
تَعَرفْ عَلَى أَنْبِيَاءِ الله في ثَلاثِ دَقَائق
بقلم: الشيخ علي فقيه
أحبّ اللهُ سبحانه أن يُعرَف فخلق السموات والأرض في ستة أيام وخلق الملائكة والجن، ثم خلق خليفته آدم في الجنة، وبعده حواءَ من فاضل طينته، وأباح لهما ما في الجنة إلا شجرة واحدة، فأكلا منها بعد أن وسوس لهما عدوّهما فأنزلهما الله إلى الأرض وأنجبا ذكوراً وإناثاً فبغى ابنهما قابيل على أخيه هابيل فقتله ودفنه، وبدأت الذرية تنتشر فأرسل الله أنبياءه بدين التوحيد، فكثرت الذراري وانتشر فيهم الأنبياء.
وبعد آدم أُرسل إدريسُ وهو من أحفاد شَيْث ابن آدم، فنشأ في العراق ثم انطلق بالدعوة حتى أُطلق عليه(حكيم الحكماء) وهو أول مَن خَطّ بالقلم وخاط الثياب، وكان يعرف كل لغات زمانه، وكان في عهده ملِكٌ ظالم أرسله الله إليه بالدعوة فطرده وواعده القتل، فخرج من المدينة وآوى إلى كهف يحصّنه، وسلّط الله ملِكاً آخر فقضى على الملك الظالم وأعوانه، واحتبس الماء عن تلك المدينة لسنوات إلى أن تاب أهلها وآمنوا بنبيّهم الذي رجع إليهم.
وبعد إدريس أُرسلَ نوحٌ أولُ أنبياء العَزْم، فدعا قومَه إلى الإيمان بالله لقرونٍ عديدة فاستهزؤوا به وهددوه بالرجم إن لم يسكت فلم يسكت، وبعد أن يئس من إيمانهم دعا عليهم، فأُمر بصنع السفينة ففعل، وأدخل إليها أصناف الحيوانات ومَن آمن معه وكانوا قلة، وزاد المنكرون من استهزائهم، وبدأ المطر الغزير الذي استمر لأسابيع وغرق كل أهل الأرض آنذاك، ثم توقف المطر وأُمرت الأرض بابتلاع الماء، وحطّت السفينة بسلام على الجوديّ، وبدأت البشرية الثانية.
وبعد نوحٍ ومَنْ بعدَه بُعثَ هودٌ إلى عاد وكانوا جبّارين، وهم مَن بنوا إرم ذات العماد، فكذّبوه كالعادة، فأنكر عليهم تكذيبهم، وآثروا تعدّد الآلهة على التوحيد، فخذّرهم من عذاب الله فاستضعفوه وهددوه فأنجاه الله منهم فأرسل عليهم ريحاً شديدة أهلكتهم، ونجّى الله المتقين.
وبعدهم أُرسل صالحٌ إلى ثمود الذين أشبهوا عاداً فعجزوا عن تكذيبه، وحاولوا تعجيزه، فطلبوا أن يُخرج لهم من الجبل ناقةً عظيمة ففعل بقدرة الله وكأنّ على رؤوسهم الطير، إلى أن ارتكب رهطٌ منهم حماقة فعقروا الناقة لينسى الناسُ المعجزة فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، وكانوا عبرةً لمن اعتبر.
وبعده خليل الله الذي جاء الناسَ بالتوحيد وسماهم المسلمين وبنى لهم الكعبة(أول بيتٍ وُضع للناس) وأثبت لهم الحق كعين الشمس فاتبعوا أهواءهم، فكسّر أصنامهم وقال لهم اسألوهم إن كانوا ينطقون، ورزقه الله بإسماعيل من هاجر، وإسحق من سارة، وابتلاه ربه بذبح ولده فامتثل أمرَ الله الذي رحِمَه وأعفاه، وكان ملِكهم ظالماً فتحدى إبراهيم الذي تغلّب عليه بلغة المنطق، فقرر أن يحرقه بنارٍ جعلها الله على إبراهيم برداً وسلاماً، فانتبه الكثيرون من غفلتهم، وقد أرسى للناس قواعد التوحيد بعد أن أوهن ألوهية المخلوق.
