المتكبرين الذي بنى قصراً عظيماً لا يمكن أن يقع، وأحاط نفسه بجنود كثيرة كيلا يقتله أحد أو كيلا يقع أو يجرح بدنه فأتته صاعقة من السماء أصابته دون من حوله، وكان ذلك عبرة لمن يعتبر وموعظة لأولي الألباب.
فمهما فررت من الموت فسوف ينزل بك، قال الإمام علي(ع): لاَ يَنْزَجِرُ مِنَ اللهِ بِزَاجِرٍ، وَلاَيَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ، وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ، حَيْثُ لاَ إِقَالَةَ وَلاَ رَجْعَةَ، كَيْفَ نَزَلَ بِهمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ، وَقَدِمُوا مِنَ الْآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهمْ: اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ:
الأمر الرابع: وهو يشير إلى بعثنا مرة أخرى للحساب يوم يقوم الناس لرب العالمين في يوم شديد وعظيم كان مقدار العناء فيه كألف سنة مما نعد أو أكثر، وهذا ما يجب أن نؤسس له ونتزود لأجله حيث لا ينفعنا هناك سوى العمل الصالح، ولذا جاء في موعظة لرسول الله(ص) ذكرها لرجل يُدعى قيس بن عاصم: إن مع العز ذلاً، وإن مع الحياة موتاً، وإن مع الدنيا آخرة… وأنه لا بد لك يا قيس من قرين يُدفن معك وهو حي، وتُدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك.. وهو فِعْلُك:
ففي ذلك اليوم يطول الوقوف للمحاسبة على كل صغيرة وكبيرة، حيث نُعطى هناك كتاباً قال الله فيه(وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)
ويمكن أن يكون معنى الفرار من الموت(نسيانه) فإذا نسي الإنسان الموت فلن ينزجر بعد ذلك، ولن يعمل صالحاً، ومن هنا وردت التنبيهات حول ذكر الموت والتأهب له بالعمل، وأن ذكره يفيد الإنسان، ولا يحطّم له معنوياته، ولا يقطع له أمله المحبوب.
ولذا قال(ص):أذكروا هادم اللذات، فقيل وما هادم اللذات؟ قال: الموت:
وقال علي(ع): فَاعْمَلُوا وَالْعَمَلُ يُرْفَعُ، وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ، وَالدُّعَاءُ يُسْمَعُ، وَالْحَالُ هَادِئَةٌ، وَالْأَقْلامُ جَارِيَةٌ، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكسِاً، أَوْ مَرَضاً حَابِساً، أَوْ مَوْتاً خَالِساً، فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِِكُمْ، زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبٍ، وَقِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ، وَوَاترٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ:
نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بالموعظة، ويُكرمنا بالعمل على أساسها إنه سميع مجيب.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى