تفسير سورة البقرة من الآية 124 إلى 134

تفسير سورة البقرة
من آية 124 إلى الآية 134
(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)
بدأ الحديث القرآني في سورة البقرة حول بيان شأن إبراهيم الخليل وجانبٍ من جوانب حياته التي كانت مليئة بالمواقف الجليلة والأحداث العظيمة التي عادت بالنفع على الأمة كلها منذ عهده وإلى يومنا هذا، فلقد امتحن الله خليله إبراهيم بأوامر معينة فأتمخن إبراهيم على أكمل وجه، فقال الله لإبراهيم إني جاعلك للناس إماماً يقتدون بك في هذه الدنيا فدخل السرور على قلب إبراهيم وسأل ربه قال ومن ذريتي، يعني هل تمن على بعض ذريتي بهذا المنصب الرفيع؟ فأجابه ربه لا ينال عهدي الظالمين يعني هذه الإمامة لا تكون للعاصين بل للإنسان المعصوم.
(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)
فالبيت هو الكعبة المشرفة، ومثابة للناس يعني مرجعاً لهم، فقال مثابةً ولم يقل مَثاباً للمبالغة، كما وأنه تعالى جعل البيت أمناً يعني أمناً من عذاب يوم القيامة لمن أدى مناسك الحج على الوجه الصحيح المقبول، ثم أمرنا ربنا بأن نجعل من مقام إبراهيم المعروف في مكة مصلى أي أن نصلي فيه مع الإمكان، وقد أمر الله إبراهيم وإسماعيل بأن يطهرا البيت الحرام من الأوثان من أجل الطواف حوله والإعتكاف عنده والصلاة فيه.
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)
عندما طهر إبراهيم بيت الله الحرام كما أمره ربه أخذ يدعو الله بأن يجعل مكة بلداً آمناً من الجبابرة والغزاة والزلازل والعواصف وغير ذلك من المخاطر، وأن يرزق أهلها من الثمرات حتى وإن أتتهم من الخارج حيث جعل الله بيته في مكان لا تصلح الزراعة فيه، والله وحده يعلم الحكمة من وراء ذلك، وقد خص إبراهيم أهل الإيمان بدعائه فبعد أن قال وارزق أهله قيدها بقوله من آمن منهم بالله واليوم الآخر، ثم قال سبحانه لخليله: ومن كفر: يعني أنا أرزق المؤمن والكافر أما الكافر فأمتعه قليلاً ثم أعذبه عذاباً شديداً، فموضوع الرزق في الدنيا شيء وموضوع الثواب في الآخرة شيء آخر، فهذا له أنظمته وطرقه وذاك له طرقه وشروطه.
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
لقد بنى إبراهيم وإسماعيل الكعبة على الأساس الذي وُضع لها في تلك البقعة المقدسة التي جعلها الله موضع بيته الحرام منذ الأزل فلقد بنياها للعبادة وليس للسكن بدليل قولهما تقبّل منا فإنك تسمع ما نقول وتعلم بقصدنا من بنائها وجميع مقاصدنا الأخرى.
(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وهما يطلبان التسديد والتوفيق من الله عز وجل في الثبات على دين الإسلام الذي هو الرحمة الكبرى لمنتحليه والمخلصين فيه فلم يدعوا لنفسيهما فقط وإنما دعوا للأمة كلها. (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) لقد استجاب الله دعاء إبراهيم وإسماعيل اللذين دعواه بأن يبعث في الأمة رسولاً منها يتلو عليهم آياته ويعلّمهم الكتاب والحكمة فاستجاب لهما بعد قرون طويلة من الزمن حيث بعث في الأميين رسولاً منهم وهذا ما أخبرنا عنه في قوله(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)
(وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) لا يتخلى عن نهج إبراهيم إلا شخص أهان نفسه واستخف بها حيث اصطفاه الله وأمر الناس بالسير على نهجه فمن سار على نهج إبراهيم ربح الدنيا وفاز بالآخرة.
( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) فبمجرد أن أمره الله بالإسلام أسلم طوعاً من دون أدنى تردد لأنه عرف الحق واستنار به.
(وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) فلم يقف الأمر عند إبراهيم هنا بل أوصى أولاده بالإسلام وأمرهم بأن لا يموتوا إلى على هذا الدين الحنيف الذي كان وما زال باب النجاة للبشر، وكذا نبي الله يعقوب أوصى أولاده بالإسلام بعد أن بيّن لهم أن الله تعالى اختصهم بالإسلام واصطفاهم به على من سواهم.
(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)
أم كنتم حاضرين عندما حل الموت في ساحة يعقوب فسأل أولاده ماذا تعبدون من بعدي ليطمئن عليهم وعلى سلامة انتمائهم الديني فأجابوه نعبد إلهك وإله آبائك.
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
لقد خلت الدنيا من الأجداد والآباء فلهم ما كسبوا في الحياة لا لغيرهم ولنا ما كسبنا فيها فلا يشفع لنا النسب ولا يسألنا ربنا عما كان يعمل آباؤنا وأجدادنا ولا يسألهم عن أعمالنا فلكل امرء ما كسب فمن عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها.