وبعد الخليل بُعث اسماعيل نبياً فأدى ما عليه كما فعل أبوه، ثم إسحق الذي كانت ولادته معجزة، فتزوج ابنة عمه وأنجب ولدين أحدهما يعقوب، وأدى ما أُمر به تماماً، وسلك نهج أبيه إلى أن فارق الحياة وله من العمر أكثر من مئة عام.
ولوطٌ المبتلى بقومٍ شاذين ارتكبوا فواحش ما سبقهم عليها أحد، فدعاهم إلى الحق ونهاهم عن الرذيلة فصدوه وهددوه، وكانت امرأته معهم، استمروا في العصيان حتى أُرسل إليه ثلاثة من الملائكة أمروا لوطاً ومن آمن معه بالخروج، وصبّ الله عذابه على تلك المدينة وأهلها فكانوا من الغابرين.
ثم يعقوبُ الملقّب بإسرائيل الذي حمّله أبوه ودائع النبوّة فقام بالأمر ممتثلاً، وكان محسوداً من العيص أخيه، فأوصاه أبوه بمغادرة فلسطين إلى الشام بعد موته، فقصد الشام وتزوج ابنة خاله، ورُزق بأولاد كُثر، منهم يوسف وبنيامين، ثم رجع إلى موطنه فلسطين، ولم يُوفّق بأولاده لعصيانهم أوامره إلا يوسف الذي كان جمال مظهره وجوهره طيباً، فحُسد منهم كما حُسد أبوه من عمه، وتآمروا عليه وألقوه في البئر ثم نجاه الله.
ثمّ يوسف آية الجمال بعثه الله نبياً وهيّأ له أسباب المُلك، فقام مقام عزيز مصر بعد عذابٍ طويل وسَجنٍ مرير، وبدأت مسيرته برؤيا عجيبة أخبر عنها أباه فخاف عليه ونهاه عن البوح بها، ثم برؤيا الملك التي لم يفسّرها غيره، فقرّبه من مجلسه وسلّمه مقاليد حكم مصر، ثم أصاب البلاد المجاورة جوع وقحط، فأتى أخوته إليه وهم له منكرون فعرفهم وأعطاهم حاجتهم ثم اصطنع مكيدة الصاع بوحي الله، واستطاع جلب أبيه وجميع أسرته الذين تابوا من معاصيهم، وجمع الله الشمل بعد فراق دام لعدة عقود، وحَكَم مصر إلى أن وافته المنية.
ثم أيوب الصابر الذي ابتلي بمرض غريب، وبذهابِ ممتلكاته وموت جميع أولاده، فاستبعده أهلُ مدينته خوفاً من العدوى، وكانت زوجته الصابرة تعينه وتطعمه، ووقد عانت الكثير من أهل مدينتها، وجاء أمرُ الله برفع البلاء فركض أيوب نحو الماء واغتسل فزال مرضه عنه، وعوّض الله عليه المال والولد، وتابع تبليغ الرسالة حتى الرمق الأخير.
وبعث الله شُعيباً إلى أهل مَدْيَن، وقد لُقِّبَ بخطيب الأنبياء لعذوبة كلامه وروعة منطقه، فدعاهم إلى الحق كما فعل أسلافه، وواجه الظلم بكل بسالة، واتُهم كما اتُهم غيره من الأنبياء، فصبر كما صبروا، وكان بنوا قومه مشتهرين بالغُش في الميزان والمكيال، وكان ينهاهم دائماً فلم يسمعوا حيث أطبق الشيطان على قلوبهم فانصاعوا لوسوسته، واحتج عليهم بالبينات وبالذين آمنوا منهم، وحذّرهم من عذاب الله فاستهزؤوا به وهددوه ومَن آمن بالقتل إن لم يرجعوا إلى الكفر بعد الإيمان فرفضوا، وأحاط بهم وبنبيّهم الخطر فأرسل الله الصاعقة على الكفار من أهل مدين فأهلكتهم بلحظة.
