خَلْقُ السموات والأرض(البحث الأول)

قَبْلَ بِدَايَةِ الحِكَايَة
أيها القراء الأعزاء.. سوف أكتب الكلمات وهي تنبع من صميم القلب الذي لا يرى سوى الحقيقة التي أرادها الله تعالى أن تكون، ومن شأن الكلمة التي تخرج من القلب أن تدخل إلى القلوب مباشرة من دون أي مقدمات أو أسباب أخرى.
أيها القراء الكرام.. لم تبدأ القصة يوم خَلْقِ آدم(ع) ولم تبدأ الحكاية يوم هبوطه إلى، فلقد كان قبل خَلقه من القصص ما لم يعلمها إلا الله عز وجل، وقبل هبوطه من الحكايات التي جلّ عن الإحصاء عددها.
لقد حصل قبل آدم(ع) قصص كثيرة وحكايات مثيرة وأحداث عديدة كشف القرآن الكريم عن بعضها بشكل غير مباشر وأفصح النبي وآله(ص) عن شيء مما كان قبلنا نحن البشر بهدف الدلالة على عظيم القدرة وسعة السلطة.
والوارد أن العوالم التي سبقت عالَمنا هذا لم تكن قليلة وإنما كانت كثيرة إلى حدٍّ كبير بحيث ورد في بعض الأخبار المعمول بها أنه يوجد قبل عالمنا ألف عالَم، وفي بعض الأخبار: ألف ألف عالَم: وليس ذلك على الله تعالى بعزيز فهو قادر على أن يخلق مليارات العوالم بقدرته الباهرة ويضع لكل عالَم نظامه الخاص.
والنتيجة الحتمية المعلومة لدينا (مهما كان مستوى علمنا بها) هو أننا مسبوقون بعوالم أخرى لا يعلم تفاصيلها إلا خالقها تبارك وتعالى.
وهذا ما سوف يتضح لنا من خلال مجموعة عناوين ليست بقليلة، وإننا إذا ربطنا شيئاً بشيء وحملنا شيئاً على شيء فسوف ندرك المطلوب ونصل إلى معرفة جزء صغير من تلك الحقيقة التي ما زالت مصدراً للحيرى في الأوساط العلمية على اختلاف جهاتها.
ولذا فإنني قبل أن أبدأ الكلام عما قبل البداية أود أن أشير إلى عدة أمور:
الأمر الأول: وهو أن وضع إسم(قبل البداية) إنما وُضع بالنسبة إلى عالمنا نحن الآدميين، وليس بالنسبة إلى الله تعالى العالم بحقيقة البداية ولحظة النهاية وما بينهما.
الأمر الثاني: أن هناك أسراراً في هذا الوجود سواء في عالمنا الحالي أو العوالم السابقة لا يمكن أن تُدرك بالوهم أو الذوق أو الإستحسان إذ لا يجوز إثبات شيء من ذلك إلا بالدليل أو ما هو حالٌّ محله، وأعني بما يحل محل الدليل هو تلك القرائن التي سوف نبينها والتي سوف نربط بعضها بالبعض الآخر.
الأمر الثالث: وهو أن الذي سوف نصل إليه من خلال ربط شيء بشيء لا يقوم مقام الحقيقة إذ ليس هو سوى تقريب للواقع واحتمالات قد لا تكون حجة علينا.
الأمر الرابع: وهو أن هناك ألغازاً لم يحد العلماء والباحثون لها حلولاً حتى يومنا الحاضر، ولكن غاية ما في الأمر هو أنهم يتكهنون بوجود أمور نظراً للقرائن التي حصلوا عليها.
الأمر الخامس: وهو الأهم في نظري، وهو أننا حتى الآن رغم كل الوسائل العلمية الحديثة، ورغم كل التجارب التي حصلت عبر آلاف السنين لم ندرك حتى الآن سوى القليل القليل من أسرار هذا الوجود، ولذا يجب أن ننطلق ببحوثنا كلها من خلال قوله تعالى(وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً){الإسراء/85}
والعالَم بأسره من أوله إلى آخره يدور حول هذا المحور الأساس لأنه الخالق والرازق والمحيي والمميت ومن بيده جميع الأمور، وقد دارت معارك كلامية طاحنة عبر التاريخ بين الفلاسفة من جهة وعلماء الكلام من جهة ثانية وغيرهم من جميع الطبقات من جهة ثالثة والجميع يدورون حول نقطة واضحة إثبباتها موجود في قلب كل إنسان في هذا الوجود.
وأنا هنا لست بصدد البحث في إثبات الصانع ووحدانيته وصفاته الجلالية والجمالية وغير ذلك مما يختص به تعالى، وإنما أحببت أن أطرح هذا العنوان ليضفى البركة على هذا الكتاب ويكون هذا البحث المختصر نوراً لنا في هذه المسيرة.
وفي بيان حقيقة الله تعالى وقدرته وبعض صفاته أكتفي بما ذكره أمير المؤمنين علي(ع) في أول خطبة من نهج البلاغة(وعلى كل من يريد الكلام في حقيقة الله تعالى وصفاته أن ينحني أمام كلام علي(ع) الذي لا يعلوه بلاغة ولا وضوحاً ولا إرادة سوى كلام الله عز وجل) فقال(ع) :
“الحَمْدُ للهِ الَّذَي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ القَائِلُونَ، وَلاِ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ العَادُّونَ، ولاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الُمجْتَهِدُونَ، الَّذِي لاَ يُدْركُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الفِطَنِ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلا أَجَلٌ مَمْدُودٌ.فَطَرَ الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهَ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ . أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الْإِخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّها غَيْرُ المَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَد جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ قَالَ: «فِيمَ» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ: «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنُهُ. كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث ، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَمٍ، مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لاَ بِمُقَارَنَةٍ، وَغَيْرُ كُلِّ شَيءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ ، فَاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَالْآلَةِ، بَصِيرٌ إذْ لاَ مَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحِّدٌ إذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بهِ وَلاَ يَسْتوْحِشُ لِفَقْدِهِ”.(نهج البلاغة الخطبة الأولى)
وفي بيان كونه تعالى نور السموات والأرض قال سبحانه(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ){النور/35}



