
مَثَلُ الحياة الدنيا
الدنيا دار العمل والإمتحان ودار اللهو والغرور لأهلها ودار التزود للآخرة لدى المؤمنين بالله المطيعين له، والتعامل مع هذه الدنيا يجب أن يكون حذراً لأن فيها ما يغري الإنسان ويخدعه ويزين له حبها وجمالها وينسيه كونها فانية وقنطرة نعبر من خلالها إلى دار الآخرة، فلقد حدثنا القرآن عن الدنيا مبيناً لنا حقيقتها ومحذراً الجميع من الوقوع في أفخاخها فقال تعالى(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)
وقال تعالى(كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)
وقال(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) وقال(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)
تشير الآية الأخيرة إلى أحد أمثال الحياة الدنيا التي ضربها لنا كتاب الله، فهي لأهل الدنيا شيء ولأهل الإيمان شيء آخر، أما دنيا أهل الدنيا فهي عبارة عن لعب ومضيعة للوقت وهي زينة وتفاخر بكثرة الأموال والأنساب، ولو أن الإنسان المتعلق بحبائلها لو عرف حقيقتها لنظر إليها كما نظر لها المعصومون(ع) الذي صوّروها للناس بأنها عبارة عن ورقة في فم جراد يلتهمها أي أنه لا قيمة لها أمام الآخرة، نحن من أهل هذه الدنيا نعيش فيها ونأكل من خيراتها ونستأنس بجمالها ولا مانع من ذلك بشرط أن نكون من العاملين للآخرة بمعنى أن الهدف الأسمى من وجودنا هو الآخرة عملاً بقوله تعالى(ولا تنس نصيبك من الدنيا) ولقد مثّلت الآية هنا للدنيا بالغيث أي المطر الذي ينزل من السماء فتخضر الأرض به ويعجب الكفار أي الفلاحين… يعجبهم النبات وفجأة يهيج النبات فيصفر ويتلف ولا يستفاد منه، والدنيا هكذا تعجب الإنسان وتجعله متعلقاً بها وبزخارفها وفجأة يأتيه الموت فيحرمه منها فيخسرها ولم يكن قد ربح الآخرة.
وقال تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) وهو مثال يشبه المثل السابق في معناه فإن الدنيا كماء ينزل من السماء فيسقي الأرض وتخرج به النباتات الرائعة والأزهار الجميلة فتصبح الأرض بها زينة ويظن الناس بأن ما بنوه وزرعوه سوف يبقى فيأتي أمر الله تعالى بدمار الأرض فيدمرها كأنها لم تغن بالأمس أي كأن شيئاً لم يكن، وهذه الدنيا هكذا يبنيها الإنسان ويعمل لها ويزينها ويحافظ عليها ويرتكب الجرائم من أجلها فلا يبقى له منها شيء إذا جاء أمر الله عز وجل.
فعلى كل إنسان منا أن يعتبر بهذه الأمثلة المستبطنة للمواعظ الكبيرة والتي من وظيفتها أن تحرك المشاعر الإيمانية في داخل الإنسان.
الشيخ علي فقيه