وإلياس وذو الكِفْل أرسلهما الله إلى الناس، ولم يذكر القرآن عن أحوالهما شيئاً لحكمة من الله الذي اكتفى بوصفهم أنهما من الأخيار ومن الصالحين، ولا شك بأنَّ حياتهم مشابهةٌ لحياة كل الأنبياء.
وكليمُ الله موسى بُعث إلى قومٍ ظالمين ملِكُهم أظلم ادعى الربوبية لنفسه وفرض عليهم عبادته بعد أن ذبح أولادهم واستحيى نساءهم لرؤيا أشعرته بالخطر فأمر بذبح كل مولود ذكر إلا موسى الذي ألقته أنه في اليم فأوصلته القدرة إلى قصر فرعون الذي منعه الغيب عن قتله، فنشأ عدوُّه في بيته، ثم دعاه إلى الله فأبى، فاستعان بالسحرة فغُلبوا، فآمنوا برب موسى فواعدهم فرعون العذاب الأليم، وكان موسى قد أتاهم بتسع معجزات فآمنوا ثم كفروا، ثم آمنت عصبةٌ منهم السَحَرة فلحقهم فرعون بجنوده ليعاقبهم، فألقى موسى عصاه فانفلق البحر فاجتازوه إلى بر الأمان وغرق فرعون وجنوده، ثم كفر كثير منهم مستغلين غياب موسى للميقات وحضور الداهية السامري صانع العجل، رغم المعجزات التي لا تُنكَر كإحياء الموتى وإخراج الماء من الصخر ونزول المنّ والسلوى وهلاك قارون، وبقي حال موسى معهم على تلك الحالة حتى فارق الحياة.
ثم جاء بعده داوود أبو سليمان قد بعثه الله إلى بني إسرائيل وبانت لهم معجزاته وظهرت كراماته فألان الله له الحديد وأوّب له الجبال والطير تسبح معه، وقتل جالوت الظالم الذي استعبدهم، واختار الله لهم طالوت ملِكاً ليقاتلوا تحت لوائه فأنكروه لفقر حاله وكذّبوا نبيّهم الذي عانى معهم حتى الممات.
وجاء بعده سليمان الذي أوتي من المُلك ما لم يؤتَ أحد من العالمين، وكان أعظمها العِلم بعد النبوّة، ومنطق الطَّيْر وأسباب كل شيء، وتسخير الجن والريح التي تأتمر بأمره، فدعا الناس إلى التوحيد وخصوصاً سبأ وملكتهم بعدما أتاه الهدهد بخبرهم، وكانوا يسجدون للشمس فدعاها إليه بكتاب أرسله مع الهدهد، وأحضر عرشها إلى قصره بواسطة مَن أوتي علم الكتاب، ووصلت إلى موطن سليمان ودخلت الصرح الممرد، فانتهبت بعد أن رأت عرشها عنده، وأيقنت بالحق وآمنت، وكثير من أهل زمانه اتهموه بالسحر ونسبوا إليه ما لا يليق به كنبي وملِك، وأتم الرسالة ونشر الدين وجاءه الموت وهو على كرسيّه فلم ينتبهوا لموته حتى سقط على الأرض.
