
مهما كثر الكلام حول الموت وما يكون بعده تبقى الحاجة ملحة لمعرفة الأكثر، وإنه وإن كثر الكلام عنه فلن نعرف من حقيقته سوى ما يشبه القشور الظاهرية لأن الموت وما يليه هو من علم الغيب، وما عرّفنا الله عليه من الغيب إنما هو قليل جداً نظراً لحقيقته وكثرة الأحداث بعده.
وقد ركزت كلامي على الموت لأنه برأيي أهم حدثٍ يمكن أن يحصل في هذه الحياة فهو أكبر ما يستعظمه الناس إن حصل قريباً منهم أو بعيداً عنهم.
إن الكلام عن الموت ويوم القيامة له أكثر من فائدة على الصعيد الفردي وعلى المستوى العام لهذه الأمة الإسلامية التي كان الموت من أهم ما رُكّز عليه في تعاليمها لأنه يعني انتهاء مرحلة العمل وبداية مرحلة الحساب، ولأنه الباب الوحيد الذي يعبر الإنسان من خلاله إلى مرحلة القيامة.
ثم إن الكلام عن مستقبل الإنسان الذي يبدأ مع بداية مراحل أخرى يوضع لنا الكثير من القضايا الهامة ويجعلنا حريصين على الإلمام بها، وهذا ما يدفع بالإنسان العاقل إلى القيام بالإلتزامات المفروضة عليه من قبل المناهج الخاصة للعقيدة التي يَدين بها.
ومن الحقائق الأساسية للموت موضوع بحثنا هو أنه أحد ثلاثة أمور أو ثلاث هيئات أو ما شئت فعبّر، وقد قيل لأمير المؤمنين علي(ع) صف لنا الموت؟ فقال: على الخبير سقطتم، هو أحد ثلاثة أمور يرد عليه، إما بشارة بنعيم الأبد، وإما بشارة بعذاب الأبد، وإما تحزين وتهويل وأمرٌ مبهَم لا يُدرى من أي الفِرق هو:
وهذا يعني بشكل واضح أن الموت ثلاثة أنواع:
النوع الأول: وهو الموت الهين اللين المريح الذي يحمل معه البشارة بالسعادة الأبدية في الجنة الواسعة التي أعدها الله لعباده المتقين، والعاقل عندما يعرف هذه الحقيقة من حقائق الموت يسعى جاهداً لأن يجعله كذلك كيلا تفوت الفرصة الوحيدة فيخسر نفسه ويجرها إلى الخلود في العذاب، لأنه إن حُكم عليه بالعذاب فلن يجد من ينقذه أو يخفف عنه في تلك الدار التي لا ينفع فيها عمل ولا يشفع فيها ندم، وفي هذه المناسبة أذكر لكم نموذجين قرآنيين خاصين بهذا الوضع.
قال تعالى(هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) وقال سبحانه(حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ)
وهذه هي النتيجة الطبيعية لكل من استخف بالموت وألهاه طول الأمل عن العمل حتى جاءه الأجل فمنعه من معالجة ما أفسده في دار الدنيا.
النوع الثاني: وهو أن تكشف عملية الموت للإنسان عن مصير سيء وطريق مظلم وظلام دامس ينتهي بصاحبه إلى عذاب لا مفر منه ولا نهاية له ولا هُدنة بينه وبين المعذَّب، ولا ظلم في ذلك من المولى لعبيده حيث كان بإمكانهم أن يرسموا المصير الذي يريدونه من خلال سلوكهم في دار الدنيا، وما ربك بظلام للعبيد، وإن الله لا يظلم الناس مثقال ذرة في السموات والأرض.
وهنا يأتي دور أن يفهم الإنسان حقيقة الدنيا ويعرف دوره فيها ويدرك ما له وما عليه وأنه مخيّر فيها بين الإيمان والكفر والعمل وترك العمل وأنه لا أحد يجبره على فعل شيء أو ترك شيء، فالدنيا ساحة عمل واختيار وقد بيّن الله أحكامه وتعاليمه فألقى بها الحجة على خلقه وكانت حجة قاطعة لا عذر ينفع بعدها ولا ذريعة يُتمسك بها، ومن تلك الحجج القاطعة قول الله تعالى(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا) وقوله سبحانه(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) وأما على صعيد الجزاء بعد أن يختار الإنسان الطريق التي يريدها فقد قال سبحانه(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الْآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ)
فالأمر هنا رهن إشارة الإنسان لأنه مرتبط بسلوكه في هذه الحياة، فهو الذي يحدد نوع موته من هذه الأنواع الثلاثة وهو الذي يرسم مصير نهايته من خلال الإيمان والطاعة وعدمهما.
النوع الثالث: وهو يتوسط النوعين السابقين من حيث العذاب، ولعله نوع من أنواع العذاب الخفيف الذي يُعتبر كفارة لبعض الذنوب التي ارتكبها الإنسان والتي لا يستحق فاعلها العذاب الشديد، وفي البداية والنهاية إن الله تعالى ذو رحمة واسعة سبقت غضبه وهو غني عن عذابنا، ونحن عندما نطلب الرحمة فليس بأعمالنا القليلة التي لا تساوي ذرة واحدة من نعيم الآخرة وإنما نأمل ذلك برحمة الله ولطفه، وهذا ما أشار إليه إمامنا السجاد(ع) في دعائه حيث قال: اَيْنَ رَحْمَتِكَ الْواسِعَةِ، اَيْنَ عَطاياكَ الْفاضِلَةُ، اَيْنَ مَواهِبُكَ الْهَنيئَةُ، اَيْنَ صَنائِعُكَ السَّنِيَّةُ، اَيْنَ فَضْلُكَ الْعَظيمُ، اَيْنَ مَنُّكَ الْجَسيمُ، اَيْنَ اِحْسانُكَ الْقَديمُ، اَيْنَ كَرَمُكَ يا كَريمُ، بِهِ فَاسْتَنْقِذْني، وَبِرَحْمَتِكَ فَخَلِّصْني، يا مُحْسِنُ يا مُجْمِلُ، يا مُنْعِمُ يا مُفْضِلُ، لَسْتُ اَتَّكِلُ فِي النَّجاةِ مِنْ عِقابِكَ عَلى اَعْمالِنا، بَلْ بِفَضْلِكَ عَلَيْنا، لاَِنَّكَ اَهْلَ التَّقْوى وَاَهْلَ الْمَغْفِرَةِ تُبْدِئُ بِالاِْحْسانِ نِعَماً، وَتَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ كَرَماً:
ولعله والله أعلم إن هؤلاء هم المعنيون بقوله تعالى(وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)



