
تفسير سورة البقرة
من آية 49 إلى الآية 61
وصل بنا الكلام في شرح سورة البقرة إلى الآية التاسعة والأربعين حيث بدأ القرآن الكريم يبيّن لنا تلك النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل حيث قال سبحانه(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ)
لقد كان بنو إسرائيل مضطهدين من قبل فرعون وجنوده حيث استعبدهم وسخرهم لخدمته وبناء القصور له فقتل منهم الكثير وذبح أبناءهم واعتدى على حرمات نسائهم فأرسل الله إليهم كليمه موسى الذي كان السبب في رفع الظلم عن بني إسرائيل حيث أجرى الله تعالى على يديه المعجزات التي قضى بها على جبروت فرعون وطغيانه.
(وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) ومن نعم الله تعالى على بني إسرائيل أنه فلق لهم البحر ليفروا من فرعون وجنوده فخط لهم طريقاً فيه قطعوا من خلاله إلى الضفة الأخرى ثم أطبق البحر على فرعون وأعوانه فأهلكم وقد مثّلت هذه الحادثة أعظم نعمة على بني إسرائيل لأن وجود فرعون بينهم مدة طويلة من الزمن كان يشكّل في حياتهم كابوساً مرعباً فلم ينته هذا الكابوس إلى عن طريق المن الإلهي.
(وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فلقد وعد الله موسى بالتوراة وعندما ذهب لميقات ربه عبد اليهود العجل وكانوا بهذا ظالمين لأنفسهم، ولكنهم بعدما رجع موسى وظهر في وجهه الغضب أعلنوا التوبة فعفا الله عنهم وفتح لهم الفرصة من أجل الإصلاح والتصحيح لعلهم يشكرون ويستقيمون على جادة الحق التي رسمها لهم كليم الله.
( وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ولقد منّ الله عليهم عندما أنزل التوراة على موسى يفرق بها بين الحق والباطل بهدف أن يهتدوا ويعملوا صالحاً.
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) لقد عاتب موسى قومه عندما اتخذوا العجل إلهاً لهم مبيناً لهم قبح هذا السلوك الظالم الذي يحمل العواقب السيئة والنتائج الوخيمة وليقتل من بقي منكم على الإيمان من ارتد إلى عبادة العجل، ثم رحمهم الله علهم يشكرون ويصمدون على نهج الحق.
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) ولكثرة ما منّ الله على بني إسرائيل صوّر لهم الشيطان بأن الله تعالى يحتاج إليهم وهو عز وجل غني عن العالمين ففي كل مرة كانوا يخطؤون ثم يتوبون وقد فعلوا ذلك أكثر من مرة حتى وصل بهم الأمر إلى أن طلبوا من نبيهم أن يريهم الله بالعين، وقد علّقوا إيمانهم على تلك الرؤيا، فنزلت عليهم نار من السماء عبّر القرآن عنها بالصاعقة وهم ينظرون إليها كيف تنزل عليهم.
(ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وبعد أن أماتهم منّ عليهم بالحياة مرة أخرى ورأوا كيف أنه تعالى أماتهم ثم أحياهم ولا يوجد أكبر ولا أعظم من هذا الدليل على صدق ما جاء به موسى فأحياهم وتابع عليهم النعم ومن جملة تلك النعم ما دلنا عليه قوله تعالى(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) فعندما كان بنو إسرائيل في صحراء التيه أنعم الله عليهم فبعث فوقهم غماماً يظللهم به من أشعة الشمس المحرقة في تلك الصحراء، وأنزل لهم المن وهي مادة لزجة تشبه العسل، وأنزل عليهم السلوى وهي نوع من الطيور السمينة وسمح لهم بأن يأكلوا من تلك الطيبات، ثم أشار سبحانه إلى كونه لم يظلمهم وإنما ظلموا أنفسهم.
(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) قيل إن هذه القرية هي أريحا فقد أمرهم الله بأن يدخلوها ويعيشوا فيها حياة رغيدة وأن يسجدوا عند بابها شكراً لله تعالى ويقولوا حطة يعني أن يطلبوا من الله تعالى أن يحط عنهم ذنوبهم، فإذا فعلوا ذلك غفر لهم خطاياهم وزادهم من فضله.
(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) فالذين ظلموا أنفسهم بدّلوا لفظ حطة بلفظ حنطة استهزاءاً منهم بكلام موسى(ع) وبما أنهم حرّفوا الكلام وفسقوا فقد أنزل الله عليهم عذاباً من السماء.
(وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) ففي وادي التيه أصاب العطش بني إسرائيل فطلب لهم موسى الماء من ربهم فأمره الله تعالى بأن يضرب حجراً بعصاه فانفجرت الماء بإذن الله من هذا الحجر وكانت اثنتي عشرة عيناً على عدد القبائل التي كانت مع موسى فجعل لكل قبيلة عيناً خاصة يشربون منها كيلا يختلفوا على الماء، وقد كانت تلك إحدى المعجزات التي أجراها الله على يد موسى(ع).
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) لقد عرفنا أن الله تعالى أنزل على بني إسرائيل في وادي التيه المن والسلوى فلم يصبروا على هذا الطعام فطلبوا من موسى أن يدعو لهم الله بأن يخرج لهم من نبات ارض أنواعاً من الطعام كالبقل والعدس والبصل والحنطة والخيار فقال لهم موسى أتستبدلون هذه الأنواع بالمن والسلوى فهي أدنى من المن والسلوى ثم أمرهم بالإنحدار إلى مصر فإن بها ما سألوا من أنواع الطعام فضربت عليهم الذلة وأصبحوا مكروهين من قبل أهل الأرض واستحقوا العذاب من الله تعالى بسبب كفرهم ونفسياتهم الغريبة.