ويونس بنُ متّى الذي أرسله إلى مئة ألف أو يزيدون، فصدع بأمر ربّه دون جدوى، فتأذى من قومه وواعدهم عذاب ربهم وغادر مدينتهم بدَل أن يبقى، وركب في السفينة التي ألقاه رُبَّانها في البحر بعد أن وقعت القرعة على اسمه كي يخففوا من وزن أحمالها بعد إعصارٍ شديد جاءهم فجأةً، فالتهمه الحوت وتوقّف الإعصاؤ بلحطة، وأدرك طاقمها وجود سرٍّ فيما حدث، ولبث في بطنه زمناً لا نعلمه، ومع دنوِّ العذاب من قومه شعروا بالندم وتابوا، ويونس لا يعلم شيئاً في بطن الحوت الذي اتخذ سبيله في البحر، فراح يُسبّح الله في ظلمات ثلاث، وبعد أيام تقيأه الحوت على إحدى الشواطئ عارياً فأنبت الله له شجرة يقطين لتقيَه بأس الحر، أما قومه فقد علموا بما حلّ به وحزنوا عليه وتمنوا عودته فاستجاب الله لهم وأعاده إليهم وفرح بإيمانهم.
وزكريا أحد أنبياء بني إسرائيل الذي دعا قومه إلى الإيمان وعلّمهم أحكام التوراة، وتحمّل الأذى كعادة كل نبي، واهتم بالهيكل، وبنى فيه غرفة لمريم الصدّيقة تعبد ربها هناك، فدخل عليها ذات مرة ووجد عندها طعاماً فأخبرته أنه من عند الله فدعا ربه أن لا يذرَه فرداً فرزقه الله بيحيى وجعله نبياً، وتفرّغ لعبادة ربه متضرعاً شاكراً فأشفق عليه البعض لهزالة جسمه، ثم اتهمه قومه بالفجور فهرب منهم واختبأ داخل شجرة فنشروه بالمناشير حتى فارق الحياة عزيزاً.
ويحيى المفجوع بقتل والده قام بالأمر بعده، وبلّغ رسالة ربه، وكانت مواقفه تجاه الفاسدين جريئة، وراح يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المُنكَر، وقد بشّر بظهور عيسى بعده، وكانت ولادته معجزة حيث كانت أمّه عاقراً وأبوه شيخاً كبيراً، فوهب الله يحيى لزكريا حتى يُتم الرسالة، وقد ثار على هيرودوس حاكم فلسطين الباغي، وقد شاع أمره وذاع سيطه فحقدت عليه زوجة الحاكم السابقة وكان لها بنتٌ جميلة أحبها الحاكم فطلبت مهرَها رأس النبي يحيى، فقتلوه وقدّموه للظالم وبغيّته.
وروح الله عيسى وكلمته الذي تكلّم في المهد وأبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى وخلق من الطين طيراً بإذن الله، وكان مثله كمثَل آدم، صدع بأمر الله ودعا إلى التوحيد فاتهموا أمّه الطاهرة بالبغاء فبرّأها، وواجه الوثنيين والمشركين، ولم يؤمن منهم سى حوارييه وكان عددهم قليلاً، فحقد عليه اليهود وأرادوا القضاء عليه فصلبوا شبيهاً له، ورفعه الله إلى السماء بقدرته.
وخاتم الأنبياء الأعظم(ص) الذي خُلق قبل الخَلْق، فوُلد يتيماً ثم ماتت أمه فكفله جده ثم عمّه، وبُعث إلى أشقى الخَلق خصوصاً وإلى الناس عموماً، فكان رحمةً للعالمين، وكان من أكثر الذين ظُلموا، فما أوذي نبيٌ بمثل ما أوذيَ، فصبر على الأذى، وبلّغ الرسالة، وأرسى قواعد الدين، وواجه جميع الخلق من أجل الله، وخاض الحروب وتحمّل المرارات، وأسس دولة الإسلام، وطهّر الكعبة، ومحق الأوثان، وأوصل رسالة السماء إلى كل بقاع الأرض، فأكمل الدين وأتمّ النعمة، وجاء بالقرآن المعجزة الخالدة، ووضع للبشرية قانون الحياة الأعظم، وخرج من الدنيا باختيار بعد أن ترك فينا الثقلين.



